ستانلي كوبريك: الحسابات العقلانيّة تفشل دائماً

بقلم: محمد الفقي
ستانلي

اليهوديّ الذي تملَّص دائماً من صنع فيلم عن الهولوكوست، متعللاً باستحالة صنع فيلم مدته ساعتين فقط عن جرائم النازيّ، وحين اشتد الضغط عليه، صنع لهم (دكتور سترنچلاف، أو: كيف تعلمتُ أن أتوقف عن مخاوفي وأن أحب القنبلة، 1964)، عن جنون المؤسسة الرسميّة الأميركيّة، كاشفاً أن الفاشيّة هي محركها الخفيّ، وأنها لا تتورع بحمقها عن توريط العالم في هولوكوست نوويّ.

ستانلي كوبريك (1928-1999) يلقبه أعداؤه بـ: "ستانلي سترنچلاف"، نسبةً للشخصيّة الفاشستيّة التي لعبها پيتر سيلرز في (دكتور سترنچلاف)، فكوبريك متهم من قبل أعدائه بالترويج للأيديولوجيّات السلطويّة، والفاشيّة، وبأنه ساديّ، ولا أخلاقيّ، يسعى لتمرير قيمه الهدَّامة للمشاهدين، وقائمة الاتهمات طويلة، وأدلة الإدانة التي يستدعونها من أفلامه أطول، لا تقتصر على مشاهد بعينها، بل تشمل أيضاً طريقته في رسم شخصيّات أفلامه.

يقولون إن شخصيّات كوبريك تقف على قدم المساواة مع أشهر سفاحي التاريخ في عنفها وساديتها، ويقولون إنه يقدمها على نحو تنال معه، هي وحدها، إعجاب المشاهدين؛ ذكاء، حيويّة، تأنق، جاذبيّة، قوة وثقة بالنفس (سترنچلاف والجنرال ريپر في "دكتور سترنچلاف"، الكمبيوتر هال في "2001"، أليكس في "البرتقالة الآليّة"، چاك في "السطوع"، الرقيب هارتمان في "فول ميتل چاكت")، وهي اتهامات يدعمونها بمقارنة أفلامه بالأصول الأدبيّة لها، والتي تُثبت مسؤوليّة كوبريك التامة، وتنفي تلك المسؤوليّة عن الأصول الأدبيّة، وهنا يجب أن نقول إن كوبريك ينطلق في معظم الأحيان من أصل أدبيّ مكتوب، رواية في الغالب، يعمل على تحويلها إلى سيناريو بصريّ معقد، لكنك إن أجريت تحريات متعمقة في العلاقة بين الأصل الأدبيّ والفيلم الذي يصنعه عنها، سيلفت نظرك أن كوبريك في أغلب الوقت مخلصٌ للخط الأساسيّ العام لحبكة الرواية، خائنٌ دائماً لما تحمله من معنى.

الاتهامات معظمها أميركيّة، والأعداء يتنوعون حسب الفيلم، طوراً الجماعات الدينيّة المحافظة، وتارةً الجمعيات النسائيّة، وأحياناً يتجرأ عليه بعض حمقى هوليوود؛ أذكر أنني قرأت مرة نقداً لمخرج أميركيّ لفيلم (2001: أوديسا الفضاء، 1968) يقول فيه: "يبدو أن السيد كوبريك لا يعرف متى وأين يستخدم القطع!"، مستاءً فيما يبدو من إيقاع مشاهد الفيلم الطويلة! ترى ماذا سيكون رأي الأخ في مهنيّة تاركوفسكي، أو تار بيللا مثلاً؟!

قال إيميل سيوران يوماً: "الإنسانُ يسيلُ خراباً"، لا توجد عبارة تكشف عمق قناعة كوبريك بشأن الوضع الإنسانيّ أبلغ من هذه العبارة، منذ أول أفلامه (الخوف والرغبة، 1953)، وحتى ختام حياته (عيون موصدة بالكامل، 1999)، وهذه هي قناعته التي لم تتغير، تبدلت طريقة تعبيره عنها عبر رحلة نضج؛ من المباشرة في الفن إلى الإيمان بأن الحقيقة مقامها جماليّ، وأدواتها جماليّة، لكن قناعته الفكريّة ظلت هي هي، بدأ متشائماً بشأن العالم والإنسانيّة، وما انفك هذا التشاؤم يتفاقم بمرور الزمن، وباستمرار العمل، منتهياً في آخر الرحلة إلى التشبث بنفس القناعة: لا جدوى في إضفاء عقلانيّة أو معنىً على العالم، أن الإنسانيّة في جوهرها فاسدة فساداً لا يمكن إصلاحه، وأن محاولات خداع النفس وتمويه هذا الفساد والتحلل بالحيلة والمكر والمخاتلة تجعل منه أشد خطورة وأكثر تدميراً، هذه هي رؤيته التي لم تتغير في ما يقرب من النصف قرن من العمل، الاختلاف الملموس أنه قلّص، تدريجيّا، سلطته المباشرة في فرض المعنى، أو بالتعبير السياسيّ: استخدم نفوذه بدلاً من سلطته، مانحاً شخصيات أفلامه شرف المحاولة، بينما قبع هو في ركنه، بشهيته القاتمة الهائلة للسخريّة، متفرجاً على لا جدوى مسعاها.

في سينما كوبريك، الحسابات العقلانيّة تفشل دائماً، العقل يُخطئ ولا سبيل إلى الرشد؛ نتذكر مثلاً: فشل الحسابات الدقيقة في إنجاح عملية السرقة الكبرى في (القتل، 1956)، الحسابات الخاطئة للقادة العسكريين في (طُرق المجد، 1957)، فشل الرئيس الأميركيّ في غرفة إدارة الحرب في (دكتور سترنچلاف)، فشل العقل هال في (2001: أوديسا الفضاء)، فشل تجربة لودڤيكو في تحويل الإنسان إلى كائن مسالم في (البرتقالة الآليّة، 1971)، فشل حسابات چاك العقلانيّة لكتابة رواية أثناء عزلته في الفندق في (السطوع، 1980).

في أفلامه أيضاً، يتكرر دائماً انتصار الضعيف على القويّ، وهي تيمة من تيمات نيتشه المفضلة لدى كوبريك؛ الشرطة تقبض على زعيم العصابة في (القتل)، جنود الميدان الشجعان يصبحون كبش فداء لجنرالات المكاتب الفشلة (طُرق المجد)، سبارتاكوس ينهزم بقيمه الثوريّة في (سبارتاكوس، 1960)، رائد الفضاء يقتل الكمبيوتر هال في (2001: أوديسا الفضاء)، أفراد العصابة الضعفاء يوسعون أليكس ضرباً في (البرتقالة الآليّة)، توني يقتل أباه في (السطوع).

في نهاية (السطوع)، في مشهد الختام في المتاهة المتجمدة حيث تسبَّبَ الابن في موت أبيه بمنتهى البرود، يستدعي الذهن المتاهة التي خاض فيها رائد الفضاء في المقطع قبل الأخير من فيلم (2001: أوديسا الفضاء)، كاسراً حاجز الزمن، عابراً البعد الرابع، في رحلته نحو الأبديّة، هل كانت عودة الابن القهقرى على آثار أقدامه الأولى هي إعادة ميلاد كما حدث لرائد الفضاء بعد أن وصل إلى الأبديّة في (2001: أوديسا الفضاء)؟ أغلب الظن عندي أنها كذلك، فنحن نعلم أن نهاية الأصل الأدبيّ لستيفن كنج مختلفة تماماً عن الفيلم، وليس بها أيّ متاهة، المتاهة من صنع كوبريك؛ عرقُ جبينٍ صاف.

لا تستغرب من تداعي أفكار عن العود الأبديّ، أو مراحل الإنسان الثلاث، أو الإنسان المتفوق، لدي مشاهدتك لسينما كوبريك، فهو متأثر بقراءات لنيتشه، ويظهر تأثره الكامل بزرادشت نيتشه جلياً في (2001: أوديسا الفضاء)؛ ، فالفيلم، الخالي من الحبكة الدراميّة التقليدية ومن الأبطال، صُمِّم بناؤه ليأتي في ثلاثة فصول: المرحلة الحيوانيّة (فجر الإنسان-القرد)، ثم مرحلة الإنسان وسعيه للتفوق مستخدماً التكنولوجيا (مقطع سفينة الفضاء، والعقل الإليكترونيّ هال)، وأخيراً رحلة الإنسان لتحطيم التكنولوجيا وتحقيق تعاليه كإنسان متفوق (انتصار رائد الفضاء على الكمبيوتر هال، ورحلته النهائيّة إلى الأبديّة)، فضلاً عن افتتاح الفيلم بلحن ريتشارد شتراوس: "هكذا تكلم زرادشت"، ومن اللافت للنظر أن كوبريك قد صرَّح أكثر من مرة بأنه لا يوجد فكرة مجردة لا يمكن التعبير عنها بصريّاً، لكننا نعلم أن القلة القليلة جداً من السينمائيين في كل تاريخ هذا الفن، هم القادرون على مثل ما هو قادر عليه هذا الرجل.

د.سترنيجلوف

لدى كوبريك ما يشبه أن يكون قرابة فكريّة وتأمليّة مع مايكل أنچلو أنطونيوني؛ البشر جزر معزولة عن بعضها البعض في عالم مُصمَّم من الجزر المعزولة، هناك دائماً مشكلة اتصال بين البشر في أفلامه، كما في أفلام أنطونيوني، وجزء من هذه المشكلة عند كوبريك أن الإنسان يدرك وجود غيره "هناك"، لكن ذلك الإدراك ليس بالضرورة تواصلاً، والزواج نفسه لا يُقدم حلاً لمشكلة العزلة المفروضة على الإنسان (مثلاً: السطوع، أو عيون موصودة بالكامل)، فالإنسان غير قادر على التعبير عن نفسه، هو ينطق لكن لغته دائماً قاصرة، (في الأعمال الأخيرة لدوستويفسكي هناك شكوى مستمرة من الراوي لعدم قدرته على التعبير بوضوح عن أفكاره ومشاعره، وتشوهها حال الإفصاح عنها)، الإنسان غير قادر على صياغة مغزى قابل لأن يُفهم على نحو عقلانيّ (مونولوج الجنرال ريپر في "دكتور سترنچلاف"، المواجهة في الفندق بين الزوج وزوجته في "السطوع"، المقابلات التي يجريها الجنود مع فريق الأخبار في "فول ميتل جاكت،1987"، على سبيل المثال فقط).

المشاكل الاتصاليّة في سينما كوبريك ليست مجرد غياب التفاعلات الإنسانيّة، بل إن هذه التفاعلات، إن تمت، فهي تتم بطريقة روتينيّة باردة وجافة، بطريقة تعتمد على بيانات الآلة، ومن المفارقات المهمة مثلاً في (2001: أوديسا الفضاء)، أن الكمبيوتر هال هو الوحيد الذي نلمس فيه نوعاً من التعاطف، والرغبة في الاتصال، والقدرة على الاستماع، والحوار، والمشاركة في اللعب، والرغبة في السيطرة، بل إن الجنون والخبل الذي يصيبه، والرغبة في القتل؛ قتل صانعه – الإنسان - الأب، هي مشاعر كانت أولى بشخصيّات الفيلم البشريّة التي يسود البرود والجفاف اتصالاتها الآليّة، والتي تبدو وكأنها هي التي في "غربة"، وليس الكمبيوتر هال، غربة الإنسان في محيطه، بعد أن تم استلاب عواطفه، وغرائزه، بل وحتى جسديّته وتوحشه البدائيّ الرومانيّ.

لكن كوبريك لا يُلح على المشاكل الاتصاليّة كما يفعل أنطونيوني، ولا كما يفعل وانج كار واي ولا هونج سانج - سو ولا حتى تساي منج - ليانج، بل يزرع ألغامه الاتصاليّة بخبث مستخدماً إياها كعنصر تشويق جماهيريّ؛ من أجمل ألغام كوبريك الاتصاليّة عندي، تلك المفارقة الثلاثيّة ما بين نجاح الاتصال التخاطريّ بين الطفل والطباخ الأسود، في نفس توقيت تعطل وسائل الاتصال الحديثة بسبب هبوب عاصفة، وفي نفس توقيت تدهور الاتصال الإنسانيّ بين الزوجة وزوجها في الفندق في (السطوع)، مثل تلك المفارقات ليست ناشئة عن الصدفة، عليك أن تتأكد من ذلك، إن كوبريك يقتفي آثارها المتشابكة بعناية متمهلة، وبطريقة مدققة، وببرود أولاً وقبل كل شيء.

كوبريك في أعماله الأكثر نضجاً، يتآمر مع الصورة، ويحسب تأثيراتها لقطة لقطة، ويتجنب كشف المعنى للمشاهد، ويتقدم ببطء بدءًا مما يبدو أنه الوضوح خاطياً به برفق مقرباً إياه من اللاحسم، فعلى عكس أعماله الأولى، بدأ كوبريك منذ فيلم (لوليتا، 1962) يُظهر ميلاً أكبر للاهتمام بما هو مخفي أكثر مما هو ظاهر، اهتماماً بالالتباس على حساب الوضوح، للدرجة التي يمكن معها القول بأن أجمل أفلام كوبريك اللاحقة لا تُعدّ على الإطلاق نماذجاً لوضوح السرد، ولا ليقينيّة الإدراك، ولا لواحديّة المعنى، ولا حتى لتبني السينمائيّ لموقف ودوافع شخصيّاته، فالمعاني عند كوبريك مراوغة، لا قطعيّة، يمكن أن تتضمن المعنى المضاد داخلها، ويتوقف الأمر حسب تطورك الشخصيّ أثناء مشاهدتك للعمل، وفي كل الأحول، هناك على الدوام أشكالاً مقامة بحيث تمنع انفجار العاطفة أثناء المشاهدة.

السطوع

لكن لا ينبغي أن نستنتج أن ذلك الميل لدفن المعنى يستتبعه أن الكاميرا عند كوبريك محايدة، بنفس القدر الذي لن تكون فيه اللغة حياديّة عند كافكا مثلاً، والذي كان كوبريك يحمل له تقديراً عظيماً، وفهماً عميقاً لطريقة عمله، فكوبريك مسيطر على العنصر البصريّ تمام السيطرة، هو ليس ككتاب تيار الوعي في الأدب، ولا كديڤيد لينش الذي قد يبدأ تصوير فيلم وهو لا يعرف منه إلا المشهد الأول فقط، منطلقاً من حدثٍ واحدٍ غير مسيطَر عليه ولا يمكن التنبؤ بنهايته مقدماً، معتمداً على تدفق المشاعر وتداعي الأفكار، لا، كوبريك على العكس، هو أشبه ببودلير؛ عمله هو نتيجة كدح هرقليّ؛ تنقيحات وتعديلات لا نهاية لها قبل التصوير؛ أشبه بالمبارزات المستمرة بينه وبين المادة الخام، هذا ما اتضح جليّاً بعد الكشف عن أرشيفه الضخم الذي أصبح متاحاً للمهتمين.

وبنفس القدر لا يمكن إطلاق وصف "الواقعيّة" على إسلوب كوبريك، فأفلامه تُظهر مخيّلة تشوه المادة الخام عن عمد، مخيّلة تزيح الفيلم بعيداً عما يجري الدفاع عنه عادةً على أنه نموذج للواقعيّة الاجتماعيّة، فأعماله الأشد صدقاً وأصالة لا يمكن اعتبارها مصدراً موثوقاً للمعلومات، ولا للوقائع، ولا للتفاصيل الاجتماعيّة، فمثلاً في (دكتور سترنچلاف)، يفتتح كوبريك الفيلم بتقنيّة "الراوي العليم"، كما سبق أن فعلها في معظم أفلامه الأولى، إلا أن المدهش أنه يُقدم لنا منذ البداية راوياً عليماً لا يمكن الوثوق به (وهو نقيض توصيف الراوي العليم؛ محل الثقة، كُليّ العلم، العارف بكل شيء عن الشخصيات والأحداث والعالم)، فرغم أن الراوي العليم يخبرنا بمعلومات عن آلة تدمير البشريّة المُسماة "آلة يوم الحساب"، ورغم أنه يقدم لنا هذه المعلومات في نبرة جادة وواقعيّة، إلا أن الهدف الساخر يصلنا على الفور، ونتبين منذ اللحظة الأولى طبيعة الفيلم الكوميديّة - الساخرة، التي تُجهض أيّ محاولة لإضفاء الواقعيّة على سلطة الراوي العليم.

إن طريقة كوبريك هي أن استخدام المصادر الطبيعيّة اليوميّة أكثر وأكثر سيؤدي إلى أن تصبح المادة خياليّة أكثر وأكثر، لاحظ مثلاً طبيعيّة الشخصيّات والديكور والإضاءة وبقيّة العناصر البصريّة في فيلم مفترض أنه عن الأشباح: (السطوع)، وهو ما يتناقض مع الأصل الأدبيّ للفيلم، إن كوبريك ليس مخلصاً للوقائع على الإطلاق، لكنه مخلص أشد الأخلاص في التعبير عن فهمه للوقائع، في التعبير عن حقيقة فهمه للعالم والإنسانيّة.

ومن هنا نفهم إسلوب كوبريك في سلخ الصورة عن وثائقيتها؛ حتى ذلك الجزء الواقعيّ من الصورة والذي لا يمكن للسينمائيّ التملص منه؛ الجزء الحتميّ الخاص بتسجيل الحياة اليوميّة في الشوارع، أنواع المواصلات، ملابس الناس، السلع التجاريّة، شكل المنازل من الداخل والخارج ... إلخ، كل تلك الأشياء التي يمكن وصفها بالتوثيق اللاواعي الموجودة في كل الأفلام حتى الخياليّ منها، هذا الجزء معدوم تقريباً عند كوبريك! فمن يستطيع القول مثلاً بأن (البرتقالة الآليّة) تقدم توثيقاً لشكل المنازل، أو المواصلات، أو الملابس في المجتمع الإنجليزيّ في نهاية ستينيات القرن الماضي؟ من يستطيع الاعتماد على (السطوع) في رسم صورة لما كانت عليه شكل أو ديكوارت الفنادق الأميركيّة في نهاية السبعينيات من القرن الماضي؟!

لدى كوبريك أيضاً فكرة متكررة بأن الفن يُساء استخدامه، تستدعي الذاكرة، من فيلم (البرتقالة الآليّة)، مشهد قتل (أليكس) لصاحبة القصر (مربيّة القطط)، مستخدماً في قتلها قطعة من النحت الما بعد حداثي في شكل عضو تناسليّ، الفن هنا يتحول إلى أداة قتل مباشرة، رغم السخريّة اللاذعة والكوميديّة التي غَلَّف بها كوبريك مشهد القتل كله.

المدهش أن كوبريك لا يقف عند هذا الحد، بل إنه، وفي نفس الفيلم، يتلاعب بالمُشاهد باستخدام الفن أيضاً على نحو جبار؛ وكأنه يُدين الوسيلة وهو يستخدمها، فالربط الذي يقوم به القائمون على تجربة لودوفيكو بين موسيقى السيمفونيّة التاسعة لبيتهوفن وبين صور سينمائيّة عن العنف والقبح والبشاعة، والذي ينجح في التأثير على (أليكس)، على النحو الذي لا يصبح معه قادراً على سماع السيمفونيّة التاسعة إلا وتنتابه حالة من الاختناق والغثيان، يقابله من ناحية أخرى، ربط سابق متعمد من كوبريك بين ممارسة أليكس ورفاقه للعنف والاغتصاب، وبين غناء أليكس لمقاطع من أغنيّة فيلم "الغناء تحت المطر" أثناء ذلك، على النحو الذي لن تستطيع معه سماع تلك الأغنيّة كما كنت تسمعها من قبل، ولا مشاهدة جين كيلي وهو يرقص كما كنت تشاهده من قبل، حيث ستكون أنت أيضاً، مثل أليكس، قد تم بداخلك ذلك الارتباط الشرطيّ بين أغنية "الغناء تحت المطر" وبين حالة العنف، ارتباط إلى الأبد، وكوبريك هو الفاعل.

محمد الفقي ـ كاتب وسيناريست من مصر

mohamed_elfeki@hotmail.com