سحر شهرزاد يتجدد في طبعة جديدة لـ'ألف ليلة وليلة'
بعض الأعمال الأدبية كُتبت لتظل خالدة في ذاكرة التراث الإنساني العالمي، لأنها تتناول التجربة الإنسانية، بما تحمله من مشاعر مختلفة من حب وخوف وأمل وصراع، ما يجعلها صالحة للقراءة في كل وقت ومكان، مهما تغيّرت الظروف والاهتمامات، ومهما تعاقبت الأزمنة. ولهذا تتسابق المؤسسات الأدبية والثقافية في إعادة إصدار هذه الأعمال في طبعات جديدة، في محاولةٍ لتقديمها بشكل يناسب الأجيال الجديدة، ويمنحها فرصة للتعرّف عليها.
في هذا الإطار، صدرت حديثًا طبعة جديدة من "ألف ليلة وليلة" عن "دار أزهى" بالقاهرة، في سبعة أجزاء. وتقدم الطبعة النص الكامل مُحقَّقًا، دون اختصار في 2986 صفحة، ولا تقتصر على إعادة تقديم المادة التراثية، بل تعيد صياغتها بروح معاصرة، لتمزج بين المتعة الأدبية وعمق التراث الحكائي.
كما تتضمّن رسوماً توضيحية لمشاهد مختارة من بعض الحكايات، تُنسب إلى الفنان الفرنسي الاستشراقي ليون كاريه، الذي اشتُهر برسوماته لطبعات "ألف ليلة وليلة" الفرنسية الكلاسيكية، خلال عشرينيات القرن العشرين، وهو ما يضيف بعدًا توثيقيًا، ويُشعر القارئ بالاندماج داخل أجواء العمل، وكأنه يعيش في الأزمنة الذي كُتبت فيه هذه الحكايات.
تدور السلسلة حول الملك شهريار الذي اكتشف خيانة زوجته، فقرر ألا يثق في أي امرأة بعد ذلك. فصار يتزوج كل يوم امرأة جديدة، ثم يقتلها في اليوم التالي، استمر على هذا الحال حتى لم يعد في المدينة فتيات. ثم جاء الدور على شهرزاد، ابنة الوزير، التي بدأت تحكي له قصة في ليلة زفافها، لكنها كانت تتوقف في منتصف القصة عند الفجر، فيبقيها الملك لتكمل له الحكاية في الليلة التالية، ومع كل ليلة كانت تحكي قصة جديدة، فينسى الملك فكرة قتلها بسبب رغبته في معرفة نهاية الحكايات. وهكذا استمرت شهرزاد في سرد القصص ليلة بعد ليلة، حتى وصل عدد الليالي إلى ألف ليلة وليلة.
تأخذ هذه القصص الملك (وكذلك القارئ) إلى عوالم مختلفة مليئة بالمغامرات، يجتمع فيها الخيال مع الواقع، والحكايات الشعبية مع القصص ذات الطابع الأخلاقي والترفيهي، في إطار سردي يقوم على تقنية "الحكاية داخل الحكاية"، تتجاور فيه الطبقات الاجتماعية المختلفة، من الملوك والوزراء إلى التجار والفقراء والحمّالين، ممَّا يعكس صورة عن المجتمعات آنذاك.
ما بين الحقيقة والخيال
في إحدى الحكايات مثلا تروي شهرزاد قصة تاجر يلتقي بجني يريد قتله؛ لأن الأول ألقى نواة ثمرة أصابت ابن الثاني، ثم يأتي ثلاثة شيوخ يحاولون إقناع الجني بالعفو عن التاجر، فيروي كل شيخ منهم حكاية أغرب من الأخرى، لتتداخل الحكايات عن السحر، وتنتهي كل قصة بعبرة أو مفاجأة، بينما يتأجل مصير التاجر حتى النهاية.
وأخرى تدور حول صياد يلتقط في يومٍ ما، خلال رحلته اليومية للبحث عن رزقه، قمقمًا قديمًا. يفتحه فيجد نفسه أمام عفريت هائل يهدده بالموت، لأنه تسبَّب في تحريره من سجنه الذي بقي فيه قرونًا. فيحاول الصياد النجاة، مستعينًا بالحِيَل والألاعيب، في مواجهة كائن لا يُقهر، لتبدأ لعبة الذكاء والخوف، ثم تنقلب الموازين في لحظة غير متوقعة.
ولا تقتصر الحكايات عن القصص الخيالية، لكن أيضا تضم قصصًا واقعية إنسانية، فها هي قصة نور الدين وأخيه شمس الدين، وهما وزيران في مصر، يشتعل بينهما الخلاف، فيفرّ أحدهما مغتربًا تاركًا البلاد، بينما يمضي الآخر في حياته، ثم يُرزق كلٌّ منهما بولد وبنت على قدرٍ من الجمال والبهاء. وبعد زمن، تتقاطع أقدار الأبناء في سلسلة من الرحلات والتقلّبات بين الممالك، وتتشابك خيوط الحب والسلطة والغياب.
أما قصة الحمَّال والثلاث البنات، فتدور حول حمّال فقير، تقوده الصدفة إلى دار غامضة، تسكنها ثلاث نساء في غاية الجمال والغرابة في الوقت نفسه، فيتحول يوم عابر في حياته، إلى ليلة مملوءة بالشراب والترف وكشف الأسرار، وفي اللحظة التي يظن فيها أنه ضيف محظوظ، يبدأ في اكتشاف طبقات أعمق من الغموض والأسرار التي تُحيط بهؤلاء النسوة.
من المجالس الشعبية إلى العالمية
يُذكر أن جذور "ألف ليلة وليلة" تعود إلى مزيج من الحكايات الهندية والفارسية والعربية، التي انتقلت شفهيًّا من جيل إلى آخر، على مدى قرون، ومع الوقت أضيفت إليها قصص جديدة، وتغيّرت بعض تفاصيلها، حتى بدأت هذه الحكايات، مع انتقالها من الرواية الشفوية إلى التدوين، تتشكّل تدريجيًّا في الصورة التي نعرفها اليوم.
ويُرجّح الباحثون أن النواة الأولى للكتاب كانت مأخوذة من كتاب فارسي قديم يُعرف باسم "هزار أفسان" أي "ألف خرافة". أما بداية انتشار الكتاب عالميًا، فيُرجعونها إلى ترجمة المستشرق الفرنسي أنطوان غالان، الذي أصدر أول ترجمة فرنسية للكتاب عام 1704م، واعتمد في ترجمته على مخطوطات حصل عليها من سوريا، وتُعد من أقدم المخطوطات المعروفة للكتاب، لتبدأ بعدها رحلة انتشار الكتاب عالميًا عبر الترجمات والطبعات المختلفة، ثم ظهرت أول طبعة عربية لاحقًا في القرن التاسع عشر.
امتد تأثير "ألف ليلة وليلة" إلى مجالات فنية عديدة، فاستلهمت منه السينما والتلفزيون والرسوم المتحركة أعمالًا عالمية وعربية شهيرة، أبرزها فيلم "علاء الدين"، إلى جانب أفلام "لص بغداد"، وعدد من المسلسلات العربية. كما ألهم موسيقيين كبارًا في تأليف أعمال أوركسترالية وأوبرالية، ومن أشهرها مقطوعة "شهرزاد" للمؤلف الروسي نيكولاي ريمسكي كورساكوف. وفي الفنون التشكيلية، تركت الحكايات أثرًا واسعًا على الفنانين المستشرقين والعرب، الذين جسّدوا أجواء الشرق وشخصيات شهرزاد والسندباد والحريم والأسواق في لوحاتهم، ومن أبرزهم أوجين ديلاكروا وبابلو بيكاسو وهنري ماتيس.


