'سرديات اللون' معرض جماعي يجمع بين الذاكرة والمكان

المعرض يحمل في طياته تعدد لأصوات وتجارب تشكيليين عُمانيين، ويعكس كيف يُمكن للون أن يكون لغة توحد وتفرد في الوقت ذاته.
خميس الصلتي
مسقط

يستكشف سبعة فنانين عُمانيين التقاطعات بين الذاكرة والمكان والتعبير الشخصي في معرض يحمل عنوان "سرديات اللون ـ الرؤية المعاصرة"، يقام في صالة ستال للفنون بمدينة السلطان قابوس في مسقط.

ويقدم كل واحد من هؤلاء الفنانين ضمن هذا المعرض التشكيلي حوارا واقعيا حول ذاكرة الثقافة والهوية الحديثة، حيث تتشكل روح ذات جمالية للفن العُماني المعاصر.

ويستمد المعرض الذي يستمر إلى غاية الحادي والثلاثين من أغسطس/آب المقبل وجوده من لوحات فنية متعددة وفق وسائط وأساليب فنية، بما فيها المنسوجات السردية واللوحات التجريدية، التي عادة ما تقدم شخصيات ذات اتصال جماعي بالماضي والحاضر.

ويشارك في معرض كل من عفراء بنت طلال آل سعيد، وأنور سونيا، وحسن مير، وإدريس الهوتي، وحسين عبيد، وبشاير البلوشية، وسهى سالم، مع الحضور النوعي الرمزي للفنان العُماني الراحل موسى عمر.

وسيقترب الزائر للمعرض الصيفي السنوي الذي يأتي هذا العام ليمزج بين الأصالة والمعاصرة من حوار حيوي مفتوح حول الهوية الفنية المتطورة في سلطنة عُمان، مع التوقف حيث تتجسد أعمال السيدة عفراء بنت طلال آل سعيد، في سياق سردي بعنوان "ظلال من عُمان"، ضمن سلسلة من اللوحات التي جاءت ممزوجة بالأقمشة العُمانية التقليدية مع الزخارف الطبيعية لظلال سعف النخيل، في مشاهد نوعية تُبرز طبيعة روح التوافق بين الثقافة العُمانية ومحفزاتها، والارتباط العميق بالطبيعة وأنسجة الحياة المحلية، فتتنقل أعمالها بين ما هو جسدي وعاطفي.

وفي العمل الفني التشكيلي "ظلال من عُمان"، تتحدث المنسوجات عن التراث، عن الثقافة وتجلياتها، عن اللحظات التي تعبر عن الواقع، بينما يُسهم التفاعل الفني بين الظل واللون في إيجاد التأمل، مع تقديم تقنية ذات إيقاع هادئ يكاد أن يكون روحيًّا. هنا تقدم عفراء بنت طلال آل سعيد الذكريات والمناظر الطبيعية والعواطف المُصفّاة عبر النسيج واللون والتناغم التشكيلي، في سفر لا يخلو من العمق في ثقافة تأصلت عبر سنوات طويلة، وما يتقاطع معها من أفكار متجددة لا تخلو من التجذّر في الأصالة.

وحول هذا الحضور الفني، تقول عفراء آل سعيد إن مشاركتها تُعد محطة فنية مهمة، كونها الأولى لها في صالة ستال للفنون، وتُعد من المساحات الفنية التي تدعم الحركة التشكيلية المعاصرة في سلطنة عُمان.

وتضيف أن تجربتها الفنية هذه تعزز من مسارها الفني الذي يتجه نحو التجريب والتجديد، من خلال الاشتغال على القماش وتوظيف مواد وخامات مختلفة تمنح العمل طابعًا متفردًا ومغايرًا، مشيرة إلى أنها تسعى إلى تقديم واقع بصري يعبّر عن شخصيتها الفنية التي تؤمن بأهمية الاختلاف والابتكار، دون الانفصال عن الجذور الثقافية والبيئية التي تنتمي إليها، وأنها كلما وظّفت حقيقة الضوء والظل بأسلوب تجريدي، جاء فيما بعد في سياق "اتصال" بين الواقع والخيال، ليُعبّر عن ملامح البيئة في سلطنة عُمان بروح معاصرة.

وعبّرت عن إيمانها العميق بأن المعارض الفنية تفتح المجال أمام حوارات فنية تتجاوز الحدود، وتُسهم في تعريف الجمهور المحلي والدولي بجماليات الفن العُماني وتطوره وتنوّع رؤى مبدعيه، خاصة الجيل الجديد الذي يحمل شغف التجديد مع احترام الأصالة.

وأوضحت أن الفن بالنسبة إليها هو حالة شعورية خاصة، ومن خلاله -في مجمله- ينفرد الفنان بترجمة تجاربه الداخلية وتأملاته في العالم من حوله، فهو في ماهيته ليس مجرد ممارسة تقنية، بل اختزال للحياة وتكثيف للمشاعر وتجسيد لما تلتقطه الروح قبل العين.

وبينت أن الفنان يحمل حساسية عالية تجاه التفاصيل من حوله، ويملك قدرة فريدة على التقاط ما قد يبدو عاديًّا للآخرين، ليعيد صياغته بلغة جمالية تلامس المتلقي على مستويات متعددة. "وفي هذا المعرض الذي تتدفق من خلال لوحاته المعاصرة مع الانغماس في الثقافة والتاريخ، حرصتُ على أن تكون لوحاتي انعكاسًا صادقًا لمشاعر متعددة منها التأمل، والحنين، والدهشة، وحتى التساؤل، وهي بلا شك مشاعر إنسانية عالمية، لكنها في الوقت نفسه متجذرة في خصوصية المكان العُماني الذي أستوحي منه الكثير من الرموز، والضوء، والخامات".

ويشارك كذلك أنور سونيا، الذي اشتهر بأسلوبه الفني التعبيري المتفرد، بلوحات تعود بالذاكرة إلى ما هو أقرب إلى طبيعة الإنسان في سلطنة عُمان، فهو يكتشف العادات والتقاليد العُمانية بروح متجددة، خاصة تلك التي أسهمت في تكوين روح الثقافة. ومن خلال أعماله، يترجم الطاقة الفنية "الخام" والرمزية لتلك الأحداث في البيئة العُمانية المعاصرة إلى لوحات واقعية الألوان، ومن خلالها يقدم لغة بصرية تجسد تقليدًا حسيًّا ومتجذرًا بعمق في التراث العُماني.

وهنا يشير الفنان أنور سونيا إلى أن المعارض عادة ما تكون فضاءات للحوار والتأمل وطرح الأسئلة، فكل فنان مشارك في هذا المعرض يقدّم تجربته الخاصة التي تعكس رؤيته الشخصية، وكيف يتعامل مع اللون كأداة تعبيرية تؤثر عليه وعلى بيئته، فهناك من يتناول اللون كوسيلة للبوح الداخلي، وهناك من يوظفه لقراءة المكان أو استدعاء الذاكرة، أو حتى حضور حيثيات التراث والثقافة وروح البيئة وتجلياتها.

وأوضح أن "الرسالة التي يحملها هذا المعرض تتمثل في التأكيد على أن الفن المعاصر في سلطنة عُمان متجدد وحيوي، ويستند إلى عمق شخصي وثقافي في آن معا، هذا المعرض في حقيقته يحمل في طيّاته تعدد الأصوات والتجارب، ويعكس كيف يُمكن للّون أن يكون لغة توحد وتفرد في الوقت ذاته".

ويحضر إدريس الهوتي بسلسلة عن هوية "مطرح" وأزقتها المكتظة بالحنين، ففي جنباتها التاريخية التي توحي بالانسجام التام في محافظة مسقط، يوجد سفر فني حيث النخيل الوارفة المتشكلة كظلال على خلفية المباني التي لا تزال عالقة في الذاكرة، والشوارع التي تتسامى مع اللحظات الهادئة التي تعطرها الذكريات. تحمل فرشاته شعورًا بالتأمل في ماضي مطرح، وتدعو اللوحات إلى التفكير في المساحات التي تختفي أو تتغير مع مرور الوقت، لكنها لم تسقط من الذاكرة الجماعية.

في ما يقدم حسن مير سلسلة من اللوحات تستكشف موضوعات عن الهوية. يقدم أعمالًا مثل "أب وابن" و"نساء عُمانيات يتجمعن"، في وقع تناغم بصري ومعبر لنقل موضوعات عن الأسرة العُمانية وتآلفها والترابط الروحي فيما بينها، والذاكرة الجماعية والاستمرارية الروحية. ثمة عمق غير مرئي في اللوحات، حيث يرتع إيقاع العواطف والخيوط الثقافية والإنسانية التي تربط الأجيال معا، وتكتب سِيَرًا ذاتية لا تخلو من الحنين.

ويقول الفنان حسن مير حول المعرض المعاصر الذي تستضيفه صالة ستال للفنون "يقدم المعرض في هذا العام مجموعة مختارة من الأعمال التي تنتمي إلى مقتنيات فنانين بارزين في الساحة العُمانية، أضف إلى ذلك مشاركات مميزة من فنانين شباب، حيث يشكل هذا التنوّع وقعًا غنيًّا لقراءة التجارب اللونية والتقنية المختلفة، واستكشاف كيف تعبّر الألوان عن رؤى الفنانين وأسئلتهم الخاصة تجاه الواقع والذات والهوية".

وتابع "لهذا تسهم ستال للفنون في دعم الحراك الفني والثقافي في سلطنة عُمان، من خلال تنظيم معارض نوعية تُعنى بالفن المعاصر، وتفتح المجال أمام التجريب والتعبير الفني الحر".

ويقدّم حسين عبيد تركيبات متجذّرة في الرموز البصرية العُمانية القديمة، فأعماله تقدم مزجًا للتاريخ بروح التجريد، داعيًا الزائر للمعرض إلى فك رموز الزخارف المستوحاة من الأنماط الاجتماعية العُمانية، والتراث الذي واكب علاقة الإنسان بالبحر، والأيقونات الصحراوية، بما فيها العلاقة الأقرب إلى الأبدية بين الإنسان وأرضه. تلك الأعمال تتشكّل في وقع تصاعدي يربط الماضي باللغة البصرية.

وفي زاوية قريبة، يُكمل المعرض حضور الراحل موسى عمر، الذي تعكس سلسلته الأخيرة "قلوب راحلة" انخراطه مع البيئة، ليشكّل تركيبات ذات شكل دائري ونسيج يتوافق مع التضاريس المادية، وحضور أعماله، كما يراها أصدقاؤه الفنانون، هو تكريم هادئ لذكراه الجميلة.

وفي ناحية أخرى من المعرض، تقدم سُهى سالم سلسلة فنية جديدة مستوحاة من المدرسة التكعيبية بعنوان "تشتّت"، تستكشف لوحاتها التفتّت الذهني والعاطفي للحياة الحديثة، وما يعتري تلك الحياة من تناقضات وتداعيات يومية. يبدو التشتت أكثر جاذبية من خلال الأشكال الهندسية المتراكبة، والزوايا الحادة، والأشكال التي لا تخلو من التفكيك، التي تبدو أكثر حضورًا واتساعًا في لوحاتها الفنية، وهي تكشف جوانب مخفية للحياة، وما يكمن تحت سطح التجربة اليومية من توافق وتناقض والتباس ومحاولة اكتشاف الآخر.

ويستعرض الفنانون العُمانيون في هذا المعرض نَسَقًا فنيًّا تشاركيًّا حول المكان والهوية وتجذّر الثقافة، مع بيان العادات والتقاليد في توافق كلي مع روح الابتكار. كما يُوجِد المعرض أرشيفًا حيًّا لكيفية رصد الفنانين العُمانيين لما حولهم، مع طرح أسئلة مفتوحة حول المستقبل وأبعاده المختلفة، بما في ذلك الزمان والمكان والاحتمالات المنتظرة.