سرديات عاطف الحاج سعيد بين جودة المنتوج وقلة الزخم

هل يحتاج صاحب 'عاصف يا بحر' إلى إعادة النظر في مشروعه الروائي مقدماً ما يلفت انتباه القارئ العربي أكثر؟ وهو هنا يقع بين سنديان القضية التي تؤرقه حقاً ويرغب في مناقشتها ومطرقة ما يهم القارئ العربي والثيمات التي تلفت انتباهه مما يعتبر تنازلاً قد يمس كبرياء الكاتب.

قدم عاطف الحاج سعيد للرواية السودانية ثلاثة أعمال خلال خمسة أعوام، رواية "عاصف يا بحر" والتي فازت بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، 2017 "ربيع وشتاء" والتي فازت بالمركز الثاني في مسابقة أبيدي للرواية العربية 2019، ثم أخيراً رواية "نورس يهجره السرب" والتي فازت بجائزة  توفيق بكار 2021، وهي مسيرة ملفتة للانتباه وتستدعي الحديث حولها بلا شك.

ما يميز عاطف الحاج سعيد في المقام الأول هو انضباطه السردي لو صح التعبير، وقلة الهنات السردية، واللغة الوسيطة أو ما يصطلح على تسميته بلغة الرواية.

في عمله الأول "عاصف يا بحر" قدم عاطف الحاج نوفيلا تناقش قضية مهمة وهي التهريب إلى أوروبا عبر المراكب الشراعية الخطرة، في شخصية عاصف عاكساً معاناته في رحلة محفوفة بالمخاطر بشكل كامل وتفصيلي، تلك المعاناة التي عاشها ولا يزال يعيشها عدد كبير من أبناء العالم الثالث في رحلة بحثهم عن فردوس مجهول، وإن احتوت السردية على عدد من الهنات وتم الاستعانة بعدة مقاطع شعرية لتعويض صغر حجم السردية، ولكنها في المجمل كانت تقديما جيداً لروائي يطرح أوراقه في الساحة الأدبية ويعد بمشروع سردي مثير للاهتمام.

عاصف يا بحر
في المجمل كانت تقديما جيداً لروائي يطرح أوراقه في الساحة الأدبية

ثم قدم عاطف روايته الثانية "ربيع وشتاء"، والتي تناقش نفس الثيمة، حكي عن وصول عاصف إلى فرنسا، لتطرح الرواية رؤية شاملة لمعاناة المهاجرين في أوروبا أرض الأحلام المنشودة، عاكسة الجانب المظلم للهجرة والوجه القبيح والمعاناة التي يلقاها اللاجيئن غير الشرعيين. لتأتي ربيع وشتاء أكثر نضجاً وإحكاماً، مقدمة رواية مشبعة للقارئ، مرضية للنقاد وأكثر نضجا للكاتب، والملفت للانتباه في هذا العمل، أنه مكمل لعاصف يا بحر، ويناقش ذات الثيمة أي ثيمة الهجرة، مع الاختلاف الزمكاني بين الروايتين، مما يجعلهما ثنائية متصلة منفصلة، اي متصلة الأحداث ولكن في ذات الوقت يمكن قراءتهما بشكل منفصل، باعتبار أن كل واحدة منهما قد قدمت أوراقها للقارئ كاملة. وهذا يلفت الانتباه للمشروع السردي الذي يقدمه عاطف الحاج سعيد، وهو مشروع الهجرة كثيمة أساسية في العملين.

ربيع وشتاء
رواية أكثر نضجاً وإحكاماً تقدم نصا مشبعا للقارئ مرضيا للنقاد

يتبادر الي ذهن القارئ تساؤل مهم حول المشروع السردي الذي يتبناه عاطف الحاج، وان كانت هذه الأعمال سابقة الذكر قد أرضت أرق الكاتب لتأتي الرواية الثالثة، "نورس يهجره السرب" لتجيب بان عاطف لا يزال ينوي حكاية المزيد، الرواية تناقش واحد من تابوهات المسكوت عنه، وهو قضية التحول الجنسي، متمثلة في شخصية شمس الدين الذي يرغب في التحول إلى شمس الأنثى، فيهاجر إلى مصر، ومن هناك تنطلق الرواية لتغرق في قضية التحول الجنسي لشمس الدين، ثم لا تلبث إن تقترن بذات الثيمة المعتادة لمشروع عاطف الحاج، الهجرة من جديد.

تعتبر رواية نورس يهجره السرب هي قمة ما قدمه عاطف الحاج في مشروعه الروائي، منبئة عن تجدده وتطوره المستمر، ومصدقة للتوقعات التي قدمتها روايته الأولى عاصف يا بحر وروايته الثانية ربيع وشتاء.

نورس يهجره السرب
رواية تناقش واحد من تابوهات المسكوت عنه، وهو قضية التحول الجنسي

من الملفت أن عاطف الحاج قد نشر في مصر وتونس، وإن كانت رواية نورس يهجره السرب ما تزال جديدة فقد صدرت في مطلع العام الحالي، ولكن يظل هناك تساؤل يطرح نفسه، لماذا لم تحقق روايات عاطف الحاج التأثير المرجو منها ولم تنتشر بالشكل المطلوب إقليمياً، رغم القضية الجوهرية التي تناقشها، ولماذا لم تلفت انتباه القارئ العربي رغم جودتها النوعية التي تقدمها؟ وهنا لا مناص من التساؤل عن إصرار عاطف الحاج على تقديم ثيمة الهجرة في جميع رواياته، وهي ثيمة مهمة بالطبع، وقد ناقشتها عدد من الروايات دون ان يسبق لها التفرد بمشروع كامل، فعاطف قدمها لخمسة أعوام ولا يزال يقدمها لفترة قد تطول، ربما هو ما يضع المشروع الروائي لعاطف الحاج في مأزق حقيقي، فمناقشة ثيمة الهجرة في رواية واحدة أو حتى في ثنائية سردية قد يعتبر مقبولاً، ولكن تقديمه كمشروع سردي قد يقابله تحفظ القارئ العربي اتجاه قضية يبدو أنها لا تعد أولوية بالنسبة له. لو أضفنا أن القارئ العربي تحول إلى قارئ جوائز، وهو عادة يهتم بالروايات التي تحوز على جوائز معينة، مما يجعل أعمال ذات جودة عالية تتسرب من تحت يديه، عطفاً على العدد المهول من الروايات الذي تلفظه المطابع بطول الوطن العربي يومياً علي الرغم من أن روايات عاطف قد نشرت في مصر وتونس، يظل القارئ المصري مشدود بالفطرة إلى إنتاجه المحلي إلا فيما ندر، كما أن الثقل الثقافي قد انتقل في العقد الأخير شرقاً نحو الخليج العربي، الذي أضحى مركز إشعاع ثقافي كبير، مع دعم مؤكد من دول الخليج لمشاريعها الثقافية، وإنشاء عدد من الجوائز ذات الثقل المادي والإعلامي.

هل يحتاج عاطف الحاج سعيد إلى إعادة النظر في مشروعه الروائي، مقدماً ما يلفت انتباه القارئ العربي أكثر؟ وهو هنا يقع بين سنديان القضية التي تؤرقه حقاً، ويرغب في مناقشتها عبر سردياته المتتالية، ومطرقة ما يهم القارئ العربي والثيمات التي تلفت انتباهه وينشد إلى قراءتها، مما يعتبر تنازلاً قد يمس كبرياء الكاتب لدي عاطف الحاج.

وربما يجد نفسه مجبرا علي السير بمشروعه الروائي شرقاً ليقرأ بشكل أفضل، والاهتمام بنشر كتبه عبر دور نشر من الصف الأول كي تجد حظها من الانتشار الجيد والقراءة الجيدة، بل وربما المنافسة على الجوائز المرموقة، فانتشار المشروع الروائي يعد شرطاً أساسياً من شروط نجاحه، وعاطف بحاجة لاجتياز هذه الخطوة قياساً على جودة ما يقدمه من روايات مقارنة بالمنشور المحلي والإقليمي.