سرقة القرن: هواة من ضواحي باريس وراء عملية اللوفر الجريئة

خبراء في الأمن الثقافي يرون السرقة "تكشف هشاشة غير متوقعة" في منظومة الحماية بمتحف بحجم اللوفر، لكنها في الوقت نفسه تعكس واقعاً اجتماعياً مؤلماً.

باريس – في واقعة بدت كأنها مشهد من فيلم جريمة مشوق، لكن بأداءٍ بعيد عن احترافية هوليوود، كشفت المدعية العامة في باريس، لور بيكو، اليوم الأحد، أن السطو الجريء الذي استهدف متحف اللوفر الشهر الماضي ونُفذ في وضح النهار، لم يكن من تخطيط عصابة منظمة كما ظن كثيرون في البداية، بل نفذه مجرمون صغار من الضواحي الشمالية الفقيرة للعاصمة الفرنسية.

وأوضحت بيكو أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن المجموعة لم تكن جزءاً من شبكة إجرامية عابرة للحدود، بل من شبان محليين "قرروا المغامرة بعملية خارجة عن المألوف". وقالت في مقابلة مع إذاعة فرانس إنفو "هذه ليست جريمة عادية، لكنها أيضاً ليست من تخطيط مافيا محترفة. نحن أمام جنوح فردي يعكس واقع الضواحي المهمشة أكثر مما يعكس براعة إجرامية منمّقة."

وبدأت فصول الحادثة في صباح أحد أيام الأحد قبل أسبوعين، حين توقفت شاحنة نقل أثاث أمام أحد مداخل متحف اللوفر، الذي يُعد من أكثر المواقع الأمنية إحكاماً في أوروبا. استخدم رجلان مصعداً محمولاً للصعود إلى الطابق الثاني، حطما نافذة زجاجية ودخلا قاعة المجوهرات التاريخية، حيث توجد قطع تعود إلى القرن التاسع عشر، من بينها تاج الإمبراطورة أوجيني المرصّع بالزمرد والألماس.

خلال أقل من سبع دقائق فقط، تمكن الرجلان من فتح خزائن العرض وسرقة مجوهرات بقيمة تُقدّر بنحو 102 مليون دولار، ثم فرا بمساعدة شريكين كانا بانتظارهما على دراجتين بخاريتين.

غير أن ما بدا في الوهلة الأولى عملية محكمة التنفيذ، سرعان ما اتضح أنه عمل فوضوي نفذه هواة يفتقرون للخبرة. فقد كشفت التحقيقات أن اللصوص أسقطوا خلال هروبهم تاج الإمبراطورة أوجيني – وهو أثمن القطع – وتركوه في مكان الجريمة، كما نسوا أدواتهم داخل القاعة، وفشلوا في إضرام النار في شاحنة الرافعة التي استخدموها للفرار، ما سهّل على الشرطة تتبعهم.

وأوضحت بيكو أن المشتبه فيهم الأربعة من سكان منطقة سين سان دوني شمالي باريس، وهي منطقة معروفة بارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وغالباً ما تُتهم بأنها بؤرة لتفشي الجريمة الصغيرة. وتعتقد السلطات أن ثلاثة من أصل أربعة من منفذي العملية باتوا رهن الاعتقال.

وخلال الأسبوع الماضي، ألقت الشرطة القبض على رجلين يعتقد أنهما قاما بالاقتحام الفعلي: الأول جزائري يبلغ من العمر 34 عاماً يعيش في فرنسا منذ عام 2010، أوقف في مطار باريس أثناء محاولته السفر إلى الجزائر، أما الثاني فهو فرنسي يبلغ 39 عاماً كان يخضع أصلاً للمراقبة القضائية بتهمة السطو المسلح.

وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول، اعتُقل مشتبه به ثالث (37 عاماً) وامرأة (38 عاماً)، ووجهت إليهما تهم رسمية السبت الماضي. وأكدت المدعية أن تحليل الحمض النووي أثبت وجود المشتبه به الثالث في شاحنة النقل التي استخدمت أثناء العملية. ومع ذلك، أشارت إلى أن أحد اللصوص لا يزال طليقاً، ولم يُستبعد احتمال وجود شركاء آخرين ساعدوا في التخطيط أو في محاولة تصريف المسروقات.

ورغم إحراز تقدم كبير في التحقيق، لا تزال المجوهرات المسروقة في عداد المفقودات، وهو ما يفتح باب التكهنات حول إمكانية تهريبها أو إخفائها في السوق السوداء.

ويرى خبراء في الأمن الثقافي أن هذه السرقة "تكشف هشاشة غير متوقعة" في منظومة الحماية بمتحف بحجم اللوفر، لكنها في الوقت نفسه تعكس واقعاً اجتماعياً مؤلماً، إذ خرجت واحدة من أجرأ السرقات في تاريخ باريس من أحياء تعاني التهميش أكثر مما تملك الدهاء الإجرامي.

ومع استمرار التحقيقات، تتابع فرنسا والعالم تفاصيل هذه القضية الفريدة، التي تُمثل مزيجاً من الجرأة، وسوء الحظ، والعشوائية، وتؤكد أن بعض السرقات الكبرى لا تحتاج إلى عباقرة الجريمة بقدر ما تحتاج إلى مغامرين متهورين صدّقوا للحظة أنهم قادرون على تحدي التاريخ في قلب متحف اللوفر.