سعفة 'كان' الذهبية تنتظر أجرأ أفلام العام

افتتاح عالمي يكرّس مكانة المخرجين العرب، حيث امتزجت الأصوات الفلسطينية والمغربية والمصرية مع كبار السينما في مشهد ثقافي متنوع.

باريس ـ يرفع مهرجان كان السينمائي الدولي الستارَ مساء الثلاثاء 12 مايو/أيار 2026 عن دورته التاسعة والسبعين، في قصر المهرجانات بمدينة كان الفرنسية، ليستقبل مجددا كبار صنّاع السينما ونجومها من شتى أصقاع العالم، في احتفالية تجمع بين البريق العالمي والحضور العربي المتنامي الذي بات يفرض نفسه بقوة على خريطة الفن السابع.

وتتولى الممثلة الفرنسية آي هايدارا تقديم حفل الافتتاح، فيما تُضفي عروض موسيقية متنوعة لمسة فنية رفيعة على الأجواء الاحتفالية. وتتناوب على المسرح الفنانتان ثيودورا وأوكْلو، اللتان تُقدّمان إحدى أغاني فرقة البيتلز الخالدة، قبل أن تعزف عازفة الكمان الأمريكية الحائزة على جائزة غرامي ميري بن-آري مقطوعةً موسيقية خاصة تُضيف إلى الليلة روحًا فنية استثنائية.

وسيكون الفيلم الافتتاحي 'لا فينوس إلكتريك' للمخرج الفرنسي بيير سالفادوري، بطولة بيو مارماي وأنايس ديموستيي، ليُعلن رسميا انطلاق دورة تمتد حتى الثالث والعشرين من مايو/أيار، وتحمل في طياتها عشرات الأعمال المتنافسة والعروض العالمية الأولى.

وفي إطار الدورة، تُمنح السعفة الذهبية الفخرية للمخرج النيوزيلندي بيتر جاكسون خلال حفل الافتتاح، فيما تحصل المغنية والممثلة الأمريكية باربرا سترايساند على جائزة مماثلة خلال فعاليات المهرجان، في اعتراف صريح بمسيرتيهما الفنيتين الاستثنائيتين.

تشهد هذه الدورة غيابًا ملحوظا للاستوديوهات الهوليوودية الكبرى، غير أن مهرجان كان يواصل تأكيد مكانته الراسخة منصة سينمائية لا مثيل لها منذ أكثر من سبعة وسبعين عامًا. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المهرجان قادر على اكتشاف الأعمال العظيمة بمعزل عن آلة الإنتاج الهوليوودي، إذ انطلق من شواطئ كان فيلمان حصدا جائزة أفضل فيلم في حفل الأوسكار هما "طفيلي" و"أنورا"، وهو ما يجعل أنظار صانعي الأفلام والنقاد تتجه دومًا نحو ما ستكشفه سجادة كان الحمراء من مفاجآت.

ويترأس لجنة تحكيم السعفة الذهبية هذا العام المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك، أحد أبرز أصوات السينما العالمية المعاصرة، وصاحب التجارب البصرية الجريئة التي طبعت مسيرته بميسم لا يُنسى.

ويحمل برنامج المسابقة الرسمية هذا العام قدرا وافرا من التنوع الجغرافي والفني. ويتصدّر المشهد فيلم 'الأمل' للمخرج الكوري الجنوبي نا هونج-جين، الذي ينتمي إلى فئة الخيال العلمي والإثارة ويجمع بين نجوم كوريا وهوليوود، بعد انتظار طويل من الجمهور.

وفي السياق ذاته، يعود المخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي بفيلمه 'الوطن'، الذي يستحضر فيه سيرة الكاتب الألماني الكبير توماس مان في قالب درامي بالأبيض والأسود، من بطولة ساندرا هولر.

ويقدّم الياباني ريوسوكي هاماجوتشي أول أعماله باللغة الفرنسية تحت عنوان 'فجأة'، في تجربة تختبر انفتاحه على ثقافات مغايرة لثقافته، فيما يطرح مواطنه هيروكازو كوري-إيدا فيلما بعنوان 'خروف في الصندوق' يرسم فيه عالما مستقبليا يتبنى فيه زوجان روبوتا بشريا بعد فقدان طفلهما.

ويعود  الأمريكي جيمس جراي، إلى جذوره عبر فيلم 'نمر من ورق' الدائر في أحياء كوينز بنيويورك، ومن بطولة سكارليت جوهانسون.

ويخوض الفرنسي آرثر هراري المنافسة بفيلم 'المجهول'، قصة مثيرة عن مصور يجد نفسه داخل جسد امرأة التقط صورتها خلال حفلة، من بطولة ليا سيدو. ويعود الروسي أندريه زفياجينتسيف، بعد سنوات من الغياب إثر وعكته الصحية خلال جائحة كورونا، بفيلم "مينوتار" الذي يرصد أزمة مدير تنفيذي في الريف الروسي. ولا يغيب الممثل رامي مالك عن المشهد، إذ يُجسّد في فيلم 'الرجل الذي أحببته' للمخرج إيرا ساكس شخصية ممثل يعاني مرضًا خطيرًا في نيويورك الثمانينيات.

ولعل أبرز ما يميز دورة 2026 هو الحضور العربي النوعي الذي يتجاوز حدود المشاركة الرمزية، ليكشف عن سينما عربية ناضجة تحمل رؤية وتطرح أسئلة إنسانية عميقة.

ويشارك من فلسطين، المخرج ركان مياسي بفيلمه 'البارحة العين ما نامت' ضمن قسم 'نظرة ما'، عمل درامي يتتبع اختفاء فتاة في سهل البقاع اللبناني، حاملا في طياته ثقل الجرح الفلسطيني وعمق التساؤل الإنساني. ومن المغرب، تُطلّ المخرجة ليلى مراكشي بفيلمها 'لا ماس دولسي' الذي يكشف معاناة عاملات مغربيات في حقول الفراولة بجنوب إسبانيا، لوحة إنسانية موجعة عن الهجرة والاستغلال والكرامة المهدورة.

ومصر حاضرة بأكثر من صوت، عبر المركز العربي للسينما والجناح المصري في سوق الفيلم، فضلا عن مشاركة المخرج المصري-الفرنسي آرثر هراري في المسابقة الرسمية، والمخرجة رندا علي التي تمثّل بلادها ضمن مبادرة  'فانتاستيك 7' بمشروعها 'روك، بايبر آند سي'".

هذا الحضور العربي المتشعّب ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار طويل من العمل والمثابرة والإيمان بأن الحكاية العربية تستحق أن تُروى على أرقى المنصات العالمية. السينما العربية لم تعد تطرق باب كان بخجل، بل باتت تدخله بيقين وتطرح أسئلتها الكبرى أمام جمهور عالمي متعدد الثقافات.

وفي كل عام، تتحول مدينة كان الهادئة على ساحل البحر المتوسط إلى عاصمة للفن السابع، حيث تلتقي الرؤى وتتقاطع الثقافات وتُطرح الأسئلة الكبرى عبر شاشة السينما. ومع اقتراب انطلاق الدورة التاسعة والسبعين، يبقى السؤال الأكبر معلّقًا في الهواء: أيّ الأفلام ستمضي إلى التاريخ، وأيّ الأصوات ستحمل السعفة الذهبية لتُعلن أن الفن، وحده، قادر على أن يقول ما تعجز عنه السياسة وتتقاصر دونه الحدود؟