سعيد شبار مفكّر التجديد وإعادة تشكيل سؤال الفكر الإسلامي المعاصر

الملامح الأكاديمية والمؤسسية للمشروع الفكري التجديدي للدكتور المغربي تبرز اشتغاله المعمق على قضايا المنهج والمصطلح وموازنته بين الوفاء للمرجعية والانفتاح العقلاني على تحولات العصر الكونية.
‎أحمد المهداوي
الرباط

‎في خريطة الفكر الإسلامي المعاصر بالمغرب، يتقدّم اسم الدكتور سعيد شبار بوصفه واحدًا من العقول التي اختارت الاشتغال العميق على أسئلة التجديد، لا من موقع الانفعال الإيديولوجي، ولا من منطق التبرير الدفاعي، وإنما من أفقٍ معرفي يجعل المنهج أساسًا، والمفهوم محورًا، والحوار شرطًا للفهم والبناء.

‎إننا أمام مفكر لا يكتفي بتشخيص أعطاب الفكر الإسلامي، وإنما يسعى إلى تفكيك بنياته وإعادة تركيبها في ضوء وعي نقدي بالتراث وتحولات العصر.

‎يتمتع الدكتور سعيد شبار ابن مدينة بني ملال، التي منها تشكّلت ملامح مشروعه العلمي الذي قام منذ بداياته على التكوين المركّب والتكامل المعرفي، بتكوين أكاديمي رصين جمع بين الدراسات الإسلامية، وعلوم القرآن والسنة، والفكر الإسلامي، والحضارة، وعلم الأديان المقارنة، قبل أن يتوّج هذا المسار بدكتوراه الدولة في موضوع "الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر"، ولم يكن هذا الاختيار موضوعًا أكاديميًا عابرًا، ولكنه يعكس في جوهره إعلانًا مبكرًا عن انشغال مركزي سيلازم مشروعه الفكري قوامه البحث عن شروط التجديد الممكن داخل المرجعية الإسلامية دون قطيعة ولا استنساخ.

‎‎في الجامعة، حيث اشتغل أستاذًا للتعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، تميّز حضوره العلمي بقدرته على نقل النقاش من مستوى التلقين إلى مستوى السؤال، ومن إعادة إنتاج المعرفة إلى مساءلة مناهج إنتاجها، ولقد أسهم، من هذا الباب، في تكوين أجيال من الباحثين على وعيٍ نقدي بالنص والتراث، وعلى إدراكٍ عميق لرهانات العصر، واضعًا سؤال المنهج في قلب العملية التعليمية، ومؤكدًا أن أزمة الفكر الإسلامي هي، في جوهرها، أزمة فهم قبل أن تكون أزمة نصوص.

‎‎غير أن تجربة الدكتور سعيد شبار لا تنحصر في الفضاء الجامعي، بل تمتد إلى الحقل المؤسسي الديني، حيث تولّى مسؤوليات علمية وازنة، من رئاسة المجلس العلمي المحلي ببني ملال، إلى موقعه الحالي كاتبًا عامًا للمجلس العلمي الأعلى، وفي هذا السياق، يبرز تميّزه في قدرته على الجمع بين مقتضيات التدبير الديني وحاجات التفكير التجديدي، ساعيًا إلى تحويل المؤسسة من إطار إداري جامد إلى فضاءٍ للتأطير الواعي، وربط الدين بأسئلة المجتمع والتحولات الثقافية والفكرية.

‎‎ويُعد تأسيسه ورئاسته لمركز دراسات المعرفة والحضارة محطة مفصلية في مشروعه، إذ مثّل هذا المركز امتدادًا عمليًا لرؤيته الفكرية كونه تحوّل إلى منصة للاشتغال على قضايا التجديد، والمفاهيم، والحوار الديني والحضاري، والعلاقة المعقّدة بين الإسلام والحداثة والعولمة، ومن خلاله، انخرط الدكتور شبار في حوار معرفي جاد مع مدارس فكرية متعددة مؤكدًا أن تجديد الفكر الإسلامي لا يتم إلا عبر وعي نقدي بالذات، وانفتاح عقلاني على الآخر، واستحضارٍ دائم للأفق الإنساني الكوني.

‎‎أما إنتاجه العلمي فيكشف عن مشروع فكري متماسك البنية، واضح الرهانات، يتقدّم فيه المنهج على الموقف، والتحليل على الشعار، ذلك أنه أولى عناية خاصة بقضية المصطلح باعتباره مدخلًا حاسمًا لفهم التحولات الفكرية والحضارية، واشتغل على نقد الخطاب الإيديولوجي العربي، وعلى قراءات النص الإسلامي في الفكر العربي المعاصر، كما ركّز على استعادة المعرفة السننية باعتبارها شرطًا منهجيًا لأي تجديد رشيد، وفي كل ذلك، ظلّ وفيًّا لفكرة مركزية مفادها أن التجديد ليس هدْمًا للتراث ولا تقديسًا له، وإنما فعل فهمٍ تاريخي وتأويلٍ واعٍ وإحياءٍ مقاصدي.

‎وفي هذا السياق، صدرت له مجموعة من المؤلفات المؤسسة، من بينها: ''الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة في الأسس المرجعية والمنهجية''، و''المصطلح: خيار لغوي وسمة حضارية''، و''النخبة والإيديولوجيا والحداثة''، و''الأسس المرجعية والمنهجية لتجديد الفكر الإسلامي''، و''النص الإسلامي في قراءات الفكر العربي المعاصر''، إضافة إلى أعمال فكرية وحوارات كبرى مع مفكرين مثل عبدالوهاب المسيري، محمدعابد الجابري، محمد أركون، وطه عبدالرحمن، في محاولة لفتح جسور بين مشاريع فكرية متباينة داخل المجال العربي الإسلامي.

‎‎كما يمتد مشروعه كذلك إلى أعمال حول الثقافة والعولمة وإصلاح الفكر، إضافة إلى كتاباته في الفكر الإسلامي المعاصر والبحث في خصوصية المدرسة السلفية المغربية، مع اشتغال مستمر على مراجعات مفاهيمية في أعمال هي قيد الإعداد.

‎‎في المحصّلة، يمثل الدكتور سعيد شبار نموذجًا للمفكر المغربي الذي راهن على البناء الهادئ، والعمل التراكمي، والاشتغال العميق على المفاهيم والبنى الفكرية، وهو بذلك يسهم، من موقعه الأكاديمي والمؤسسي، في إعادة صياغة سؤال التجديد في الفكر الإسلامي، يوازن بين الوفاء للمرجعية والانفتاح على العصر، ويؤسس لرؤية تجعل من الإسلام قوة فكرية قادرة على التفاعل الخلّاق مع روح العصر والتحولات الكونية دون أن تفقد جذورها المرجعية أو رسالتها الإنسانية.