سقطات النمنم، من الجزائر إلى المجلس الأعلى للثقافة بمصر

بخلاف مقالة يتيمة كتبتها عند توليه مسئولية وزارة الثقافة، عبرت فيها عن سعادتي وفرحي بل واغتباطي بهذا الاختيار الذي صادف واحد منا نحن الصحفبين، لم أكتب بعدها حرفا واحدا لا بالسلب ولا بالإيجاب، ولم أتطرق من بعيد أو قريب لفلسفة عمل الكاتب الصحفي حلمي النمنم، وطريقته في إدارة وزارة الثقافة، إذ كنت، ولا أزال، أرى أنها وزارة - رغم أملنا في أن تكون بيت خبرة العقول المبدعة لمصر- مثقلة بمشكلات إدارية وفنية كثيرة، ومكبلة بأعباء ينوء بحملها أشجع الشجعان وأعظم الإداريين، لأسباب عديدة يطول شرحها، وليس مجالها في هذا المقام.

ولكي لا نبتعد كثيرا عن أصل الموضوع، فإنني أعتقد أن وزارة الثقافة، للأسف الشديد تعاني تجريفا كاسحا، وتخلو من العقول الإدارية الكبيرة بعد رحيل جيل العمالقة عنها من أمثال فاروق عبدالسلام ومحمد غنيم وفوزي فهمي وسمير سرحان وجابر عصفور، كما يسكنها مرض عضال، ربما لن تشفى منه. فأغلب من يعملون بها، يؤمنون (أي والله) أنهم الأفضل والأجدر من كل المبدعين والشعراء والكتاب الذين يفدون إليها من أقاصي الصعيد، وأطراف الدلتا، بما أنهم لا يحسنون الهندام ولا يجيدون تزويق الكلام. وزارة الثقافة كغيرها من وزارات مصر سوف تستمر في حالة التردي والخفوت هذه، وربما لسنوات قادمة، إثر تغيير رؤوس عدة جلست مؤقتا على كراسي مفخخة بأطماع الكبار والصغار في جوائزها ومنحها ومناصبها وسفرياتها.

ظللت هكذا لشهور أمني النفس، وأنصح العقل بضرورة التروي وعدم التسرع في اتخاذ موقف ينحاز إلي طرف دون سواه. فالوزير يتحرك بسرعات خارقة للعادة حتى أنه يكاد يلف محافظات المحروسة "كعب داير"، ويجوبها من شرقها لغربها، ومن شمالها لجنوبها، فلا تفوته حفلة ولا مناسبة إلا وحضرها متحدثا أو مفتتحا، ضاربا كل الأرقام القياسية، قبله وبعده، حتى بتُ أحسده على حيويته وطاقته ونشاطه المثير.

ثم جاءت معركة الشاعر الكبير يسري حسان مؤسس ورئيس تحرير مجلة "مسرحنا" مع الدكتور سيد خطاب رئيس هيئة قصور الثقافة، لتفتح جرحا نازفا من الشكاوي والاتهامات التي طالت أداء الرجل ولطخت سمعته، لكنها مرت بسلام أو بلا حساب، وكأنها حريق في شقة الجيران.

ورغم ما خلفته هذه الأزمة ورائها من زوابع وتساؤلات، بعضها جاد والبعض الآخر زاد الأمور حيرة وتعقيدا، مع ذلك يبدو أنها قيدت ضد المجهول (المعلوم للكافة!)، كما مرت أزمة أحمد ناجي وأخبار الأدب بدون موقف أو كلمة لوزير نراه المسئول الأول عن حرية الكتابة والإبداع، لدرجة دفعت رئيس تحرير مجلة الهلال سعد القرش إلي نعته باسم "الوزير الصامت"، وزاده من الشعر بيتا، كما يقال في المثل، الناقد أحمد عبدالرازق أبو العلا، فمزج "الصامت" بـ"المرتبك" فأصبحنا أمام مزيج لغوي يصعب هضمه أو غفرانه.

مع هذا كله، فقد أجلت، أو بالأحرى أهملت متعمدا عدم الخوض في قراءة هذه الأزمات والمشكلات، وفضلت ترك الفرصة والمساحة كاملة أمام السيد الوزير لكي يتمكن بما لديه من خبرات وأدوات من الإمساك بكل مفاتيح الوزارة، والتي أظن أنه جمعها بحكم عمله بالقرب من الدكتور جابر عصفور في لجان المجلس الأعلى للثقافة، وفي هيئة الكتاب مسئولا ونائبا للدكتور أحمد مجاهد فرئيسا لها، ثم رئيسا لدار الوثائق القومية فوزيرا، وتلك مسافة طويلة، ومساحة عريضة من الخبرات المتراكمة تمنحه القدرة على فك طلاسمها والنجاح في إدارتها، بدلا من إرسال آلاف الأخبار المصورة التي ينقلها إيميل مستشارته الصحفية لمحرري الوزارة.

وللعلم فأنني زرت الوزير حلمي النمنم في مكتبه بالزمالك مرتين، الأولى ذهبت إليه مهنئا عقب تسلمه العمل وزيرا للثقافة، وفي الثانية شكرت له ترشيح اسمي للمشاركة في صالون الجزائر الدولي للكتاب الحادي والعشرين.

المهم أن محطة الجزائر كانت مناسبة فارقة وكاشفة وهادية لي أين يكمن الداء. فوجدت أنه من الواجب أن أنبه، ولو على استحياء، إلى أن عدم حضور الوزير شخصيا افتتاح صالون الجزائر الذي كانت مصر ضيفة شرفه، تسبب في أزمة كادت تنفجر في وجه الوفد الثقافي المصري، لولا التدخل الحكيم والسريع للسفير المصري عمر أبو عيش الذي نجح في إطفائها بشق الأنفس، لكنه لم يترك المسألة تمر مرور الكرام فقام بزيارة الوفد الصحفي المصري في مقر إقامته بأحد فنادق العاصمة الجزائرية، وحدثنا صراحة أنه أبلغ استيائه وانزعاجه الشديدين للمسئولين في القاهرة، بسبب تغيب الوزير حلمي النمنم عن حفل الافتتاح (... وأنه أبلغ السيد والسيدة، وأنه سيكتب تقريرا مفصلا...)، ثم لم نر وجه سيادته مرة أخرى خلال اثني عشر يوما، فتوقعنا أنه قرر ألا يفصح للصحافة أكثر مما ذكره على مسمع ومرأى من المستشارة الصحفية للوزير.

ثم مضت أيام الجزائر بحلوها الذي يشبه حلاوة تمورها وطبيعة أهلها، وتناسيت ما جرى هناك مما كان يستوجب المساءلة والتحقيق، إلى أن فوجئت مساء الأحد 27 نوفمبر 2016 بقرار إنهاء ندب الدكتورة أمل الصبان من أمانة المجلس الأعلى للثقافة، فقررت أن أكتب تعبيرا عن رفضي لهذه الطريقة الملتوية في الإدارة، خصوصا وأن المجلس تحول في ظل رئاستها إلى خلية نحل متناغمة، تعمل بهمة ونشاط وفق خطة مدروسة، بفضلها بدأت تدب في أوصاله الحياة من جديد بعد توقف مفجع دام طوال السنوات التي سبقت توليها المسئولية.

خرجت الكلمات من القلب إلى الورق بلا حساب، سوى حساب المصلحة العامة، فلم أكن أعرف الدكتورة أمل الصبان أو غيرها من المسئولين الجدد في مختلف هيئات ودواوين الوزارة، فكل ما يربطني بالوزارة هو مكتب الوزير شخصيا.

كما أنني أحب أن انأى بنفسي بعيدا جدا عن كل أسباب ومسببات اللغط والقيل والقال التي تملأ الوسط الثقافي ،وذلك تطبيقا لنصحية أستاذي الدكتور أحمد مستجير الذي قال لي ذات يوم ونحن نجلس في إحدى قاعات المجلس الأعلى للثقافة: "إن فعل الكلام ما لم يكن منضبطا لغةً ومضموناً، فلا تتعب عقلك في تفسيره، لأن هذا عمل الحمقي." وأظن أنني عملت بهذه النصحية، ولا أزال أجدها مناسبة وعقلانية.

ولكنني بعدما نشرت مقالة "أسرار الإطاحة بأمل الصبان من الأعلى للثقافة"، فوجئت باتصال تليفوني نادر من الكاتب الصحفي حلمي النمنم وزير الثقافة، والذي استقبلته مرحبا، فهو يأتيني من صديق قديم، ولذلك سعدت به سعادة غامرة. إلا أن صوت الوزير بدا منزعجا ومستاءً مما نشرته، وأخذ يعاتبني على ما كتبته حول أسباب خروج الصبان بهذه الطريقة.. وقال إنه اكتشف ارتكابها مخالفات مالية في كشوف لجان جوائز الدولة وأنه اكتفى بأن يطلب منها أن تتقدم باستقالتها طوعا! (وهو ما ينفيه بعض الخبثاء مؤكدين أنه تم إجبار الدكتورة أمل على تقديم الاستقالة لوأد صعود اسهمها في بورصة أية تعديلات وزارية قادمة!). ومضى قائلا إنه لوضع النقاط علي الحروف، فقد آل على نفسه أن يحدثني مباشرة. طبعا شكرته، ومن جانبي شرحت لسيادته أن ما لفت نظري وآثار فضولي بأن هناك نية مبيتة للإطاحة بالدكتورة أمل الصبان، هو ما نشر في إحدى المجلات الأدبية الأسبوعية والتي لا يقرأها سوى المهتمين بأخبار الثقافة والمثقفين الأمر الذي يفسر لماذا تم تسريب هذه الأوارق المجتزئة من الاعتمادات المالية في كشوف لجان جوائز الدولة إلى هذه المطبوعة دون غيرها، ثم الاستجابة الفورية لما نشر، فتشكيل لجنة لفحصها. والمريب من وجهة نظري هو السرعة التي صدر بها قرار إنهاء ندب الدكتورة أمل الصبان من أمانة المجلس الأعلي للثقافة، خاصة إذا علمنا أن كل خطوة من الخطوات السابقة، لو صدقنا الطالب والمطلوب، سوف تستغرق أياما وأسابيع من أجل إنجازها، إن لم تكن شهورا لو صدقت النوايا.