سقط المهيب ولن يعود

الرموز تلعب دوراً مهماً في حياة كل البشر؛ فهي الحافز والدافع وراء الرغبة في مواصلة الحياة، والنبراس الذي يستمد منه القوة في تلك الحياة القاسية. 


تمثال المهيب أقيم في صدر مرفأ رودس على قاعدة ضخمة من الرخام الأبيض ومنصة محصنة بالبرونز


بلغ طول تمثال المهيب Colossus نحو33 مترا، وهو تقريباً نفس طول أطول تمثال في العصر الحديث، ألا وهو تمثال الحرية

هناك بضع ثوابت تشكل الاتجاهات النفسية للمرء، والتي من خلالها تتشكل شخصيته، وآماله، وأحلامه، وطريقة التعامل مع جميع المحيطين به. وأهم من كل هذا وذاك، تقوم هذه الثوابت بدور الناصح الأمين، والصديق في وقت الضيق الذي يمكن الاحتماء به في أوقات استحكام الأزمات. وأهم تلك الثوابت هي وجود رمز في حياة المرء، قد يكون في صورة شخص قريب، أو شخصية عامة، أو حتى مَعلَم أثري أو حضري أو طبيعي. ومن ثم، فإن الرموز تلعب دوراً مهماً في حياة كل البشر؛ فهي الحافز والدافع وراء الرغبة في مواصلة الحياة، والنبراس الذي يستمد منه القوة في تلك الحياة القاسية. 
فعلى سبيل المثال، عجائب الدنيا السبع – وخاصة القديمة منها – قد صارت رمزاً مهماً لكل البشر في كل زمان ومكان. رمز يحفزهم على مماراة ما فعله الإنسان القديم في العصر الحديث بالرغم من تفشي الميكنة، والتكنولوجيات الرقمية. لكن، يجب استثناء رمزاً واحداً فقط من تلك العجائب السبع؛ حيث إن ذلك الرمز قد استطاع أن يحفر مكانته في نفوس أبناء العصر القديم منذ لحظة تواجده على وجه الأرض، إنه تمثال "المهيب" Colossus ، أو كما يطلق عليه في بعض الأحيان اسم "عملاق رودس"، أو "أبولو رودس" أو "هيليوس رودس" الذي بناه أبناء جزيرة رودس في الحقبة فيما بين عام 292- 280 ق. م كاحتفال عارم بالنصر يشهده كل الورى، وحامي من أي هزائم تالية. 

عندما ينتهي وجود ذوي الهمم، وعندما يسقط ما تبقى منهم في بحر اليأس قهراً، فليعلم الجميع أن عندها لسوف تسقط البشرية، ويسقط معها كل ما كان مهيب، بلا رجعة

فلقد كان لجزيرة رودس علاقات تجارية وسياسية طيبة مع بطليموس الأول حاكم مصر، واستطاعوا معاً صد عشرات من المحاولات الإغريقية لغزو رودس من خلال عقد تحالف مع بطليموس الأول حاكم مصر ضد عدوهما المشترك والأزلي "أنتيجونوس" Antigonous حاكم مقدونيا. لكنه في عام 305 ق. م أرسل ابنه "ديميتريوس" Demetrius إلى رودس ليحتلها، كعقاب لتحالفها مع مصر. ولقد حشد جيشاً عرمرماً من أجل هذا الغرض، قوامه أربعون ألف محارب مدجج كل منهم بالاسلحة. ودار السجال بين الطرفين على مدار عام كامل أضنيت فيها رودس من جراء وطأة الحرب. لكن أخيراً وصلت الإغاثة عام 304 ق. م في شكل سفن كثيرة مملوءة بالمحاربين والعتاد أرسلها بطليموس الأول حاكم مصر؛ لنجدة رودس، وفك حصارها. ولوصول جيش "ديميتريوس" لمرحلة من الضعف، علم أنه لن يستطع أن يتصدى لهذا الجيش الكبير، فانصرف مذعوراً مخلفاً وراءه معظم معدات الحصار، والتي بلغ وزن ما بها من معادن ما يقدر بنحو 7800 كيلو جرام، أو 300 تالينت Talent أغلبها من البرونز والحديد ، كما ورد في الأسفار القديمة، علماً بأن "التالينت" كانت وحدة الوزن آنذاك.
ولشكر الآلهة على وهب النصر إياهم، وكذلك للاحتفال بالنصر بأبهى الأشكال، ولتمجيد ذكرى هذا الانتصار في نفوس الأجيال المعاصرة آنذاك وكذلك القادمة، قام حكام رودس ببيع هذه الأسلحة، واستخدام النقود في بناء تمثال ضخم لإله الشمس "هيليوس" Helios، وهو أحد الآلهة الإغريقية التي كان يعبدها أهل رودس حينئذٍ. واستغرق بناء التمثال نحو 12 عاماً متواصلة، على يد المهندس "كارس" Chares الشهير حينها. ولقد أمهله الحكام هذا الوقت الطويل حتى يتم بناء تمثال أطول من أي تمثال آخر في ذاك الوقت، وخاصة تمثال الإله زيوس Zeus الذي كان يبلغ طوله نحو 22 مترا. وبالفعل يبلغ طول تمثال المهيب Colossus نحو33 مترا، وهو تقريباً نفس طول أطول تمثال في العصر الحديث، ألا وهو تمثال الحرية.
ولرغبة حكام رودس أن يظل هذا التمثال إلى أبد الآبدين، تم استخدام 15 طنا من البرونز، و9 أطنان من الحديد، علماً بأن القائمين على البناء قد أصروا أن يكون مصدر هذا البرونز هو الأسلحة التي خلفها العدو، وكذلك برج الحصار الذي استخدمه العدو، وكأن لديهم رغبة عارمة في إذلال هذا العدو المقدوني. ولقد أقيم التمثال في صدر مرفأ رودس على قاعدة ضخمة من الرخام الأبيض ومنصة محصنة بالبرونز. وتم وضع أحجار بداخل التمثال لضمان صموده، ولتقوية هيكله حتى يظل ثابتاً لا يتزعزع. زين رأس التمثال بتاج ليحمي عينيه من وهج الشمس، أو من النيران التي تستعر من الشعلة التي يمسك بها. 
وعندما تم الانتهاء من البناء، وتمجيداً لهذا التمثال، تم نظم قصيدة خالدة له، حفظت بكتب التراث اليونانية، توكيداً على رغبة أهل رودس في أن يظل هذا الرمز باقياً للأبد. ولاختلاط الحقيقة التاريخية بالأسطورة، صورت الكتب والمراجع أنه قد تم بناء عملاق رودس مفتوح القدمين، كل قدم تستقر على جانب من المرفأ؛ لتمر السفن من أسفله؛ تلمساً للمباركة ولتوكيد حماية التمثال للحركة التجارية التي هي قوام ثراء جزيرة رودس. وبالطبع، هذا لغو غير منطقي لاستحالة سد المرفأ لفترة 12 عاماً وتعطيل الحركة التجارية. لكن، التمثال كان مقاماً على أحد جانبي المرفأ.
ولقد صمد هذا التمثال لفترة 56 عاماً، إلا أن زلزالا مدمرا ضرب جزيرة رودس عام 226 ق. م، ودمر أجزاء كثيرة من المدينة. ولقد ضرب الزلزال التمثال في أضعف نقطة فيه، وهي منطقة الركبة. وعلى إثر ذلك انهار التمثال سريعاً، وانهار معه ما كان يحمله. ووقتها عرض "بطليموس الثالث أورجينيتس" حاكم مصر إعادة بناء التمثال، لكن "عرافة دلفي" Oracle of Delphi تدخلت، ونصحت ولاة الأمور ألا يحاولوا بناء التمثال مرة أخرى؛ لأن هذا الزلزال ما هو إلا عقاب من الإله هيليوس Helios قد أنزله بأهل رودس لبنائهم تمثال المهيب Colossus، على الرغم من أن تمثال المهيب قد أقيم تمجيداً له.

المهيب
استمعوا وتمسكوا بالخرافة

ويلاحظ أن حلم الخلود، والعبرة، والانتصار الذي تواجد كرمز في كيان تمثال "المهيب" قد تم تحطيمه للأبد بسبب الاستماع إلى الجهل والجهلاء، واتباع ما ينافي العقل في سبيل الحصول على المعلومة السريعة، دون التفكر في مدى مصداقيتها. ومن ثم، سقط التمثال، ولم يُقم مرة أخرى. 
سقط "المهيب"، وسقطت معه الأعجوبة. وبتطبيق تلك العبرة على الكثير من الرموز في جميع الأزمنة، نجد أن نفس السيناريو يتكرر مرات تلو الأخرى. ومن الرموز الآيلة للسقوط في عصر التكنولوجيا، هي الكتابة والقراءة ، ناهيك عن المنظومة الأخلاقية التي هي على الدرب السريع للزوال. ففي جميع الدول - وخاصة في وطننا العربي – هناك عزوف غريب عن القراءة. وذلك العزوف منتشر فقط ليس بين فئات المراهقين والشباب، بل أيضاً بين جمهور المتعلمين. فالجميع يجنح إلى كل ما هو سهل، فيكتفي بمجرد قراءة مقولة أو اثنتين، دون حتى تحري مدى دقة المصدر، أو المصداقية، أو حتى صحة الحروف المستخدمة في كتابتها. 
وبالنسبة للأخطاء الإملائية – ناهيك عن اللغوية التي صارت كالنار في الهشيم – نجد أنها تفشت بصورة مقززة، حتى بين محترفي الكتابة. وينبغي الأخذ في الحسبان أنه في حال انهيار منظومة الكتابة والقراءة، فإنه لن يتم استردادها مرة أخرى، تماماً كما حدث "للمهيب". فلقد حاول الكثير عبر الأزمنة المختلفة إعادة بناء تمثال "المهيب" Colossus في جزيرة رودس في نفس موضعه الأصلي، وعلى نفس هيئته، لكن في كل مرة يتوقف المشروع دون سبب واضح. وكان آخر تلك المشروعات عام 2018 الذي كان من المقرر أن تدعمه منظمات عالمية كبرى، وتم الاتفاق أن يتم بناؤه من مما تخلف من أسلحة من الحروب الكثيرة الدائرة في عصرنا الحديث، لكن أيضاً وبدون أي سبب واضح توقف المشروع.
وعودة إلى مشروع الكتابة والقراءة، يستسهل المراهقين والشباب الكتابة على أزرار الآلات الذكية، ويتباهى الآباء بقدرة صغارهم على التعامل مع الآلات التكنولوجية، اعتقاداً منهم أنهم قد أحلوا الورقة والقلم البائدين بأحدث أنواع الأجهزة، فحققوا بذلك الرقي لأبنائهم ولأنفسهم بالتبعية. فالآباء قد استمعوا وتمسكوا بالخرافة دون أي تدقيق، أو تمحيص. لا أعتقد أن هؤلاء لا يؤرقهم مشهد أطفال في الصف الرابع الابتدائي لا يزالون يتعثرون في القراءة ولم يجيدوا أصلا التعامل مع الورقة والقلم عند الكتابة، ولا أعتقد أيضاً أن هؤلاء غير مدركين أنهم ينزلقون في هوة من الجهل. لكن ما أعتقده بشدة أن هؤلاء قد آثروا الطرق السهلة، واستحسنوا الكسل اعتماداً منهم بوجود آخرين غيرهم قد يجاهدون بالأصالة عنهم، فلقد صار إيمانهم الراسخ أن "الدنيا لن تقف عليهم"؛ فهم مجرد قطرة في بحر. لكن عندما ينتهي وجود ذوي الهمم، وعندما يسقط ما تبقى منهم في بحر اليأس قهراً، فليعلم الجميع أن عندها لسوف تسقط البشرية، ويسقط معها كل ما كان مهيب، بلا رجعة.