سكان القنيطرة يعيشون رعب التوغلات والاعتقالات الإسرائيلية المتصاعدة
دمشق – توغل الجيش الإسرائيلي في بلدتين بريف القنيطرة وأجرى تفتيشا في المنطقة. واعتقل أربعة أشخاص بالتزامن مع تحليق مكثف لطيران الاستطلاع الإسرائيلي وصولاً إلى محيط العاصمة دمشق، في أحدث تصعيد لسلسلة من الانتهاكات تنعكس على الحياة اليومية للسكان الذين باتوا يعيشون في رعب ويخشون ال
وتُعد عملية التوغل باتجاه خان أرنبة وعمليات الدهم والتفتيش فيها الأولى من نوعها، وأفادت قناة "الإخبارية" السورية الأربعاء، بأن "قوات الاحتلال الإسرائيلي تتوغل في بلدتي جباتا الخشب وأوفانيا بريف القنيطرة الشمالي مصحوبة بآليات عسكرية محملة بالجنود وتنفذ عمليات تفتيش وانتشار على بعض أسطح المنازل وسط تحليق منخفض للمسيرات".
ولم يعلن الجيش الإسرائيلي عن أسباب ذلك التوغل وأهدافه، كما لم يصدر تعقيب فوري من الجانب السوري.
ومنذ مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، يعيش الجنوب السوري، وتحديداً محافظتا القنيطرة ودرعا، حالة من التوتر المتصاعد نتيجة سلسلة من التوغلات الإسرائيلية شبه اليومية داخل الأراضي السورية، وخلال عشرة أيام في سبتمبر الجاري، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان 11 عملية توغل بري تراوحت بين نصب حواجز مؤقتة، ومداهمات للمنازل، وتدقيق على المركبات، واعتقالات غامضة، في ظل تحليق مستمر للطائرات المسيّرة والمروحيات الإسرائيلية في الأجواء الجنوبية.
وتحولت هذه التحركات إلى مصدر رعب للسكان المحليين الذين باتوا يعيشون تحت ضغط يومي من الخوف والقلق وانعدام الأمان، وسط غياب أي ضمانات لحمايتهم أو مساءلة قانونية لجهة تنفذ عمليات على أرضهم دون رادع.
وتعكس التفاصيل الميدانية التي وثقتها التقارير الحقوقية مشهداً متكرراً يتمثل في دخول آليات عسكرية إسرائيلية إلى قرى حدودية مثل جباتا الخشب، العشة، الأصبح، عابدين والصمدانية، يعقبه انتشار عسكري مفاجئ وحواجز للتفتيش، وفي بعض الحالات نفذت القوات الإسرائيلية اعتقالات جماعية، كما حدث في الثالث من سبتمبر/أيلول حين داهمت منزلاً في جباتا الخشب واعتقلت سبعة شبان، أفرج عن خمسة منهم لاحقاً بعد تحقيقات غامضة، فيما بقي اثنان قيد الاحتجاز.
وفي حالات أخرى، اقتصرت العمليات على تفتيش منازل أو التدقيق على السيارات، لكنها تركت خلفها حالة ذعر عامة، خصوصاً في ظل تحليق الطيران المسيّر فوق القرى.
وبات الأهالي في القرى الحدودية يعيشون في خوف دائم، ويخشون حتى من التنقل على الطرقات أو إرسال أبنائهم إلى المدارس، والنساء والأطفال على وجه الخصوص تأثروا نفسياً جراء المداهمات الليلية المفاجئة، والاعتقالات التي تتم دون تفسير أو معلومات عن مصير المحتجزين.
ويقول أحد الناشطين المحليين، إن "القلق في الجنوب لم يعد مرتبطاً فقط بذكريات الحرب السورية أو الخوف من الاعتقال الداخلي، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بتوغلات إسرائيلية متكررة تقلب حياة الناس رأساً على عقب".
ووفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة، يعد دخول قوات أجنبية إلى أراضي دولة ذات سيادة دون موافقتها انتهاكاً لسيادتها ووحدة أراضيها. كما نصت المادة الثانية من الميثاق على حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية.
وتواجه المنظمات الحقوقية السورية المحلية صعوبة بالغة في توثيق الانتهاكات في الجنوب بسبب الرقابة الأمنية وخطر الاستهداف، ومع ذلك، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان والشبكة السورية لحقوق الإنسان عدة حالات لاعتقالات نفذتها القوات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا، مشيرين إلى أن مصير بعض المعتقلين ظل مجهولاً لأشهر.
كما أصدرت اللجنة السورية لحقوق الإنسان بياناً حذرت فيه من أن هذه التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة تضع المدنيين بين سندان الاعتقالات والمداهمات ومطرقة التهديد العسكري المستمر، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤوليته في حماية السكان المحليين.
ووفقاً لإحصاءات أممية حديثة، يعيش في محافظتي القنيطرة ودرعا نحو مليون ومئتي ألف نسمة، بينهم ما يقرب من 40 في المئة من الأطفال، هؤلاء السكان، الذين أنهكتهم سنوات الحرب والتهجير، يواجهون الآن معاناة الخوف من الاعتقال، والانقطاع عن مصادر الرزق بسبب الحواجز المؤقتة، وتعطيل الحياة اليومية بفعل التفتيش والاقتحامات.
والوضع يفاقمه الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه سوريا، فالمزارعون في الجنوب باتوا يخشون الوصول إلى أراضيهم القريبة من خطوط التماس، خشية التعرض للتوقيف أو التحقيق، ويؤكد ناشطون محليون أن بعض القرى فقدت ثلث إنتاجها الزراعي هذا الموسم نتيجة هذا الخوف.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه أطراف إقليمية كبرى الصمت أو الحذر حيال هذه التطورات، تعكس وسائل الإعلام الإسرائيلية رواية تركز على "منع تهديدات أمنية محتملة"، لكن منظمات أممية ترى أن هذه العمليات، إذا استمرت بهذا الإيقاع، قد تدفع المنطقة إلى دوامة جديدة من التصعيد، خاصة مع تصاعد التوتر على جبهات أخرى في الشرق الأوسط.
ويكرس استمرار هذه التوغلات دون مساءلة أو تحرك دولي جاد واقعاً خطيراً، وفي غياب حل سياسي شامل يضمن سيادة سوريا ويحمي سكانها، سيبقى الجنوب السوري رهينة للتوترات الإقليمية، ومرآة لانعكاسات صراع طويل لم يترك لأهله سوى الخوف والانتظار.