سكان بنغازي يدعمون مساعي الجيش لمنع تقسيم ليبيا

ارتباك المسار السياسي في ليبيا يفتح المجال للحل العسكري بقيادة الجيش لإنهاء الأزمة في البلاد التي يتوق فيها المواطنون إلى حاكم قوي في ضل رفضهم للانحياز الذي تمارسه البعثة الأممية.


سكان بنغازي يؤيدون الجيش ويتهمون الأمم المتحدة بالانحياز للإسلاميين


تحذيرات من إجراء انتخابات لا تنهي الانقسام والفوضى

بنغازي - تشهد الساحة الليبية تطورات ميدانية كبيرة منذ أسابيع، حيث يعطي تقدم الجيش الوطني في منطقة الجنوب الغربي، الأمل للكثير من الليبيين خصوصا في مدينة بنغازي لاستعادة الأمن في جميع المدن بالبلاد.

;لا يبدي مفتاح أطلوبة وهو يجلس في مقهاه، قرب البقعة التي انطلقت منها احتجاجات كانت بمثابة شرارة أشعلت الثورة الليبية، أي أسف لنهاية نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.

ومع ذلك فإن أطلوبة (45 عاما)، الذي أرهقته مثل كثيرين في بنغازي اشتباكات في الشوارع على مدار ثلاث سنوات سوّت أحياء كاملة بالأرض، يعتقد أن الوقت قد حان للعودة للأسلوب القديم في إدارة الأمور.

وقال صاحب مقهى بنغازي، وهو يرتشف القهوة في واحد من المباني القليلة التي لا تزال قائمة في وسط المدينة والذي شهد من 2014 إلى 2017 حربا دارت رحاها بين قوات خليفة حفتر أحد قادة الجيش وبين خصومه الإسلاميين "في الوقت الحالي، 24 مليون قطعة سلاح منتشرة في البلاد وتريد انتخابات وتريد ديمقراطية. الليبيين لم يصلوا إلى مرحلة الديمقراطية، وأنا واحد منهم، لا أحترم الرأي الآخر، لا تحترم رأي غيرك، تريد رأيك فقط، هذا الأمر لا يمكن أن يستمر. الأفضل الجيش يمسك البلاد وبعد ما يستتب الأمن في البلاد تستطيع أن تنظم انتخابات، عندها فقط يمكن كتابة دستور".

وأُصيب مقهى أطلوبة بأضرار. غير أن المبنى نجا من الانهيار على النقيض من مبنى المحكمة المجاور الذي تجمعت عنده أُسر المسجونين السياسيين للمطالبة بالإفراج عنهم في فبراير 2011 في حدث أطلق شرارة الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي.

وأشار أطلوبة إلى ما شهدته المدينة من فوضى وإرهاب مضيفا "لازم حكم عسكري".

وتريد الأمم المتحدة عقد مؤتمر وطني للإعداد لإجراء انتخابات وتوحيد البلاد التي تملك أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط في أفريقيا لكنها تنتج أقل من مليون برميل يوميا.

وفي الوقت الحالي تنقسم السيطرة السياسية في ليبيا بين عشائر متنافسة وجماعات مسلحة بل وبين حكومتين. فللشرق حكومته التي تعارض السلطة المدعومة من الأمم المتحدة التي تحكم في طرابلس.

غير أن ندوب حرب بنغازي تظهر الصعوبات التي تواجه مصالحة المعسكرين المتنافسين المتمثلين في قوات سابقة ورجال العشائر في شرق ليبيا والإسلاميين والنخب المدنية في غربها.

وتزين صور المشير خليفة حفتر وهو متجهم الوجه يرتدي الزي العسكري شوارع بنغازي منذ طردت قوات شرق ليبيا خصومها منها.

ولا يرى كثيرون من أنصار حفتر طائلا من وراء المصالحة مع الخصوم ويصفونهم بأنهم "إرهابيون" ومن "الإخوان المسلمين". ولا يترك ذلك مجالا يُذكر للمعتدلين الذين يعتقدون أن ليبيا يمكن أن تصبح دولة مدنية دون أن يكون للجيش فيها دور مهيمن.

وقال الناشط جمال الفلاح، مشيرا إلى قوات حفتر والمعارك التي خاضتها، إن أغلب الناس في بنغازي لا يسمحون لأحد بانتقاد قوات شرق ليبيا لأن هذه القوات دفعت الثمن.

وأضاف "بالنسبة للانتخابات، الشعب الليبي كله يريد إجراء الانتخابات مع التداول السلمي للسلطة، لكن بصراحة الانتخابات في ظل وجود انتشار سلاح وفي غياب مؤسسة عسكرية فعلا تحمي هذه الانتخابات سيساهم في المزيد من الفوضى، أي طرف سيخسر سينقلب على الشرعية، مثلما حدث بعد انتخابات البرلمان".

ويحاول الفلاح تنظيم منتدى لليبيين من مناطق مختلفة لبحث حل سياسي لا تشارك فيه الأمم المتحدة. وهو يريد إشراك مواطنين من الشرق يرون أن الأمم المتحدة منحازة للإسلاميين.

وتزايدت في الأسابيع الأخيرة الدعوات المطالبة برحيل البعثة الأممية بعد اتهامات لها بالانحياز لتيار الإسلام السياسي والسير نحو إجراء انتخابات برلمانية مع تأجيل الرئاسية إلى حين صدور الدستور.

وحذّر سياسيون ليبيون من مغبة إجراء انتخابات لا تنهي الانقسام والفوضى العاصفين بالبلاد منذ سنوات. وبرز منذ نهاية 2016 مقترح إجراء الانتخابات مع وصول مفاوضات توحيد السلطات بين مجلسي النواب والدولة إلى طريق مسدود.

وزادت وتيرة التحركات القبلية الفترة الماضية لوضع حد للأزمة الليبية، التي أدخلتها بعثة الأمم المتحدة في نفق مظلم بسبب إصرارها على عقد ملتقى وطني جامع لا تتوفر فيه مقومات مجتمعية وسياسية حقيقية، ويحاول التيار الإسلامي اختطاف المؤتمر الجامع لتحقيق مصالحه الضيقة.

ويشكك الكثير من أنصار قوات شرق ليبيا في الحوار. وقد شجعهم هجوم عسكري في الجنوب تحدى فيه حفتر الحكومة القائمة في طرابلس بالسيطرة على المدينة الرئيسية في المنطقة وعلى أكبر حقول النفط فيها.

ويقول البعض إنه يجب على حفتر (75 عاما) أن يأمر قواته بالتوجه إلى طرابلس دون انتظار للانتخابات.

غير أن من المستبعد في الوقت الحالي فيما يبدو زحف قوات حفتر غربا لأن قواته تنتشر في الجنوب. وستواجه هذه القوات مقاومة في طرابلس ومدن أخرى في غرب ليبيا يرتاب فيها كثيرون في حفتر.

وسُئل أحمد المسماري المتحدث باسم قوات شرق ليبيا عن احتمال شن هجوم على طرابلس فقال إن قواته مكلفة بحماية ليبيا كلها. وأضاف أن القوات تؤيد فكرة الانتخابات لكنها لا ترى فرصة للمصالحة مع المقاتلين السابقين المعادين لقوات شرق ليبيا.

وكانت بنغازي هي أول مدينة ليبية تنتفض في فبراير 2011 لأن القذافي عاقب الشرق على عدم ولائه له بإهماله خلال فترة حكمه التي استمرت 42 عاما.

وفي حين شهدت طرابلس استقرارا نسبيا على مدار عامين بعد مقتل القذافي تدهورت الأمور خلال شهور في بنغازي عندما بدأت الاشتباكات بين معسكرين متنافسين.

وبحلول 2012 تدهور الوضع الأمني في جانب كبير من المدينة وارتفعت فيها رايات تنظيم القاعدة عند بعض الحواجز الأمنية. ولقي السفير الأميركي مصرعه على أيدي متشددين إسلاميين.

وقام حفتر بتجميع زملائه القدامى في الجيش وأعلن الحرب على الإسلاميين. ولم يحقق النصر في هذه الحرب سوى في نوفمبر 2017.

ومنذ ذلك الحين تحسنت ظروف الحياة في بنغازي. ويقول منتقدون إن حفتر أحيا دولة الشرطة القديمة واستولى أنصاره على ممتلكات خصومهم الذين فروا إلى غرب ليبيا. وينفي مسؤولون هذه الاتهامات.

لكن السكان أصبحوا يتمتعون بالتسوق حتى ساعة متأخرة من الليل وعادت المسارح لفتح أبوابها وطوى الماضي مشكلة نقص الوقود.

غير أن بنغازي منقسمة حول مدى السلطات التي يجب أن يمتلكها حفتر. فأنصاره يطلقون عليه لقب "المشير" وهي رتبة خلعها عليه برلمان الشرق. كما يرون أنه مرشح لخوض انتخابات الرئاسة في نهاية الأمر.

وقال أطلوبة صاحب المقهى في معرض الحديث عن رئاسة الدولة "أنا نرى أن خليفة بالقاسم حفتر، نرى فيه إنسان وطني أحب ليبيا بالكامل، لم يرض بالتقسيم، قارع الإرهاب، شغل مؤسسات الدولة كلها".

لكن بعض الناشطين الذين رحبوا بانتصار حفتر العسكري يريدون الآن زعيما مدنيا. وهم يحرصون على إبداء تأييدهم لقوات شرق ليبيا لا لحفتر نفسه.

من ناحية أخرى يريد السكان اختبار المدى الذي يمكن أن يصلوا إليه. ففي أحد المسارح تناول الممثلون قضية الفساد وتدهور خدمات الدولة بأداء أدوار ليبيين يحتاجون للذهاب إلى تونس للعلاج لكن لا يمكنهم الحصول على تذاكر السفر لأن المسؤولين قدموا رشوة للعاملين في المطار لركوب طائرات تم حجز تذاكر لها أكثر من مقاعدها.

ويتجنب الممثلون المساس بالعسكريين لكنهم ينتقدون المحافظين الذين يساندون قوات شرق ليبيا.

وعندما يتعرض مواطن ليبي استطاع أخيرا الوصول إلى تونس للتوبيخ من مواطن آخر لتناوله الجعة (البيرة) يردد "أنت لا تحتاج موافقة أمنية بتونس لتشرب" لتضج القاعة بصيحات استحسان الجمهور.

ويستفيد حفتر من انقسامات تاريخية بين الشرق والغرب اللذين كانا إقليمين منفصلين قبل استقلال ليبيا عام 1951. وقد ازدادت هذه الانقسامات حدة في السنوات الأخيرة.

وتعتمد قواته على تحالفات قبلية في شرق ليبيا. وقد سعت لاستطلاع التوجهات في الغرب حيث عبر البعض عن تأييده لحفتر غير أن قاعدة قواته تقع في الشرق.

كما اجتذبت قوات شرق ليبيا أنصارا من حركة اتحادية تشن حملة منذ 2011 لمنح الشرق الذي يوجد فيه قدر كبير من النفط الليبي مزيدا من السلطات.

وقد خلق الدمار الذي خلفته الحرب شعورا بالتجاهل في بنغازي حيث لا يتوفر المال لإعادة البناء. ويقول مسؤولون إن عشرة آلاف شقة على الأقل ومواقع أخرى مثل الميناء وحرم الجامعة أُصيبت بأضرار أو لحق بها دمار.

ويملك البنك المركزي ومقره طرابلس احتياطيات أجنبية تقدر بنحو 75 مليار دولار لكنه لا يوجه أموالا كافية لحكومة الشرق التي يقودها الجيش ويعمل مع حكومة الوفاق ومقرها طرابلس.

وقد نفد صبر كثيرين من سكان بنغازي على الساسة وأصبحوا يتطلعون للعسكريين لتحقيق إنجازات.

ويفسح هذا الارتباك في المسار السياسي في البلاد المجال للحل العسكري لإنهاء الأزمة وهو ما يستعد له الجيش.