سلاح الفصائل يعمق الشرخ بين أقطاب 'التنسيقي'
بغداد - كشف مصدر من الإطار التنسيقي، الذي تنضوي تحته القوى السياسية العراقية الموالية لإيران، عن احتدام الخلافات بشأن المقترح الأميركي لنزع سلاح الميليشيات وحل أو دمج هيئة الحشد الشعبي. ويأتي هذا الانقسام في وقت لم تهدأ فيه التوترات التي أثارها تمرير حكومة علي الزيدي، والتي هددت بتشظي الإطار في ظل مساعي عدد من قواه لتشكيل تحالفات جديدة.
ويعكس هذا التطور تحول ملف حصر السلاح بيد الدولة من شعار سياسي إلى نقطة اشتباك داخل البيت الشيعي، مع تباين واضح بين أطراف ترى أن المرحلة تفرض احتواء الفصائل ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، وأخرى تعتبر أي خطوة من هذا النوع استهدافا مباشرا لنفوذها العسكري ولمعادلة القوة.
وكشف المصدر نفسه أن بعض القوى التي ترتبط بميليشيات مسلحة أبلغت قيادة الإطار بأنها قد تنسحب من التحالف وتقاطع العملية السياسية في حال تم تبني هذا التوجه.
ويعكس هذا التهديد حجم الحساسية التي تحيط بالملف، خصوصا أن "الحشد الشعبي" لم يعد مجرد مؤسسة أمنية بالنسبة لتلك الأحزاب، بل يمثل ركيزة لنفوذ سياسي واقتصادي وعسكري تشكل خلال السنوات الماضية، ما يجعل أي مساس به بمثابة إعادة رسم لموازين القوى داخل المعسكر الشيعي.
في المقابل، أبدت أطراف أخرى داخل الإطار مرونة أكبر تجاه فكرة نزع السلاح والانخراط الكامل في العمل السياسي، مقابل ضمانات تتعلق بالحفاظ على حضورها داخل مؤسسات الدولة والحصول على مناصب سيادية وإدارية، وهو ما يعكس توجها متناميا لدى بعض الفصائل لإعادة التموضع تحسبا لتحولات إقليمية ودولية قد تجعل استمرار السلاح خارج إطار الدولة عبئا أكثر منه ورقة قوة.
ومن المتوقع أن يعقد الإطار التنسيقي اجتماعا خلال الأيام المقبلة لمناقشة المقترح الأميركي، وسط مخاوف من أن يتحول الخلاف إلى انقسام علني قد يسرّع تفكك التحالف الذي تشكل أساسا لمنع تشظي القوى الشيعية بعد انتخابات 2021.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية لا تنفصل عن تداعيات تمرير حكومة الزيدي، التي عمّقت حالة انعدام الثقة بين الأحزاب الموالية لطهران، لا سيما التي شعرت بأنها تعرضت للتهميش أو جرى تجاوزها في ترتيبات تشكيل الحكومة وتقاسم النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن التوافق الشيعي الذي حكم العملية السياسية منذ سنوات بدأ يفقد تماسكه تدريجيا، خصوصا مع تصاعد التنافس على النفوذ وتباين الرؤى بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة ومستقبل الفصائل المسلحة ودور الحشد الشعبي.
كما أن الدعوات الأخيرة التي أطلقها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بشأن حصر السلاح بيد الدولة زادت الضغوط على قوى الإطار، ودفعت بعض الأطراف إلى مراجعة حساباتها خشية الدخول في مواجهة سياسية وشعبية جديدة حول ملف السلاح المنفلت.
وفي هذا السياق، كشف مصدر مطلع في وقت سابق عن اتفاق داخل "التنسيقي" مع رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي على تشكيل لجنة تتولى وضع آلية لنزع سلاح الفصائل تدريجيا، بالتوازي مع ترتيبات لإعادة هيكلة الحشد الشعبي ضمن رؤية أمنية جديدة.
لكن الميليشيات الأكثر تشددا سارعت إلى رفض أي محاولة لربط "سلاح المقاومة" بملف حصر السلاح، إذ أكد رئيس المجلس التنفيذي لحركة "النجباء" ناظم السعيدي أن المقصود بحصر السلاح ذلك الذي يسبب الفوضى، وليس سلاح الفصائل المرتبط بما يسمى "المقاومة".
ويعكس هذا الموقف تمسك الفصائل الموالية لإيران بفكرة الفصل بين السلاحين، وهي معادلة باتت تواجه ضغوطا غير مسبوقة بعد المتغيرات الإقليمية الأخيرة، خاصة مع تزايد الدعوات الدولية لضبط السلاح وحصر القرار الأمني والعسكري بيد الحكومة العراقية.
ويعتقد مراقبون أن مستقبل الإطار التنسيقي بات مرتبطا بقدرته على إدارة هذا التناقض الداخلي، إذ ينتظر أن يقود الفشل في التوصل إلى صيغة توافقية إلى إعادة رسم الخارطة السياسية الشيعية، وربما ولادة تحالفات جديدة تتجاوز الصيغة الحالية التي حكمت المشهد منذ سنوات.