سلامة يناور المودعين لاحتواء احتجاجات على وقف السحب بالدولار

خبير اقتصادي ومستشار سابق لصندوق النقد الدولي ولوزير مالية سابق يؤكد وجود أزمة مصرفية كبيرة في لبنان، منتقدا عدم معاقبة الجناة قائلا إنه بدل معاقبتهم "سُمح لهم بفعل ما يشاؤون والجناة هم المصرف المركزي والبنوك التجارية".


حاكم مصرف لبنان يطمئن المودعين بعد التراجع عن قرار وقف السحب بسعر ثابت


السبيل الوحيد لحصول المودعين على أموالهم كان بقيمة أقل


الانهيار المالي والأزمة السياسية يضعان لبنان على حافة الانفجار

بيروت - اضطر البنك المركزي اللبناني للتراجع عن قرار اتخذه بوقف لسحب بالدولار بعد أن تسبب القرار في موجة سخط شعبي ودفع بالمئات من اللبنانيين للشارع احتجاجا على تلك الخطوة التي أثارت قلقا واسعا.  

وطمأن حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة المودعين اليوم الخميس بأن البنك لم يفلس وأن ودائعهم في أمان وستستعاد قريبا، وذلك بعد التراجع عن قرار بوقف السحب أثار احتجاجات، لكن مصادر لم تستبعد أن تكون تصريحات سلامة الذي يتهمه محتجون بالفساد ويجري التحقيق معه في قضية تبييض أموال وسحوبات بالدولار لصالح احدى شركاته في الخارج، مجرد مناورة لامتصاص الغضب الشعبي.

وقد خرج اللبنانيون الغاضبون إلى الشوارع في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء بعد إعلان البنك المركزي وقف السحب من الودائع بالدولار بسعر صرف ثابت يقل كثيرا عن السوق غير الرسمية، لكنه أعلى من سعر الربط الرسمي.

وأغلق المحتجون الطرق في بيروت بالإطارات المشتعلة واصطف الناس أمام أجهزة الصرف الآلي للسحب قبل سريان القرار.

وقال مصدر مسؤول كبير، رافضا نشر اسمه نظرا لحساسية الأمر، إن خطوة وقف السحب ثم العدول عنها كانت مناورة سياسية لجعل المودعين يشعرون بالرضا عن سعر ثابت يكبدهم خسارة كبيرة في أموالهم.

وقالت الرئاسة اللبنانية في بيان عقب اجتماع شارك فيه سلامة "تقرر اعتبار التعميم رقم 151 الصادر عن مصرف لبنان ما زال ساري المفعول".

ومنعت البنوك اللبنانية المودعين من السحب من حساباتهم الدولارية ومنعت التحويلات للخارج، لكن بموجب التعميم رقم 151 الصادر العام الماضي، سُمح للمودعين بسحب الدولارات مع دفع الأموال بالعملة المحلية بسعر صرف 3900 ليرة للدولار.

ويعادل ذلك نحو ثلث قيمة الدولار في السوق السوداء، حيث جرى تداوله اليوم بنحو 13 ألف ليرة للدولار، لكنه كان السبيل الوحيد أمام لبنانيين كثيرين للوصول إلى أموالهم.

ويبلغ سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة للدولار، فيما يعاني لبنان من أزمة مالية جسيمة ناتجة عن استشراء الفساد والهدر وسوء الإدارة على مدار عقود، وهي أزمة تهدد استقراره ووصفها البنك الدولي بواحدة من أعمق حالات الكساد المسجلة في العصر الحديث.

وتوقع البنك الدولي في تقرير هذا الأسبوع انكماشا جديدا للناتج المحلي الإجمالي اللبناني بنسبة 9.5 بالمئة في 2021. وكان الناتج تقلص بالفعل من 55 مليار دولار في 2018 إلى ما يقدر بنحو 33 مليار دولار العام الماضي.

وقال إن الأزمة التي أدت إلى نقص في السلع الأساسية المستوردة، تفاقمت بسبب "الفراغ المؤسسي المضني" الناجم عن الأزمة السياسية.

وعند صدور التعميم العام الماضي، كان سعر السوق السوداء حوالي نصف مستواه الآن وكانت هناك دعوات للبنوك لرفع السعر الثابت.

وقال المحلل الاقتصادي دان قزي "إذن فالناس الآن يتوسلون من أجل خسارة 70 بالمئة في قيمة ودائعهم".

وأدت الأزمة المالية إلى فقد وظائف وأثارت مخاوف من انتشار الجوع ودفعت أكثر من نصف سكان لبنان لما تحت خط الفقر. وخسرت الليرة اللبنانية نحو 90 بالمئة من قيمتها منذ أواخر 2019.

وانخفضت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي والتي تُستخدم لدعم سلع أساسية مثل الوقود والأدوية والقمح، من أكثر من 30 مليار دولار قبل الأزمة إلى نحو 15 مليارا في مارس/آذار.

وقال توفيق كسبار وهو خبير اقتصادي عمل مستشارا لصندوق النقد الدولي ولوزير مالية سابق "هناك أزمة مصرفية كبيرة ولم يُعَاقب أي من الجناة، بل على العكس سُمح لهم بفعل ما يشاؤون والجناة هم المصرف المركزي والبنوك التجارية".

ويُعقد الجمود السياسي الانهيار الاقتصادي في ظل عدم تمكن الزعماء السياسيين المنقسمين من الاتفاق على حكومة جديدة قادرة على تنفيذ إصلاحات مطلوبة لإتاحة مساعدات خارجية.

ولبنان بلا حكومة منذ استقالة حكومة حسان دياب على اثر الانفجار الهائل الذي دمر قسما كبيرا من مرفأ بيروت ومحيطه في الرابع من اغسطس/اب وتتولى حاليا تصريف الأعمال بعد فشل رئسي وزراء مكلفين هما مصطفى أديب (سبتمبر/ايلول 2020) وسعد الحريري في تشكيل حكومة جديدة

وحث حسان دياب رئيس حكومة تصريف الأعمال الساسة يوم الأربعاء على تنحية خلافاتهم جانبا وتشكيل حكومة قادرة على العودة للتفاوض مع صندوق النقد قبل "الانهيار الشامل".

ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري المدعوم من حكومات غربية، على خلاف مع الرئيس ميشال عون منذ شهور بشأن الوزراء.

وعون مسيحي وحليف لجماعة حزب الله الشيعية المدعومة من إيران والتي تدرجها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.

ويقول الحريري السياسي السني المخضرم، إن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة هي بإصلاح العلاقات مع جيرانه العرب، فدول الخليج ومنها السعودية، عازفة عن تقديم العون لتخفيف متاعب بيروت الاقتصادية وتنأى بنفسها قلقا من النفوذ المتنامي لحزب الله.