'سلطان القاسمي'..عاشق المحروسة

في بدايات عملي بمهنة الصحافة، سمعت اسمه لأول مرة، من أستاذي المرحوم الدكتور أحمد مستجير، الشاعر والمترجم ذي الثقافة الموسوعية النادرة، وكنت في مكتبه بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، أستعد لإجراء حوار صحفي معه، حيث فاجأني قائلاً: بالمناسبة سوف نفتتح أول معمل للهندسة الوراثية في مصر والشرق الأوسط ـ في الشرق الأوسط بجد مش هزار ـ وذلك بتبرع سخي قدمه الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة.

ثم سكت كعادته سارحا في لحظة مخطوفة من زمنه الجميل، وكأنه نسيني، تخيل يا عبد السلام: أن خريطة العالم ستتغير كثيرا بعد معرفة "الجينوم البشري" أي الخريطة الوراثية للإنسان والتي من خلالها سوف نستطيع علاج الأمراض المستعصية...والمصيبة أننا ولا هنا!

كان ذلك في أوائل تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت تذكر كلمة "هندسة وراثية"، وكأنها رجس من عمل الشيطان، فيصيبك الهلع ويتلبسك القلق،بسبب التصريحات والتفسيرات المسمومة التي كان تجار العلم والدين، وما أكثرهم، يطلقونها آنذاك، بلا ضباط أو رابط، فتارة يفتون بأنها، أي الهندسة الوراثية، عمل محرم شرعا، وتارة أخرى يمثلون علينا أنهم خائفون من آثارها الصحية الضارة..في كذا وكذا.

ونحن بصراحة، شعب "بيموت في جلده" من التغيير، ألسنا أحفاد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي صاحب أشهر مقولات التاريخ "يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف" لما شاهد مدافع الفرنسيين، وهي تلقي بالقنابل على جيوش المماليك فتقتل المئات بضربة واحدة؟ وكان ذلك تعبيرا واضحا عن عجز مطبق، وخلل مطلق، أصابنا بداء التخلف والجمود، عوضا عن الحث على الإبداع والمغامرة كركيزة أساسية للنجاح والتقدم.

رحل مستجير..فخمدت برحيله أنوار التراجم العلمية المبدعة، لغة وإصطلاحاً، كما أنطفأت معه أشياء أخرى، ربما لا تقل قيمة كالصدق والأمانة، وحلت بديلا عنها أكوام النفاق والأكاذيب.

أعود إلي الشيخ سلطان القاسمي، الدكتور المهندس حاكم الشارقة، وأنا هنا أسرد ما سمعت ورأيت، فقد لفت نظري أن كل من عرفوه عن قرب، يتفقون على أنه رجل حكيم وواع، يتمتع ببصيرة نافذة ونباهة لافتة، وببساطة أصيلة غير مصطنعة أو مزيفة، يتميز بها أمراء وشيوخ دولة الإمارات العربية المتحدة.

ويقولون أيضا إنه مولع بتشجيع الثقافة والعلم وتأليف الكتب، خصوصا تلك التي تعني بالتاريخ، مما جعل إمارة الشارقة مقصداً للكتاب والأدباء، ويكفي أنه أسس في إمارة الشارقة جامعتين هما: جامعة الشارقة والجامعة الأميركية في الشارقة، ومنح أبناءها فرص التعليم الجامعي بالمجان.

وأنه استطاع خلال سنوات قليلة، أن يقود مسيرة التنمية الثقافية والاجتماعية في الشارقة، حيث بذل مجهوداً جباراً، ووفّر مصادر تشجيع التفاعل الشعبي والحوار الثقافي البناء محلياً وعالمياً، لكن أهم ما يميز شخصيته تقديره العلماء، وتشجيعه البحث العلمي، والسير في طريق المعرفة لتحقيق الأفضل، وقد انعكس هذا الولع العلمي على الإمارة التي تزخر بالمراكز العلمية والثقافية، والمكتبات والمدارس والجامعات، حيث تعد مدرسة القاسمية في الشارقة أول مدرسة طبقت نظام المناهج الدراسية المنتظمة في الدول المتقدمة.

هذا هو الشيخ الدكتورسلطان القاسمي، أمير مستنير، ومثقف من طراز خاص، يجمع بين جوانحه كل مزايا الاستنارة والحكمة والنظرة المستقبلية الثاقبة، أما عشقه لمصر المحروسة، فقد كان واضحاً وشفافاً، كما ضوء النهار، لا يحتاج إلى دليل أو برهان، فالرجل عندما زار مصر مؤخرا، لم يترك مناسبة من المناسبات الجليلة التي شارك بها، إلا وأعلن تصريحا وليس تلميحا، عن أسباب هذا الغرام، لدرجة أنه من فرط هيامه بمحبوبته القاهرة، قال إنه مستعد لتقبيل كل جندي مصري، كرمز لعزة مصر واستقرارها، ومن ثم عزة العرب واستقرارهم.