سمير غطاس يتذكر أكبر عملية فدائية قادها لأسر ثمانية جنود إسرائيليين

الجنود الإسرائيليون الأسرى تحولوا في قبضتي إلى كتاب بات الآن في قبضة كل واحد منكم.


انخرطت مع أقراني في المقاومة الشعبية في محبوبتي مدينة السويس


قبضت لأول مرة على السلاح الذي بقت الرصاصات محشورة في ماسورته كصرخة المظلوم المكتومة في حلقه أمام السلطان الجائر 

يقدم د.سمير غطاس رئيس منتدي الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية ومدير مركز مقدس للدراسات الاستراتيجية. وعضو مجلس الشعب المصري، في سيرته الذاتية "في قبضتي.. صفحة من السيرة الذاتية.. عملية أسر ثمانية جنود إسرائيليين" وثيقة تاريخية فريدة مكتوبة بأسلوب سردي روائي، ضمنها أسرار وتفاصيل أكبر عملية فدائية قادها لأسر ثمانية جنود إسرائيليين وأكبر عملية لتبادل الأسرى . وزودها بوثائق تشتمل على صور نادرة لهويات الجنود الإسرائيليين الأسرى والتحقيق الذي أجراه، والعديد من الأسرار الأخرى الموثقة بالصور. 
عرض غطاس في كتابه الصادر عن دار سنابل أبرز مراحل سيرته الذاتية منذ كان أحد أبرز قيادات الحركة الطلابية في مصر واعتقاله لخمس مرات من 68 إلى 1977 ثم مرحلته كمناضل في الثورة الفلسطينية، وأبرز العمليات الفدائية التى شارك في التخطيط لها وقيادتها، إلى المحطة الأخيرة له كنائب برلماني فاز من الجولة الأولى دون إعادة في منافسة مع أكبر عدد من المرشحين في الانتخابات.
في مفتتح السيرة أوضح غطاس أسباب إطلاق هذا العنوان "في قبضتي" على هذا الجانب من سيرته قائلا "من بين كل الوظائف التي عرفتها البشرية عن قبضة اليد، لم يكن يدر بخلدي حتى في أزهى أحلامي الرومانسية أن يكون في قبضتي ما كان فيها قبل مغيب شمس ذلك اليوم التاريخي 4/9/1982، في شبابي بدا على نحو لافت أن قبضتي تشق سبيلها نحو قدر غير قليل من التميز، فقبيل الهزيمة المروعة في عام 1967، انخرطت مع أقراني في المقاومة الشعبية في محبوبتي مدينة السويس، وقبضت وقتها لأول مرة على السلاح الذي بقت الرصاصات محشورة في ماسورته كصرخة المظلوم المكتومة في حلقه امام السلطان الجائر". 

فجأة سألني شيف عن إصرار أبوجهاد على أن تتضمن صفقة تبادل الأسرى التي جرت عام 1983 تحرير وإعادة أرشيف ومكتبة مركز الأبحاث الفلسطيني الذي كان مقره في بيروت وقت الغزو الإسرائيلي

ويضيف: "كان التحاقي بالجامعة في القاهرة هو القوة الجبرية التي حالت دون قبضتي وشرف الاستمرار في احتضان السلاح، لكن حنيني لهذا العشق البواح لم ينقطع إلا إلى حين، حيث عاودت بعده تلك العلاقة الحميمة، التي تعاش بالنبض ولا توصف بالكلمات، بين ضمة القبضة على السلاح وأول ضمه للوليد إلى صدر أمه، وبين افتراق قبضة اليد على السلاح في السويس عام 1967 ومعاودتها ثانية في لبنان منذ عام 1977 وحتى 1983".
وأضاف "كانت قبضتي وأنا في مرحلة دراستي الجامعية لعبت دورها الجديد الذي تراوح ما بين التلويح في المظاهرات التي شاركت في إطلاقها وقيادتها وما بين الطرق بهذه القبضة على أبواب وجدران زنازين الاعتقال التي كنت ضيفها السنوي تقريبا من عام 1968 إلى عام 1977. وسيكون لقبضتي هذه التي استخدمتها مرارا في الطرق بلا هوادة أو جدوى، على جدران الزنازين التي استضافتني داخل مصر وخارجها، علاقة وثيقة الصلة بموضوعنا الاساسي: (في قبضتي) لست، بكل تأكيد، أول من تأمل علاقته بكفه أو قبضته، وتختزن ذاكرتي مشهد قبضة الملك أوديب، في رائعة سوفوكليس، وهو يلوح بها ويصرخ في ابنته الكترا بأن تأخذه إلى كبير الالهة".
ولفت غطاس أنه كان لجان بول سارتر عبارة فلسفية عن تأمل الإنسان لكف يده، وهناك أيضا مشهد مفعم بالدلالات والأسى كتبه الاديب والمناضل غسان كنفاني في روايته "رجال في الشمس"، وأبطاله يدقون بقبضاتهم جدران الخزان الذي اختبـأوا بداخله في رحلة الهرب، قبل أن تعجز قبضاتهم عن مواصلة الدق ويموتوا احتراقا أو اختناقا. ويبدو الواقع الإنساني أكثر ذخرا بما لا يقاس بتلك النماذج المتعددة والمتنوعة التي استخدم فيها البشر، ومايزالون، قبضاتهم في التعبير: فرحا وحزنا واحتجاجا أو تأييدا، وما تموج به كل لحظة في الحياة من انفعالات أخرى تستدعي وتستوجب التعبير عنها بقبضة اليد الواحدة أو بكلتيهما.
وأشار "الآن وبعد مسافة كبيرة من الزمن، ومع تقدم العمر إلى حافة السبعين (ربيعا) تبدو الفرصة مواتية لمواجهة الأسئلة الإنسانية المستترة أو المسكوت عنها، ومن بينها الأسئلة المتعلقة والمرتبطة بموضوعنا "في قبضتي" وأعني بذلك مشاعر الافراد والشعوب التي لا تجد حرجا، أو تخفيه، وهي تمارس الشيء ذاته ونقيضه؟! ثمة برزخ نجتازه وبالكاد نذكره أو نتذكره ونحن نعبر بمشاعرنا في كلا الاتجاهين المتعاكسين: من الحب إلى الكراهية، ومن أن تكون مستغَلاً أو مستغِل، ومحتلاً أو محتل، ومضطهداً أو مضطهد، إلى آخر القائمة التي لا تنتهي لمثل هذه الثنائيات المتضادة والمتعاكسة، والتي قد يكون كل منا عاش تجربتها ذاتيا، أو تعرف عليها على نحو أو آخر بالمشاهدة أو القراءة، بالاستماع، أو بأي طريقة أخرى.
وأكد غطاس أنه ما أن أنجزت بالكامل أكبر صفقة تاريخية لتبادل الأسرى بين الفلسطينين وإسرائيل، حتى باتت قبضتي فارغة من الجنود الاسرائيليين الستة الأسرى، الذين عادوا إلى ذويهم وأسرهم، لكن عقلي وذاكرتي شحنا برصيد هائل من التفاصيل، والمنمنمات والصور والحكايات التى لم يتبق منها سوى هذا المشهد الأخير.

وأضاف "كنا احتفلنا في عمّان مع أبوعمار، وأبوجهاد والشيخ عبدالحميد السايح رئيس المجلس الوطنى الفلسطيني، باستقبال الأسرى الفلسطينين الذين جرى تحريرهم في صفقة تبادل ثانية كبرى مع الجنود الإسرائيليين الأسرى الثلاثة، الاثنين، الذين سلمتهم مجموعتنا الفدائية لجماعة جبريل والجندي الأسير الثالث الذى أسرته الجماعة بعد تدمير دبابته في البقاع عام 1982. واعتقدت أن الستار أسدل تماما على فصل النهاية فى هذه الرواية التاريخية، لكن المشهد الأخير الذي جرت أحداثه على مسرح العاصمة الهندية نيودلهي أرجأ لحظة اختتام هذه الرواية.
وقال غطاس "كنت دعيت للمشاركة في ندوة تنظمها الامم المتحدة، في العاصمة الهندية نيودلهي، التى كنت تواقاً لزيارتها نظراً لتعلقي الشديد بتجربة الهند الديموقراطية، كان هناك عدد غير قليل من المشاركين في هذه الندوة من جنسيات مختلفة، كان من بينهم د.محمد السيد سليم مدير معهد الدراسات الآسيوية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة، والذي توفى أثناء إعداد هذا الكتاب، وعدد آخر من الأسماء المرموقة، وكان من بين الذين يمثلون إسرائيل في هذه الندوة المحلل العسكرى البارز زئيف شيف وآخرين.
وأوضح أنه "على هامش الندوة بادرني شيف بالسؤال عن أبوجهاد الذي يبدو أنه، بحكم تخصصه، كان متابعاً لصيقاً له، وفجأة سألني شيف عن إصرار أبوجهاد على أن تتضمن صفقة تبادل الأسرى التي جرت عام 1983 تحرير وإعادة أرشيف ومكتبة مركز الأبحاث الفلسطيني الذي كان مقره في بيروت وقت الغزو الإسرائيلي، فقلت له إننا تعلمنا من، ومع أبوجهاد أن للكتب والثقافة قيمة تكاد تماثل قيمة الإنسان نفسه، وقد تفوقها في بعض الأحيان والحالات، وعندما أصر أبوجهاد على تحرير وإعادة كتب مركز الدراسات التي نهبها الغزو الإسرائيلي لبيروت، بعد خروجنا منها، كان في الحقيقة معنيا برسالتين: واحدة داخلية للفلسطينيين أنفسهم للحفاظ على هذه المؤسسة (الثقافية ـ السياسية) المهمة، واحترامها بما يليق بها، والأخرى موجهة لكم في إسرائيل ربما لتفهموا أكثر الجانب الإنساني (والفكري ـ السياسي) لحركة المقاومة الفلسطينية، والكف نهائيا عن إلصاق صفة الإرهاب بها، وإعادة نظركم في المفاهيم المغلوطة السائدة في تعاطيكم مع الشأن الفلسطيني، على نحو عام والشأن المقاوم على نحو خاص.
وختم غطاس "قبل أن يرد، كنت لاحظت علامات الدهشة الممزوجة باحترام مكبوت في مجمل حواري معه، ثم نطق بالعربية المكسورة شابوه (اي لنرفع القبعة) لأبوجهاد. رغم أنه كان من الد أعدائنا". 
كان هذا الحوار قد انتهى إلى لا اتفاق، وكانت الندوة نفسها انتهت إلى نفس النتيجة، وبهذا المشهد الختامي أسدل الستار أخيرا على أحداث هذه الوقائع التاريخية، وهكذا تحول الجنود الإسرائيليون الأسرى في قبضتي إلى كتاب بات الآن في قبضة كل واحد منكم.