سوريا تأمل انفراجا اقتصاديا بإلغاء الكونغرس الأميركي قانون قيصر

الاستقرار الأمني من العوامل الرئيسة لجذب الاستثمارات العربية والأجنبية وعودة رجال الأعمال السوريين إلى البلاد.

دمشق /واشنطن –صوّت مجلس النواب الأميركي بالأغلبية لصالح إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب "قانون قيصر"، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية السورية "سانا" وسط ترحيب واسع من دمشق وآمال من السوريين بانفراجة اقتصادية بعد تصويت مجلس الشيوخ على القرار ومصادقة الرئيس دونالد ترامب.

ورغم أن وكالة الأنباء السورية ذكرت أن الإلغاء غير مشروط، إلا أن مشروع القانون نص على أن إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر يخضع لشروط معينة، منها أن يقدم الرئيس الأميركي تقريرا أوليا إلى لجان الكونغرس خلال 90 يوما، ثم تقارير كل 180 يوما لمدة 4 سنوات، بحسب ما نشر موقع الكونغرس الأميركي الرسمي.

وأشار إلى أن على سوريا أن تؤكد أنها تتخذ خطوات ملموسة في مكافحة التنظيمات الإرهابية، وتحترم حقوق الأقليات، وتمتنع عن العمل العسكري الأحادي الجانب ضد دول الجوار، وتكافح غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتلاحق الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في عهد نظام الأسد، وتكافح إنتاج المخدرات.

وجاء الإلغاء ضمن مادة مدرجة في قانون موازنة وزارة الدفاع الأميركية لعام 2026، بعد جهود دبلوماسية مكثفة بذلتها الحكومة السورية، مدعومة بالجالية السورية والمنظمات السورية الأميركية الفاعلة في واشنطن، إضافة إلى مساندة دول عربية وإقليمية خاصة السعودية حيث عملت لرفع هذه العقوبات التي أثقلت كاهل السوريين.

واعتبر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني تبني مجلس النواب الأميركي إلغاء "قانون قيصر" هو انتصار للحق ولصمود السوريين، وتجسيد لنجاح الدبلوماسية السورية.

وأعلن النائب بالكونغرس الأميركي جو ويلسون، الأربعاء، تمرير المجلس لمشروع قانون يرفع العقوبات المفروضة على سوريا منذ عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد والتي أقرت في في ديسمبر/ كانون الأول 2019 فيما يُعرف بـ"قانون قيصر".

جاء ذلك في تدوينة للنائب الأمريكية قال فيها: "ممتنٌّ لموافقة مجلس النواب على إلغاء قانون قيصر بالكامل كجزء من قانون تفويض الدفاع الوطني. كنتُ ممتنًّا لتقديمي مشروع قانون الإلغاء الكامل في مجلس النواب في مايو الماضي، ولقيادتي الجهود المبذولة في المجلس خلال الأشهر الستة الماضية. أُقدّر دعم الرئيس ترامب والسفير باراك والسيناتور شاهين لتحقيق هذا الهدف.."

وأدرج مجلسا الشيوخ والنواب إلغاء عقوبات "قيصر"، وهي خطوة يُنظر إليها على أنها أساسية لإنعاش الاقتصاد السوري، في نسخة توافقية من قانون تفويض الدفاع الوطني، وهو مشروع قانون سنوي شامل لسياسة الدفاع كُشف عنه في وقت متأخر من الأحد.

ويلغي هذا البند في مشروع قانون الدفاع، المكون من 3000 صفحة، قانون قيصر لعام 2019، ويشترط تقديم تقارير منتظمة من البيت الأبيض تُثبت أن الحكومة السورية تُحارب مُسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، وتُحافظ على حقوق الأقليات الدينية والعرقية داخل البلاد، ولا تتخذ أي إجراءات عسكرية أحادية الجانب وغير مُبررة ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل.

ورحب فريد المذهان الضابط المنشق عن نظام الأسد الذي كان مسؤولا عن تسريب الوثائق التي أدت الى قانون قيصر، بالخطوة الأميركية، وعبر عن شعوره بسعادة كبيرة في تغريدة على حسابه في تويتر.

والمذهان هو رئيس قلم الأدلة القضائية في الشرطة العسكرية بدمشق سابقاً، وسرب عشرات آلاف الصور والوثائق التي توثق تعذيب المعتقلين بعد أن تخفى لسنوات تحت اسم "قيصر"، وأثارت هذه الصور استنكاراً دولياً أفضى إلى سن الولايات المتحدة قانون قيصر لمحاسبته على جرائمه، وخاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتمويل، ما أدى إلى زيادة العزلة المالية والاقتصادية والسياسية التي عانى منها الأسد وساهم بتقليل الدعم الذي يقدمه له حلفاؤه.
واستهدفت عقوبات "قيصر" أفرادا وشركات ومؤسسات مرتبطة بالأسد، الذي حكم سوريا من عام 2000 حتى الإطاحة به في 2024 على يد قوات المعارضة بقيادة أحمد الشرع.

وبالتكبيرات والزغاريد والألعاب النارية والأغاني الوطنية، عبر السوريون عن فرحتهم بإلغاء قانون "قيصر" ورغم صدور القرار في وقت متأخر من الليلة الماضية بالتوقيت السوري، شهدت العديد من مدن البلد العربي، وبينها العاصمة دمشق، موجة من الاحتفالات الشعبية التي غمرت الساحات والشوارع بأجواء من الفرح والحماس، وفق مشاهد بثتها حسابات وسائل إعلام محلية رسمية على مواقع التواصل.

وخرج العديد من السوريين إلى الشوارع والساحات والميادين الكبرى حاملين الأعلام ومرددين الأغاني الوطنية، وهتافات تعكس روح الانتصار والأمل بمستقبل أفضل.

كما تزيّنت الشوارع بالأعلام والرموز الوطنية، وتجلّت مظاهر التراث الشعبي من الأهازيج والدبكة إلى بعض الطقوس التقليدية التي تعكس عمق الثقافة السورية وتماسك المجتمع في لحظات تاريخية كهذه.

بالإضافة إلى ذلك، استقل كثيرون سياراتهم في الشوارع ورفعوا الأعلام وأطلقوا الألعاب النارية التي جعلت السماء تشاركهم فرحتهم، مثلما الأرض، حيث عجت الكثير من الميادين بكافة مظاهر الفرحة الشعبية.

تلك المشاهد لم تتجل فقط بساحة الأمويين بدمشق، التي تجمع فيها العديد من المواطنين معبرين عن فرحتهم، ولكنها ظهرت أيضا في ساحات مدن أخرى رئيسية مثل حمص وحماة (وسط) واللاذقية (شمال غرب) وحلب (شمال)، بحسب ما نقلته فضائية "الإخبارية السورية" الرسمية.

فمن مدينة حلب، عبر المواطن نور الدين خطاب، في حديثه لـ"الإخبارية السورية"، عن فرحته بالقرار وقال إن "شعوره لا يوصف بالخطوة، وهو شعور كل مواطن شريف وحر محب لوطنه"، فيما قال محمود دروبي، للقناة ذاتها، إن الخطوة ستعود بالنفع الكبير على اقتصاد البلاد وعلى الحركة التجارية وهو ما يعود بالنفع على كافة السوريين.

ومن المتوقع إقرار قانون تفويض الدفاع الوطني بنهاية هذا العام، وأن يُوقّع عليه الرئيس دونالد ترامب، الذي يُسيطر أقرانه الجمهوريون على الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، ويقودون اللجان التي صاغت مشروع القانون.

وتخطط شركات سعودية عديدة لاستثمارات بمليارات الدولارات في سوريا، في إطار مساعي الرياض لدعم تعافي البلاد. وشكّلت العقوبات الأميركية عقبة كبيرة أمام انتعاش الاقتصاد السوري.

ويتوقع خبراء أن يفتح إلغاء "قانون قيصر" الباب أمام عودة الاستثمارات والمساعدات الأجنبية لدعم إعادة الإعمار، وتحسن الوضع الاقتصادي بعد إزالة العقبة الأكبر أمام انتعاش السوق السورية، وتدفق المشاريع الاستثمارية وتحويل سوريا إلى ورشة إعمار وبناء، واستقرار أسعار السلع الأساسية وتوفرها في الأسواق، و إعادة انفتاح الشركات العربية والأجنبية للاستثمار في سوريا، وانتعاش القطاع المصرفي عبر تسهيل عودة العلاقات البنكية بين سوريا والخارج، لتدخل سوريا بهذا الإلغاء مرحلة جديدة يُتوقع أن تحمل فرصاً اقتصادية واستثمارية واعدة، وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وبناء مستقبل أكثر استقراراً.

غير أن مراقبون يقولون أن رفع العقوبات لا يكفي، إذ أن الاستقرار الأمني يعد من العوامل الرئيسة لجذب الاستثمارات العربية والأجنبية وحتى عودة المستثمرين السوريين إلى البلاد.

وأعلن ترامب اعتزامه رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا خلال اجتماع مع الرئيس أحمد الشرع في مايو/ أيار الماضي. وعلّقت إدارته العقوبات مؤقتا. لكن من غير الممكن رفع عقوبات قيصر، وهي العقوبات الأشد صرامة، نهائيا إلا بموجب قانون يصدره الكونغرس.

وقال عضو المجلس السوري الأميركي عبد الحفيظ شرف، بعد إجازة القانون في مجلس النوّاب يتّجهُ المشروعُ الآن إلى مجلس الشيوخ مرة أخرى لأن هناك بعض التعديلات على قانون الميزانية ليس لها علاقة بسوريا ومتعلقة بأمور أخرى، لذلك قد يكون هناك تصويت آخر في مجلس الشيوخ على قانون الميزانية ككل وليس بخصوص سوريا، إلغاء القانون سيمر بشكل أوتوماتيكي ويصل إلى مكتب الرئيس الأميركي ليوقعه بشكل نهائي بعد ذلك.