'سوريا تستعيد آثارها' دعما لحماية التراث
دمشق- وثّق معرض 'سوريا تستعيد آثارها'، الذي أقامته المديرية العامة للآثار والمتاحف في المتحف الوطني بدمشق اليوم الثلاثاء بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، جهود استعادة القطع الأثرية السورية التي هُرّبت خارج البلاد، مسلطاً الضوء على أهمية حماية التراث الثقافي بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية، وذلك تحت شعار 'المتاحف توحد عالما منقسما'.
وضمّ المعرض عشرات القطع الأثرية المستردة والتي أُعيدت عبر تعاون بين الجهات المعنية والمجتمع المحلي، تمهيدا لضمّها إلى العرض المتحفي، كما أبرز دور المتاحف في صون الذاكرة الإنسانية وتعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة، إلى جانب الجهود المبذولة لمواجهة أعمال النهب والتنقيب غير المشروع والاتجار بالآثار السورية.
واحتوى المعرض على أربع خزنات، تضم الخزنة الأولى عددا من القطع الأثرية، وهي عبارة عن قطع زجاجية ملونة ومزخرفة تعكس مهارة صانعي الزجاج الإسلامية في تقنيات النفخ والصب والزخرفة، وتضم قوارير وأوعية وزجاجات بأشكال هندسية ونقوش نباتية.
أما الخزنة الثانية فتعرض أمثلة من الخزف والمصنوعات الفخارية، بينها أطباق وأوانٍ مزجّجة تحمل نقوشاً خطية وزخارف هندسية تدل على خطوط إنتاج محلية وتأثيرات تجارية واسعة.
وتتضمن الخزنة الثالثة قطعاً معدنية من نحاس وبرونز وفضة معزّزة بنقوش وختمات، تشمل أطباقا وأدوات طعام ومصاريع صغيرة تبرز تطور الصياغة والزخرفة المعدنية.
أما الخزنة الرابعة فتحوي لوحات خطية وقطعاً زخرفية حجرية وجصية، بالإضافة إلى عناصر معمارية صغيرة “قوالب ونقوش” تكشف عن أساليب زخرفية مستخدمة في المساجد والمباني العامة.
وتجمع القطع بين مستويات فنية وتقنية متنوّعة وتغطي فترات متعاقبة من التاريخ الإسلامي، ما يوفر منصة للبحث والتأريخ والترميم، ويؤكد قيمة هذه المجموعات العلمية أكثر من قيمتها السوقية، وبداخل كل خزنة القطع المعروضة مع بيانات توضيحية تحدد أصلها ونوعها ومواد صنعها، ما يسهل على الزائرين والباحثين تتبّع السياق الأثري لكل مجموعة.
وأوضح معاون وزير الثقافة أحمد صواف في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أن المعروضات تمثل جزءاً من مجموعة واسعة من الآثار التي استُعيدت منذ التحرير وحتى اليوم، بجهود مشتركة بين وزارات الثقافة والداخلية والدفاع، وهيئة المنافذ والجمارك.
وأشار إلى أن مواطنين احتفظوا بعدد من القطع لسنوات بهدف حمايتها من التخريب والنهب، قبل تسليمها للجهات المختصة، حيث يقدم المعرض من هذه المقتنيات المستعادة، مجدداً الدعوة إلى استعادة جميع القطع الأثرية بمواقعها الأصلية، باعتبار ذلك واجباً وطنياً وحضاريا.
بدوره، أكد الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا في تصريح مماثل أن الوزارة، بالتعاون مع هيئة المنافذ والمعابر، نجحت منذ التحرير في استرداد آلاف القطع الأثرية من مهربي وتجار الآثار، مشدداً على أن سوريا بلد غني بالثقافة والحضارة ومتجذر في التاريخ.
وأشار البابا إلى أن وزارة الداخلية تجاوزت دورها الأمني التقليدي لتتبنى بعداً حضارياً وثقافياً، لافتاً إلى استحداث الشرطة السياحية وتخريج أكثر من 518 عنصراً لحماية المواقع الأثرية وتعزيز صورة سوريا الحضارية، إضافة إلى التنسيق مع وزارات الثقافة والسياحة والخارجية والمغتربين ومنظمة الإنتربول لاستعادة المزيد من القطع من الخارج.
وكشف البابا أن علاقته بالآثار بدأت منذ طفولته بتأثير من والده المهندس المعماري، حيث نشأ في أحياء مدينة حلب القديمة، وتعرّف منذ سنواته الأولى إلى أسواقها ومساجدها وقلعتها الأثرية، ما عزّز اهتمامه بالتراث السوري، ووجّه الشكر إلى جمعية العاديات ونقابة المهندسين في حلب لدورهما في نشر الوعي الثقافي والحفاظ على التراث، مؤكداً مساعي وزارة الداخلية للاهتمام بحماية المواقع الأثرية وإبراز الوجه الحضاري لسوريا، إلى جانب دورها الأمني.
من جهته، أوضح مدير العرض المتحفي ونائب مدير شؤون المتاحف في المديرية العامة للآثار والمتاحف المهندس فراس دادوخ، أن المعرض جاء لإبراز الجهود التي بُذلت خلال العام الماضي لاستعادة القطع المنهوبة أو المكتشفة عبر التنقيب غير الشرعي، مبينا أن عملية الاسترداد هي 'جهد جماعي' شارك فيه المجتمع المحلي والجهات المختصة.
ولفت إلى أن القطع المعروضة تنتمي إلى مختلف الحقب التاريخية، مؤكداً أن التنقيب العشوائي يتسبب بخسارة معلومات تاريخية مهمة مرتبطة بمكان اكتشاف القطعة وسياقها الأثري، ما يصعّب توثيقها علمياً وإثبات ملكيتها قانونياً عند تهريبها إلى الخارج.
وتحدث مدير شؤون المتاحف عمار كناوي عن عمليات استرداد المقتنيات الثرية، التي تنقسم بين قطع أعادها مواطنون احتفظوا بها خلال سنوات الحرب لحمايتها، وأخرى صودرت عبر جهود الأجهزة الأمنية والإنتربول وهيئات المنافذ والمعابر، وأكد أن حجم القطع المستردة يعكس حجم الانتهاكات التي تعرض لها التراث السوري خلال السنوات الماضية، لكنه في الوقت ذاته يدل على حجم العمل الذي تقوم به المؤسسات المعنية في التوثيق والأرشفة والاسترداد.
ورأى كناوي أن المرحلة الحالية تمثل مرحلة تعافٍ تتطلب تكثيف الجهود لاستعادة أكبر قدر ممكن من الآثار السورية، وربطها بإعادة ترسيخ الهوية الثقافية والانتماء الوطني.
وأقيم المعرض ضمن فعاليات اليوم العالمي للمتاحف في الـ 18 من مايو/أيار، تحت شعار “المتاحف توحد عالماً منقسماً”، تأكيداً لدور المتاحف في حماية التراث وصون الهوية الثقافية.