سور عكا.. مخزن ذاكرة التاريخ

بناء الجدار يعود إلى عهد الإسكندر الأكبر

عكا القديمة.. واحدة من المدن القليلة في العالم التي ظلت صامدة منذ العهود القديمة. وتقع حالياً تحت سيّطرة إسرائيل حسب التقسيم الإداري بعد حرب 1948 بعد هزيمة الجيوش العربية. وخلال القرون القديمة كانت مدينة عكا محصنة في أيام الخلافة الإسلامية الفاطمية التي كان مقرها القاهرة. وفي عام 950 أمر الحاكم ابن طولون ببناء الجدار حول مدينة عكا لحمايتها من مهاجمة الأعداء الصليبيين.

وتمّ تجديد الجدار في عام 1071 قبل الغزو السلجوقي، ومرة أخرى قبل الغزو الصليبي في عام 1099. ومع استيلاء الصليبيين على القدس قاموا بتجديد أسوار عكا في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، وقاموا ببناء أبراج جديدة لحماية المدينة من الهجمات المتكررة. وفي 1291 دمر المماليك تماماً سور المدينة.

وفي عام 1750 أعاد حاكم البدو “الدهار شرم عمر” السور مجدداً لتحصين عكا القديمة. وفي 1799 تضرّرت أسوار المدينة بشدة أثناء حصار الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، بعد انتصاره على المماليك ودخوله القاهرة في 1798. وبعد ثلاثة شهور تراجع نابليون عن حصار المدينة وعاد إلى مصر بعد فشل قواته في احتلال عكا.

وبين أعوام 1800 و1814 تمّ بناء جدران جديدة حول عكا وأطلق عليها أسوار الجزار، نسبة إلى أحمد باشا الذي لُقب بالجزار لقسوته ووحشيته في التعامل مع أعدائه، وكانت هذه الجدران مزدوجة وضخمة وواسعة ومجهزة بأبراج مراقبة قوية، وعلاوة على ذلك تمّ وضع المدافع الثقيلة على الجدران من أجل تعزيز حماية المدينة من هجمات الأعداء. ومنذ ذلك الحين لم تجر أية تعديلات رئيسية على سور المدينة، باستثناء تشييد بوابتين في الجدران، واحد في الجدار الشمالي، وآخر في الركن الشمالي الغربي من المدينة تمّ بناؤهما في عام 1910. وفي عام 1912 تمّ بناء منارة عكا في الركن الجنوبي الغربي.

ومن أبرز الإضافات التي شيّدها العهد الإسلامي على فلسطين، سواء في عهد زيدان الظاهر أو في عهد أحمد باشا الجزار، كان بناء العديد من الأبراج على الجدار، بما في ذلك برج الحديد، وبرج السلطان، وبرج سنجق، وبرج كريم، حيث ساعدت هذه الأبراج الدفاعية التي بُنيت في العصور المتعاقبة على تشكيل جدار حديدي لحماية المدينة.

ويُعدّ سور عكا في فلسطين القديمة أحد أهم وأكبر الأسوار في العالم، ويلتف حول المدينة بطول 2850 متراً، حيث وقف صامداً أمام الغزاة والحملات الصليبية المتعدّدة، ولعل أبرزها حملة نابليون بونابرت.

كما يعلو السور في الجزء الخلفي برجان صغيران يطلان على المدينة. كما يوجد خندق واسع جداً وعميق ملاصق للجدار الخارجي. وبعد الخندق يوجد سور آخر يمتدّ من شرق المدينة إلى الغرب، ويقف الخندق بينهما معبأ بمياه البحر لمنع الغزاة من المرور والدخول إلى المدينة، وبالتالي كان جدار عكا قادراً على تشكيل بنية قوية ومنيعة ضد أطماع المستعمرين.

ووفقاً لمصادر تاريخية فإن بناء الجدار يعود إلى العصر اليوناني في عهد الإسكندر الأكبر، في الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد. ومرّ الجدار أو سور المدينة بالكثير من التجديدات والإصلاحات وفقاً لعدة مراحل تاريخية مرت بها المنطقة، مثل العهد الروماني، والعصر البيزنطي، مروراً بالعهد العربي الإسلامي، ثم العهد الصليبي، بالإضافة إلى العهد العثماني، إلى الانتداب البريطاني على فلسطين وحتى الاحتلال الإسرائيلي.

كما هي مدينة تاريخية استثنائية من حيث إنها تحافظ على بقايا كبيرة من المباني الصليبية في القرون الوسطى تحت مدينة محصنة إسلامية قائمة يعود تاريخها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. والنتيجة هي صورة استثنائية للتخطيط وهياكل عاصمة المملكة الصليبية في القرون الوسطى من القدس.

ويقول د. عبدالفتاح والي، الخبير الأثري: مدينة عكا القديمة كانت تقع على بعد حوالي 2.5 كم إلى الشرق من موقع المدينة القديمة. وفي عام 1900 ق. م كانت البلدة محصنة من قِبَل متراس ترابي مرتفع مع بوابة من الطوب باتجاه البحر.

ويوضح أن عكا كانت مركزاً للتجارة الدولية بسبب موقعها الاستراتيجي ومينائها الطبيعي، ولذلك كانت محط أنظار المستعمرين طوال التاريخ. وبالتالي في كل حقبة تاريخية كان الحاكم يأمر ببناء أسوار وجدران وأبراج حول المدينة لحمايتها من الاعتداء – على سبيل المثال – في عام 1191 وخلال الحملة الصليبية بقيادة ريتشارد قلب الأسد نجح في الاستيلاء على عكا والمناطق الساحلية المجاورة، وقام بإنشاء المملكة الصليبية واتخذ من عكا عاصمة لها، وأمر ببناء جدار جديد حول المدينة لحماية القصور والكنائس والمباني العامة، وحتى تكون المدينة محصنة ويتفرّغ إلى محاربة صلاح الدين الأيوبي ليتمكّن من استعادة القدس.

ومن جانبه، يضيف د. السيد الشاذلي، الخبير الأثري، قائلاً: خلال الفترة العثمانية (1517-1917) تمّ إعادة إعمار البلدة بعد أن هزم العثمانيون المماليك، وتمت إعادة بناء تحصينات المدينة. ومع الغزو البريطاني في عام 1918 وُضعت فلسطين تحت ولاية عصبة الأمم، واستخدم البريطانيون قلعة عكا كسجن ولم تفعل شيئاً لتغيير نسيج الحياة داخل أسوار المدينة القديمة. ومع هزيمة العرب في حرب 1948 تدفّق اليهود على المدينة القديمة بعد طرد السكان الفلسطينيين، وأصبحت عكا التاريخية بأسوارها القديمة تحت الاحتلال الإسرائيلي.