سياسات الإخوان لم تبن "مدنا فاضلة"

تركيا في عهد أردوغان ستبقى داعما لحركات الإسلام السياسي في المنطقة حتى لو قلصت من الناحية التكتيكية مشاركتها في دعم الأحزاب الإسلامية.


التجارب القصيرة للإسلاميين في الحكم تثبت نقص درايتهم بالسلطة وكيفية إدارة الدول


أنقرة ترى في تنظيم الإخوان المنقسم على نفسه حصان خاسر يصعب التعويل عليه

تونس – بعد عقود من التحضير المفترض للسلطة والتخطيط للتمكين، أضاع الإسلاميون الفرصة وخسروا الكثير من رصيدهم بعد أن تبين أن سياسات الإخوان لا تبني "المدن الفاضلة" بل هدمت ما تحقق من مكتسبات وأشاعت الفقر والأمية والتطرف والإرهاب.

عندما سقط نظام الإخوان في مصر سنة 2013، ورغم أهمية البلد تاريخيا واستراتيجيا ومكانته في أدبيات الإخوان، لم يتأثر تيار الإسلام السياسي بالشكل الذي يبدو عليه اليوم مع هزيمة الإسلاميين في المغرب بالتزامن مع نكستهم في تونس، فيما تولي الدولتان العرّابتان وجهها شطر ملفات أخرى، حيث تركز قطر على أفغانستان، فيما تبحث تركيا عن معادلة جديدة تقرّبها من السعودية والإمارات ومصر.

ورغم خصوصية التجربة المغربية في تولي حزب إسلامي الحكم، إلا أن تأثير نتائج الانتخابات التشريعية والبلدية الأخيرة والتي مني فيها حزب العدالة والتنمية بخسارة كبيرة كان حاسما في الحديث عن طيّ صفحة الإسلام السياسي، على الأقل بالنسخة التي ظهر مع الربيع العربي في 2011.

سقوط هيكل الإخوان في مصر، البلد الأم، في 2013 كان بمثابة المظلومية التي تحرك في فلكها الإسلاميون بقيادة تركيا التي فتحت أبوابها لقادة الإخوان وإعلامهم وحولت اسطنبول إلى عاصمة حاضنة للإسلام السياسي بعد أن كانت في السابق أبرز نموذج للعلمانية والفصل بين الدين والسياسة.

لكن،  الرهان التركي كان مكلفا للدول التي تبنت منهج حزب العدالة والتنمية التركي، مثلما هو حال تونس التي شهدت لا فقط أزمة سياسة بسبب سياسات حركة النهضة بل أيضا بسبب فتح السوق التونسية على مصراعيها للبضائع التركية بما أضر باقتصاد البلاد وساهم في رفع البطالة.

في مصر تطلّب الوضع سنة واحدة من حكم الإخوان لإفشال تخطيط أكثر من ثمانية عقود. وتركيا نفسها لم تسلم من انتقادات المعارضين لسياسات أسلمة المجتمع وتحول البلاد من سياسة خارجية قائمة على صفر مشاكل إلى سياسة قائمة على صناعة المشاكل والتدخل سياسيا بل وعسكريا في شؤون الدول من أجل تمكين الحلفاء الإسلاميين، المدعومين أيضا من قطر.

اليوم قطر وتركيا غارقتان في قضايا أخرى. لا يعني هذا استدارة كاملة عن دعم واحتضان الإسلاميين لكن ربما تأجيل الاهتمام بهم وتركهم في هذه المرحلة لمحاولة الخروج من المأزق بأنفسهم، وهذا ينطبق بشكل رئيسي على حركة النهضة في تونس التي تعيش واحدة من أسوا مراحلها بين تشظي داخلي ورفض شعبي وإجراءات رئاسية جمّدت كل مخططاتها.

متغيرات دولية

بينما تبدو قطر منشغلة بترسيخ أقدام حركة طالبان في الحكم ومتابعة الوضع في أفغانستان وتحول الدوحة إلى "عاصمة" ثانية لطالبان حيث يتوجه كل ممثلي المجتمع الدولي وسياسييه وكل من أراد التفاوض في شأن مستقبل أفغانستان.

يأتي ذلك بالتزامن مع انتهاء الأزمة الخليجية التي استفادت منها تيارات الإسلام السياسي وتركيا. وهذه الأخيرة تبدو غارقة اليوم في نتائج سياسات السنوات الماضية، من جهة العلاقات مع الولايات المتحدة ومع حلفاء الناتو وقطع كل السبل نحو عضوية الاتحاد الأوروبي، ومن جهة السياسات الداخلية التي تخنق أردوغان مع اقتراب موعد الانتخابات، والتي لن يكون فيها حزب العدالة والتنمية الحزب الإسلامي الوحيد بل انقسمت قاعدته الشعبية على عدة أحزاب كونها حلفاء الأمن على غرار داوود أوغلو وعلي باباجان.

في خضم هذه الأوضاع تتطلع أنقرة القلقة من علاقات قبرص واليونان بالإمارات والسعودية ومصر إلى تحسين العلاقة مع هذه الدول، وهي أبرز حلفاء حليفتها روسيا. لكن هنا يطرح سؤال: هل ستقدر تركيا على دفع ثمن المراجعة؟

مصر
مصر 2013.. بداية الانهيار

لا يوجد رد واضح ومباشر على هذا السؤال لكن هناك إشارات تركية توحي بإمكانية إجراء تعديلات جزئية واتخاذ إجراءات لا ترقى إلى أن تكون تنازلات سياسية جوهرية.

وتقول الكاتبة في صحيفة جيروزاليم بوست كسينيا سفيتموفا: "بعد ثماني سنوات من العداء تنخرط تركيا في دبلوماسية مكثفة مع مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وتعرب علنا عن اهتمامها بإصلاح العلاقات مع هذه الدول العربية المؤثرة."

وفي تحليل نشره الموقع التركي TRTWorld، كتب علي  باكير، الباحث في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، متحدثا عن خريف الإسلاميين منطلقا من الهزيمة "الساحقة" لحزب العدالة والتنمية المغربي وكيف تقلصت حصته من المقاعد البرلمانية من 125 في عام 2016 إلى 12 مقعدا في انتخابات 2021.

ويضيف باكير أن هذا التطور يأتي بعد أقل من شهرين على التغييرات شهدتها تونس. وتبنى باكير وجهة نظر الإسلاميين في وصف الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي استجابة لغربة الشارع بـ"الانقلاب الناعم" لافتا إلى أن ما جرى في تونس في 25 يوليو "بالكاد واجه أي انتقادات أو ضغوط من الديمقراطيات الغربية".

خاسرون ولكن

انتقد الباحث قرارات الرئيس التونسي رغم أنها تلقى تأييدا لا من الشارع كما تطرق إلى "قمع الإخوان في مصر" ومحاكماتهم، وانتقد الأنظمة العربية "الأتوقراطية" التي "مازلت "حرية وتركل".

لكن وفي مفارقة لافتة أشار بعد استحضار تلك التطورات إلى أن تلك "الحكومات العربية تمكنت من طرد الإسلاميين من المشهد الرئيسي بطريقة أو بأخرى بعد عقد من اندلاع الثورات العربية". وفي بحثه عن أسباب هذه الهزيمة يقول "هذا لا يعني أن الأحزاب الإسلامية كانت مثالية. بالمقارنة مع الأحزاب العربية الأخرى، فإن الأحزاب الإسلامية بشكل عام أكثر تنظيما وترابطا. لكنها في النهاية، مثلها مثل الأحزاب الأخرى في العالم العربي، كانت موجودة لفترات طويلة في بيئات مظلمة وقمعية ويائسة تسيطر عليها الأنظمة العربية بالكامل، مما أدى بها إلى العديد من أوجه القصور".

ويضيف "في نهاية المطاف، لا يمكن لهذه الأحزاب البقاء على قيد الحياة. يأتي ذلك في وقت تحدث فيه أنواع جديدة من العلاقات وإعادة الاصطفاف بين دول المنطقة في حقبة ما بعد ترامب. الدول التي كانت متخاصمة حتى وقت قريب، مثل مصر والإمارات والسعودية وتركيا وقطر تنفتح وتبذل جهودا في التقارب وتحاول استكشاف فرص لتطبيع العلاقات".

لكن ذلك لا يعني أن تركيا وتحديدا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان أن تقطع بالكامل علاقتها مع الإسلاميين، حيث تقول كسينيا سفيتموفا "ليس هناك أدنى شك أيضا في أن تركيا ستظل داعما قويا لحركات الإسلام السياسي في المنطقة، حتى لو قلصت من الناحية التكتيكية مشاركتها في دعم تلك التنظيمات"، لافتة  أن "أنقرة أصبحت مقتنعة بأن تنظيم الإخوان المنقسم على نفسه حصان خاسر لم يعد من الممكن الرهان عليه، ويتوقع أن لا تسمح تركيا بعد الآن بالخطاب التحريضي ضد مصر، مما قد يؤدي إلى رحيل بعض شخصيات الإخوان إلى وجهات أخرى، مثل أوروبا".

يمكن لأنقرة إتباع سياسة الكيل مكيالين الاعتراف بأخطاء الإخوان مع تحميل مسؤولية فشل تجربتهم  السياسية إلى الأنظمة المعادية والعودة إلى العمل "السري" ربما تأتي ضربة حظ أخرى. وبالتالي، وكما جاء في تحليل علي باكير "إذا كانت هناك إرادة، سواء في الأحزاب الإسلامية أو الأنظمة العربية، للتعلم من الماضي واستيعاب الدروس وإصلاح الأمور، فهذا هو الوقت المناسب للقيام بذلك. وإلا فتوقع انتفاضة عربية جديدة عاجلا أم آجلا".

لكن حتى لو أتيحت تلك الفرصة مرة أخرى لا توقع المتابعون عودة مشابهة للإسلام السياسي بعد أن اختبرت الشعوب الإسلامية نوايا الإسلاميين في الحكم وتبين أن تلك "القوة التي لا يمكن إيقافها في السياسة الديمقراطية" هي قوة من ورق وتلك "المدينة الفاضلة والعادلة" التي حلم الناس أنها ستتحقق في عهدهم تبين أنها وهم.

وهذا ما يؤكده تحليل لمجلة الإيكونومسيت رصدت فيه أسباب فشل تجارب الإسلاميين في العالم العربي، لافتة إلى أنه "بعد عقد من الزمن سعى فيه الإسلاميون إلى النفوذ في جميع أنحاء الشرق الأوسط... فإنهم يقفون مرة أخرى في موقف دفاعي وقد لا يعاودون الظهور كقوة مهيمنة، فيما تشير التجارب القصيرة التي أجراها الإسلاميون في الحكم إلى أن لديهم أفكارا قليلة عما يجب عليهم فعله".