سيريتل وام تي ان: جدل حول الملكية في سوريا

دعوات لمقاطعة شركتي الاتصال بعد رفع أسعار باقات الانترنت في ظل غياب المنافسة، مع مطالبة الحكومة بالسعي إلى إدخال شركات اتصالات عالمية لكسر الاحتكار.

دمشق – مع اتساع رقعة الغضب الشعبي من قرار شركتي الاتصالات العاملتين في سوريا سيرتل وام.تي.ان، رفع أسعار الانترنت لمستويات قياسية، علت الأصوات المطالِبة الحكومة بالتدخل الفوري لوقف موجة رفع الأسعار، في ظل تساؤلات عن ملكية هاتين الشركتين الحالية، بعدما كانتا محسوبتين على مقربين من الرئيس السابق بشار الأسد قبل سقوط نظامه.

وأعلنت شركتي الاتصالات سيريتل وإم.تي.إن"، عن طرح باقات جديدة للاتصال والإنترنت ورفع تكلفة المكالمات والإنترنت بشكل كبير، إلى جانب إلغاء باقات الساعات التي كانت تمثل الخيار الأقل كلفة لشريحة واسعة من الطلاب والعمال وذوي الدخل المحدود ما اعتبره كثير من المستخدمين "مجحفة" و"صادمة"، مؤكدين أن الزيادة تجاوزت في بعض الحالات 100 بالمئة، بل وفاقت الـ200 بالمئة، رغم تردي جودة الخدمة وضعف سرعة الإنترنت والانقطاعات المتكررة.

وانتشرت دعوات المقاطعة للشركتين ردا على الاستغلال في ظل غياب المنافسة، مع مطالبة الحكومة بالسعي إلى إدخال شركات اتصالات عالمية لكسر الاحتكار معتبرين أن غياب البدائل يجعلهم "رهائن" للشركتين لا تراعي الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها السوريون يوميا، في حين ترددت تساؤلات عن ملكية الشركتين الحالية وضعف قرارات وزارة الاتصالات أمامهما.

وأكد ناشطون أن ما يحدث سرقة موصوفة من جيوب السوريين الفقراء على الرغم منهم، ووصل الأمر بالبعض إلى القول بأن "هنالك حكومة خفية تعمل على إسقاط الدولة من خلال رفع الأسعار واستفزاز الناس ... أو أن الموضوع بكل بساطة أن الدولة تعمل على إسقاط نفسها".

ومع تزايد الغضب الشعبي، أعلنت وزارة الاتصالات أنها وجهت رسالتين إلى الشركتين طالبت خلالهما بتوضيح أسباب ارتفاع أسعار الباقات الجديدة، وتحسين جودة الخدمة خلال 60 يوماً، فضلاً عن نشر توضيحات موجزة للمواطنين تشرح آلية هذه الباقات. وأوضح وزير الاتصالات عبد السلام هيكل أن الوزارة تتابع "كل ما يرد من انتقاد واعتراض وغضب"، مؤكداً أنه سيقدّم خلال الأيام القادمة توضيحات حول كيفية عمل قطاع الاتصالات في سوريا وتحدياته.

وأشار هيكل إلى أن القطاع "في مرحلة انتقالية لم يشهدها من قبل" ويتجه نحو "شراكات واستثمارات جديدة" بعضها في مرحلة المفاوضات النهائية، مع التعهد بالسعي لرفع جودة الخدمة "إلى أقصى درجة ضمن الممكن" و"بكلفة مناسبة"، رغم صعوبة المهمة.

لكن هذا التصريح لم يقنع عدد كبير من السوريين الذين اعتبروا أن هذه التحركات الرسمية "غير كافية"، وطرح آخرون تساؤلات حول كيفية عدم علم الوزارة المسبَق برفع الأسعار.

ووجه المحامي باسل سعيد مانع دعوة عاجلة للحكومة السورية مطالباً فيها بـ "إسقاط عقود الاحتكار" الخاصة بقطاع الاتصالات، والعمل على "استعادة شركتي سيريتل وMTN فوراً إلى ملكية الدولة" وفقاً للأحكام القانونية.

وقال مانع "بعد سقوط نظام الاستبداد، تتنفس سوريا للمرة الأولى هواء الحرية، لكن غصة شركات الخليوي لا تزال تخنق حلقوم المواطن. لقد استنزفت هذه الشركات جيوب السوريين لعقدين كاملين، بخدمات متدنية وأسعار فاحشة".

وأضاف المحامي "العقود الأصلية أبرمت في ظلامية دامسة، دون مناقصات علنية أو رقابة حقيقية. أما التمديد اللاحق فكان أكبر عملية التفاف على القانون، حيث تم تحت مسمى 'ترخيص تشغيل' لمدة عشرين عاماً دون العودة للجهات الرقابية".

وتابع "البنية التحتية للاتصالات هي ملك عام للشعب، ولا يجوز تحويلها لملكية خاصة. كما أن هذه الشركات استخدمت شبكاتها لصالح الأجهزة الأمنية السابقة في مراقبة المواطنين واختراق خصوصياتهم، وهي جرائم موثقة تبرر فسخ العقود".

وأشار مانع إلى أن "الشركتين قامتا بعد التغيير برفع أسعار الخدمات بشكل أحادي، دون الرجوع للحكومة أو إصدار قرار رسمي، وكأنهما دولتان داخل الدولة. السوري الذي دفع عمره على بطاقة شحن، يدفع الآن دمه".

في المقابل، يرى البعض الآخر أن قطاع الاتصالات، رغم تحديات 14 عاماً من الحرب وتدهور الاقتصاد، يُدفع باتجاه رقمنة شاملة وتطوير للبنية التحتية وإدخال تقنيات جديدة.

وتمثل خدمات الاتصالات والإنترنت في العصر الرقمي حاجة أساسية، فهي ليست رفاهية بل أداة للعمل، والتعلم مِن بُعد، والتواصل، والوصول إلى المعلومات، لذلك فإن ارتفاع أسعارها بهذا الشكل الحاد له تداعيات تتجاوز الجانب المالي المباشر، منها اتساع الفجوة الرقمية فقد يؤدي هذا القرار إلى حرمان شريحة كبيرة من ذوي الدخل المحدود من الوصول إلى الإنترنت، مما يوسع الفجوة الرقمية ويعمق التهميش الاجتماعي والاقتصادي.

ويؤثر ارتفاع تكلفة الاتصال سلبًا في القطاعات الاقتصادية الأخرى، خاصة تلك المعتمدة على العمل عبر الإنترنت، والشركات الناشئة، والعاملين في مجال التحرير والعمل الحر.

ويأتي هذا القرار في سياق عام من الارتفاعات المتلاحقة في أسعار الخدمات الأساسية مثل الكهرباء، مما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطن السوري.

ويقول متابعون أن النظام الرقمي في سوريَة يواجه خطر الانكماش، إذ تتحول الخدمات الأساسية إلى عبء مالي لا يمكن تحمله، ما لم توجد حلول جذرية تضمن حق المواطن في الوصول إلى تكنولوجيا الاتصالات بأسعار عادلة تتناسب مع قدرته الشرائية، وتحت سقف جودة مقبولة.