سيما آل عبدالحي مسيرة فنية حافلة بالشغف والبحث والتجريب

الفنانة التشكيلية السعودية تؤكد أن حضور الفن التشكيلي في السعودية قوي جداً وبلا منازع ويزداد في الظهور والتألق.


الرؤى والأفكار التي تحملها لوحات آل عبدالحي تحكي عن الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من تداعيات


لا توجد ثقافة اقتناء إلا عند ندرة بسيطة تعي قيمة الفن وقيمة اللوحة كملكة مهمة للجدار

قدمت الفنانة التشكيلية السعودية سيما آل عبدالحي منذ انطلاق معرضها الأول "من فوق الأرفف" مسيرة حافلة بالشغف والبحث والتجريب استندت على موهبة أصيلة كانت وراء اتجاهها لعالم الفن، ظلت تغذيها بالدرس والفرجة والاطلاع والتجريب والمشاركة الفاعلة، حتى تمكنت من خصوصية خطوطها وتجليات فرشاتها وألوانها، ومن ثم دفعت بأفكارها ورؤاها نحو الآفاق الواسعة لتأثيرات التاريخ الفني الإنساني، فهي لم تكتف بجماليات الخطوط والآثار والتصاميم في الحضارة العربية والإسلامية وانعكاساتها على الواقع الإنساني الممتدة حتى الآن، بل وسعت دوائرها لتنهل من الحضارة الإنسانية ونتاجاتها الفنية قديمها ومعاصرها، وفي القلب من كل هذا يأتي الواقع الإنساني في راهنه الحياتي الآني ليشكل المؤثر الأكبر في لوحتها.
تخرجت آل عبدالحي في كلية الهندسة المعمارية جامعة الملك فيصل قسم عمارة التصميم الداخلي، ونالت درجة الماجستير في التصميم الداخلي من الجامعة الافتراضية الدولية في المملكة المتحدة. وقدمت خمسة معارض شخصية "من فوق الأرفف"، "خربشات الروح"، " الأربعة"، و"ضريح الألوان"، وتفتتح هذه الأيام المعرض الخامس "صديق ينتظر"، ومثلت المملكة في عشرات الملتقيات الفنية والمعارض والبيناليات المحلية والخليجية والدولية، ونالت الكثير من الجوائز، وهي عضو الجمعيه السعوديه للفنون التشكيليه (جسفت)، وعضو جماعة الفنون التشكليه بالدمام والجوف وجماعة الخط العربي بالقطيف. 
تقول آل عبدالحي حول بدايات تجربتها الفنية وأبرز المؤثرات التي ألقت بظلالها عليها: "لكي أتحدث عن تجربتي الفنية أحتاج أن أوضح كيف وصلت إلى هذه البقعة تحديداً. كانت هواية منذ الصغر لطفلة ترسم طيلة الوقت. تهتم أن تمتلك كل أنواع الألوان ودفاتر الرسم والكانفاس والفرش، حيث إن امتلاكها وتجريبها كان يجلب لي السعادة، ومع الاستمرار في هذا لسنوات طويلة، قررت أن أرتاد كلية الهندسة المعمارية لأنها تشبه الرسم بطريقة أو بأخرى، واقتادتني هي الأخرى بعد رسم لوحات على الحرير، ولوحات في فن الباتيك وغيرها من التصاميم الهندسية إلى محلات التأطير والبراويز، وهنا بدأت تلمع الأعين على لوحاتي الدراسية وغير الدراسية في أوقات الإجازات للمشاركة بها في معارض وكان دائماً جوابي بالرفض. 

جاء العام 2003 واقتاد القدر رئيس جماعة الفنون التشكيلية بالقطيف الفنان بشار الشواف إلى منزلي لرؤية أعمالي الفنية والتي لاقت إعجابه. حدثني حينها عن وجود جماعة للفن التشكيلي بالقطيف وعن وجود أعضاء ومكان وغيرها من التفاصيل، وهنا دخلت هذا العالم وشاركت بشكل رسمي ضمن معرض الجماعة وكنت إحدى الفنانات الفائزات في جائزة الشباب لذلك العام. 
أبحرت في عالم الفن.. واليوم وبعد اثني عشر عام أصبح ذلك الفنان والرئيس السابق زوجي، وها نحن نترافق في الفن. أما أبرز المؤثرات التي ألقت بظلالها على تجربتي فكانت ما تفعله البشرية كافة في العالم وفي المخلوق البشري كبيراً كان أم صغير، طيباً كان أو ماكراً شرير، التصرفات والتعامل والبشاعة كانت هي الظلال التي تحملها لوحاتي بالبياض لا بالسواد. 
وأوضحت آل عبدالحي: النقلة الأولى لي تمثلت في حلم افتتاح أول معرض شخصي والذي تم افتتاحه عام 2009 في محطته الأولى في القطيف والثانية في جدة تحت مسمى "من فوق الأرفف". قلت فيه باختصار "في سنيين مضت/ كانت لي أحزان لم أعبر عنها بأي لغة/ فتكومت فوق الأرفف/...../ رسمت لكم الشكل الآخر لصمت السنين/ وإن وجدتم ما صعب فهمه/ فلأن بعض القوانين/ نعرفها فقط أنا واللوحة. 
النقلة الثانية كانت في افتتاح المعرض الثاني "خربشات الروح" وهو في السنة ذاتها. والذي كان مختصا في تقنية الجرافيك (السلك سكرين والمونوبرنت) وحمل الكثير من الزخارف الإسلامية والموتيفات والعناصر المكررة بطرق مختلفة. ما أصفه بالمتاهة التي يدخل فيها المشاهد ضائعاً عن الخيط الذي كان يمسك به في أول طريقه ليعود بادئا رحلة البحث عن القصة من جديد.
النقلة الثالثة في معرض "الاربعة" مع أصدقائي الثلاثة في الخبر في تراث الصحراء والذي كان دمجاً ما بين تجربة الجرافيك وفني السابق في المعرض الأول بخامات مختلفة والذي لاح فيه لون التربة الذي لازم أغلب لوحاتي وحدد طريقتي الفنية. 

fine arts
قارئة الفنجان

النقلة الرابعة والتي أعدها من أجمل نقلاتي كانت في معرض "ضريح الألوان" في تراث الصحراء في الخبر عام 2012. كانت عالمي الحي، واقع الحياة والمجتمع بالكامل، ما يحدث الآن، وما كان حادثاً في السابق، وما سيحدث غداً، وفي كل وقت. حياة الإنسان من طينة إلى طينة. من الطين الذي خلق منه فوق الأرض إلى ذاك الذي يدفن فيه تحت الأرض. والنقلة الخامسة والجديدة معرض "صديق ينتظر" الذي أنتظر افتتاحه خلال هذا الشهر.
وترى آل عبدالحي أن الرؤى والأفكار التي تحملها لوحاتها تحكي عن الحياة الاجتماعية بكل ما فيها من تداعيات. وتضيف: الصراع الكبير بين الكثير من المتناقضات، الحب والكره، الوفاء والغد، الليل والنهار، النور والظلمة، الجمال والقبح، الذكر والأنثى، الصدق والكذب، الحقيقة والخيال، الموت والحياة، العذب والمالح، الأسود والأبيض، وغيرها. صراع لا متناهي بدأ بين الله والشيطان. ولو نظرنا من جانب آخر لوجدنا أن الحياة هي قصة التوازن والتناسق بين كل شيء وفي كل شيء. 
وهنا نرى أن العلم والدين يسيران في نفس الطريق ولكن بلغتين مختلفتين لا أكثر. وهنا وبشكل بسيط أرى أن الحياة كفنجان قهوة، يحوي قصة لا بد أن تقرأ، وهذه القصة تتغير في الصباح والظهيرة والليل. لا بل وتتغير ما بين فينة وفينة، وأقل حتى، يزداد فيها البياض لساعات، ويقبع السواد في قاعها مرات عدة. منا من يصدقها، ومنا من يأخذها لعبة، ومنا من يلجأ لها باحثا عن أمل، وآخر يرى أنها خرافات بل كذبة. ومع كل هذه الاختلافات نحن نكون. نختلف لنتجانس، ونخطئ كي نعرف الصواب. نتعلم كي نعي، ونعي كي لا نخطئ.
وتشير آل عبدالحي إلى مدارسها الفنية قائلة: كنت دائماً أقول إني أنتمي إلى المدرسة التجريدية. أني أحب الشخابيط والألوان الموضوعة بطريقة غير مفهومة كي لا يعي الناس مكنون ما فيها. واليوم وبعد انضمامي لصالون بشار الشواف منذ ثلاثة أعوام، أعتقد أن أعمالي معاصرة ولا تخضع لمدرسة عينية بحد ذاتها، بل تستخدم الوسائط الحديثة وتحول اللوحة المسندية إلى لوحة تثبيت أو أعمال تركيبية. في معرض "ضريح الألوان" كان الشكل المستطيل هو الشكل الأساسي في أغلب اللوحات معبراً عن القبر واستعنت بأصدقائه من الأشكال والخطوط لأظهر ما يفعله الناس في الحياة. اللون الترابي بشكل واضح أو غير واضح كان غطاء للأعمال، وتم استخدامه بعناية لإظهار المتناقضات والمواجهة والتنافر في ألوان الحياة. 
وتلفت إلى أن المجتمع السعودي هو مجتمع واحد فقط من بين آلاف المتجمعات. أنا منه وأعيش بين أهله، لكن قضيتي ليست المجتمع السعودي بحد ذاته بل البشرية جمعاء أياً كان جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو دينهم. وبالسواد والبياض كانت لوحاتي تحكي الحياة بشكل بسيط ومقنن وتنادي الإنسان أن بدايته كانت قلبا أبيض وكبر، ورغم أنه أخذ يكبر كان لا بد أن يحافظ على بياضه. ورغم كل التغيرات حوله كان لا بد أن لا يجعل نقطة واحدة تدخل من الخارج تحديدا النقطة السوداء. 
وتؤكد آل عبدالحي أن الواقع اليومي لكل البشرية وليس للإنسان السعودي فقط يجعلني أرسم وأكتب. يجعلني استخدم الأشكال والألوان والرموز لأبين المضامين في تلك النفوس، لنوضح الصح ونراه، ولنوضح الخطأ لندرسه ونتعلم منه. تلك اللوحات ليست عبثاً في حقيقتها وكذلك الألوان والأشكال تحكي الكثير من المغزى ليس فقط عن الواقع بل عن علاقاتها مع بعضها البعض، وعن ارتباطاتها كوحدات منفصلة أو كتل منسجمة ومتصلة، عن تقاربها اللوني إن انسجمت أو إن كانت مختلفة. اللوحة تتكلم بعدة لغات جميعها تشير إلى مدلولاتها، ولماذا هي رسمت. تحكي عن جمالها الداخلي بنفسها عن طريق الوسيط الذي استخدم في إعدادها. 
وتشير آل عبدالحي إلى أن حضور الفن التشكيلي في السعودية قوي جداً وبلا منازع ويزداد في الظهور والتألق، أما فيما يخص علاقته بالمتلقي فهي محل توقف. حريُ بنا أن نسأل من هذا المتلقي تحديداً، فالمجتمع السعودي الفني أغلبه لا يحظى بثقافة فنية أكاديمية تجعله يكون المتلقي المناسب أمام لوحة تستحق المشاهدة والتوقف أو النظر والتحرك. أغلب المتلقين هم مشاهدون إما من داخل الوسط الفني أو من خارجه، لكنهم مهتمون بالوسط الفني والرسم واللوحة لديهم نشوة أو هواية أو متعة أو راحة أو غيرها. والسؤال هنا هل منهم من متلق واع، فاهم، متمكن من تلقي اللوحة والاستطراد في علم الجمال ومكنونات اللوحات والعلاقة بين خاماتها ووسائطها الأحادية أو المتعددة، العارف لطبيعة كل لون ومعناه ومغزاه، الدارس للعلاقة بين الكتل وكل الأجزاء. القارئ للوحة من الداخل والخارج. الناظر لها أنها مكتفية بذاتها بعيداً عن الفنان؟! كي نجيب على هذا السؤال نحتاج لمتلق واع وجداً وإن وجدوا في السعودية فهم قلة. 

وترى آل عبدالحي أن المشهد الفني التشكيلي في السعودية حاضر وداخل في المشاهد العربية وغيرها من المشاهد، فكلنا كلٌّ واحدٌ لا يتجزأ. وتضيف أن هناك الكثير من المشكلات تعاني منها الحركة الفنية التشكيلية في السعودية، هنا يمكن أن تكتب مجلدات. وأولها عدم وجود أكاديميات ومعاهد تدرس الفن بمفهومه الحقيقي والصحيح داخل المملكة. عدم وجود قاعات عرض مفتوحة للفنان المتمكن والمتوسط والفنان المبتدئ أو الهاوي. عدم وجود استوديوهات رسم مجهزة يمكن استئجارها أو امتلاكها من قبل الفنانين. عدم استقدام فنانين وأكاديميين مختصين لإعطاء دورات في الفن وفي أمور متخصصة تحديداً سواء في الجانب النظري أو الجانب التطبيقي. أغلب الكتب والمراجع إنكليزية بحتة وغير مترجمة إلى العربية، فأين دُور النشر والمترجمين عن هكذا ثقافة واقتناء، وهذا أقل ما يمكن. لا يوجد توعية للمجتمع بأهمية الفنون كالخارج حين تزور متحفاً وترى الأطفال يدربون ويرسمون يفكرون ويتناقشون ويتحدثون وهم براعم منذ طفولتهم عن لغة الفنون البصرية، وفي كل زياراتهم السياحية لا تغفل المتاحف من الزيارة كمتعة أساسية وغيرها. لا توجد ثقافة اقتناء إلا عند ندرة بسيطة تعي قيمة الفن وقيمة اللوحة كملكة مهمة للجدار. 
وتختم سيما آل عبدالحي بأن الحركة النقدية المواكبة لحركة الفن التشكيلي السعودي موجودة ولكنها قليلة، بسيطة أو غير مضاءة. يكتب هؤلاء النقاد عن المعارض حين تقام، ولكن ليست قراءة نقدية نقدية مائة بالمائة. وهناك من يكتب عن تجربة الفنان، ولكن لا ينشرها أو لا يوجد مكان ينشرها وغيرها. إنني آمل أن يكون الفن هو الحياة. أن تغدو هذه اللغة لغة مقروءة ومرئية ومسموعة. أن يتبرمج البشر جميعاً على هذه الأنماط لأنها حياة أخرى بكل المقاييس.