شادي عبدالوهاب يرصد حروب الجيل الخامس ويحللها

الحرب لم تعد في الوقت الراهن مجرد حرب تقليدية واضحة المعالم والأدوات، وإنما باتت خليطاً من توظيف كافة الأدوات المتاحة، التقليدية وغير التقليدية.


الصراعات والحروب الأهلية التي شهدتها المنطقة العربية في أعقاب "الثورات" العربية في عام 2011 هي في جانب منها انعكاس لحروب الجيل الخامس


يجب أن تعمل الدول على تحصين مجتمعاتها من خلال برامج التوعية والرد على الحروب المعلوماتية التي تواجهها ودحض الأخبار الكاذبة

لم تعد الحرب في الوقت الراهن مجرد حرب تقليدية واضحة المعالم والأدوات، وإنما باتت خليطاً من توظيف كافة الأدوات المتاحة، التقليدية وغير التقليدية، بحيث أضحى الملمح والهدف الجوهري هو "التفجير من الداخل" باعتباره الوسيلة الأمثل لهزيمة الخصوم، دون تحمل تكلفة كبيرة، على نحو يحقق نبوءة صن تزو، الجنرال الصيني والخبير العسكري، في كتابه "فن الحرب": "أن تخضع العدو دون قتال هو ذروة المهارة". 
يعد هذا هو جوهر كتاب "حروب الجيل الخامس: أساليب التفجير من الداخل على الساحة الدولية"، لمؤلفه د. شادي عبدالوهاب منصور، رئيس التحرير التنفيذي لدورية اتجاهات الأحداث، والكتاب صادر عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بالتعاون مع دار العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة.
رصد شادي في كتابه وحلل إسهامات المحللين العسكريين والاستراتيجيين لفهم ورصد واستشراف التحولات التي طرأت على أشكال الحروب، من خلال التركيز على مفهوم "حروب الجيل الخامس". ورأى أن حروب الجيل الخامس تعكس تراجع القدرة على التمييز بين ثنائية الحرب والسلام، أو الحروب التقليدية وغير التقليدية، أو الحروب النظامية وغير النظامية، أو الدول والفواعل المسلحة من دون الدول، إذ باتت الدول توظف كل الأدوات والوسائل المتاحة لكسب الحروب ضد خصومها بأقل تكلفة ممكنة. 

لم يعد أمام الدولة من خيار سوى امتلاك أدوات الحروب السيبرانية لتأمين ذاتها ودرء التهديدات التي تواجهها

وأضاف أن الدول أصبحت تتحاشي شن الحرب المباشرة، وتفضل استخدام كافة الوسائل الإكراهية دون إعلان الحرب، مثل الحروب الاقتصادية والسيبرانية والمعلوماتية والبيئية، وحروب الفضاء، علاوة على توظيف "الأسلحة ذاتية التشغيل"؛ ويرى أن القاسم المشترك بين كل هذه الحروب هو "القابلية للإنكار"، أي إمكانية إنكار الدولة التي توظف هذه الأشكال من الحرب صلتها بهذه الأعمال.
وأكد د. شادي أنه في بعض الأحيان، لا تدرك الدولة المستهدفة أنها في حالة حرب، فأحد السمات الأساسية لحروب الجيل الخامس هو تلاشي الحدود بين ما يُعد أرضا للمعركة وما ليس أرضاً لها، وأضحت معامل الأبحاث والبورصات ووسائل الإعلام والمراكز الدينية والمؤسسات الاقتصادية والفضاء الإلكتروني وغيرها، بمنزلة ساحات للمعارك وإدارة الصراعات بين الدول وبضعها البعض.
ولفت إلى أن الصراعات والحروب الأهلية التي شهدتها المنطقة العربية في أعقاب "الثورات" العربية في عام 2011 هي في جانب منها انعكاس لحروب الجيل الخامس، فقد شهدت هذه الدول، التي كانت تتمتع باستقرار نسبي، انهياراً داخلياً بدا وكأنه مفاجئ، وكان القاسم المشترك في أغلب هذه الحالات، اتجاه المجتمعات للنظر إلى حكوماتها بأنها مصدر التهديد، وأن تسعى جاهدة إلى إسقاطها، بصورة تفاوتت بين الإخفاق - كما في الحالة السورية - والنجاح التام - كما في الحالة الليبية. وفي كلا الحالتين كانت النتيجة واحدة، وهي استمرار الاضطراب الداخلي، خاصة في الحالة الليبية، والتي انقسمت بين حكومتين في الشرق والغرب، بالإضافة إلى عدد لانهائي من الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة، التي بسطت سيطرتها بحكم الأمر الواقع على مساحات من أراضي الدولة.
وأكد عبدالوهاب أن أحد أسباب استمرار هذه الحروب، لفترات طويلة هو تورط طيف واسع من الفاعلين فيها، سواء من القوى الإقليمية أو الدولية ذات المصلحة، أو الفواعل المسلحة من دون الدول؛ الأمر الذي زاد من درجة تعقيد هذه الحروب، بالنظر إلى تعدد الفاعلين وتضارب مصالحهم، بالإضافة إلى انعكاسات الاضطرابات الداخلية لهذه الدول على جوارها المباشر، والذي تأثر سلبًا بتدفق اللاجئين أو سعي التنظيمات الإرهابية لاستثمار هذه الفوضى للتمدد في دول أخرى.
وسعى من خلال كتابه إلى توظيف "أجيال الحروب" من الأول إلى الخامس باعتباره تصنيفاً مفيداً لتاريخ الحروب، ويساعد على فهم ماضيها، وعوامل تطورها، في محاولة لفهم أشكال الصراعات التي تشهدها المنطقة العربية والعالم في الوقت الراهن؛ وذلك من خلال الاستفادة من الأدب النظري حول حروب الجيل الخامس، والذي يعد مفهوماً حديثاً نسبياً، بحيث يمكن القول إن إرهاصات هذا الجيل الخامس قد بدأت في الممارسة والتشكل خلال العقد الأخير على وجه خاص، وأن هناك جهوداً أكاديمية ونظرية مستمرة تصبو إلى تقديم نظرية متكاملة حول هذا الجيل الجديد من الحروب، والذي يحمل شعاراً أساسياً هو "التفجير من الداخل".
وخلص المؤلف إلى أن هناك عددا من الاتجاهات المستقبلية التي يتوقع أن تشهدها الحروب، ومن أبرزها ما يلي: أولا استمرار تراجع الحروب التقليدية بين الدول: تتراجع احتمالية نشوب حروب مباشرة بين الدول، خاصة القوى الكبرى في النظام الدولي، أو القوى الإقليمية الرئيسية، نظرا لتكلفتها المادية المرتفعة، ووجود بدائل أخرى أقل تكلفة مثل الاعتماد على الوكلاء المسلحين أو توظيف المجالات الجديدة من الحروب والتي أقل كلفة، وأكثر صعوبة في تحديد هوية القائمين عليها، كما في الحروب السيبرانية، وحروب الذكاء الاصطناعي.  

Wars of the fifth generation
د. شادي عبدالوهاب

ثانيا: تنامي قدرات الفواعل المسلحة من دون الدول: باتت المليشيات المسلحة في العديد من مناطق الصراعات أشبه بجيوش، سواء من حيث بنيتها التنظيمية أو في كيفية وضع خططها العسكرية، أو حتى على مستوى الأسلحة المستخدمة، مثل الصواريخ الباليستية والأسلحة ذاتية التشغيل، وهو الأمر الذي يفرض تهديدا على الجيوش الوطنية في الدول التي تحتضن هذه الميليشيات.
ثالثا: تصاعد الصراع بين الدول في بعض مجالات الحروب: تمثل الحروب السيبرانية والمعلوماتية والأسلحة ذاتية التشغيل، أبرز المجالات التي تشهد توظيفا واسعا في التفاعلات العدائية بين الدول، خاصة القوى الكبرى والإقليمية، وتعتبر الحروب السيبرانية تحديدا أكثر هذه الساحات اشتعلا وأكثرها كارثية، خاصة مع نجاح الدول في اختراق البنية التحتية الحيوية للدول، مثل محطات الكهرباء والمحطات النووية فضلا عن إمكانية قيام عدد محدود من الأفراد بشجن هجمات سيبرانية تقارب في تعقيدها تلك التي تشنها الدولة.
رابعا: استهداف المجتمعات: يتوقع أن تستمر الجهود الرامية إلى محاولة اختراق المجتمعات، وإثارة الاحتقان الطائفي والإثني، ويساعد على ذلك المحاولات الدؤوب لاختراق الدولة الوطنية تحت عناوين أيديولوجية ودينية وغيرها. 
وأوضح أنه نظرا لتصاعد التحديات الأمنية التي تواجه الدولة، داخليا وخارجيا، تزداد كذلك التكلفة التي تكبدها الدولة لتأمين نفسها وحماية مواطنيها، خاصة مواجهة التحالفات المعادية وتعدد أطرافها وتوظيفهم لأشكال متعددة من الحروب، فضلا عن بروز مجالات جديدة من الحروب التي تتطلب من الدول جهودا إضافة لمواجهتها، مثل الحروب السيبرانية وحروب الفضاء والأسلحة ذاتية التشغيل وغيرها. ولذا لم يعد أمام الدولة من خيار سوى امتلاك أدوات الحروب السيبرانية لتأمين ذاتها ودرء التهديدات التي تواجهها في هذا الاطار. من خلال تطوير الفواعل المسلحة من دون الدول، كالميليشيات المسلحة والجماعات الارهابية وتوفير الدرونز المخصصة للأغراض التجارية والتي يمكن بسهولة إعادة توظيفها في إشاعة الفوضى والاضطرابات. ومن جهة ثانية يجب أن تعمل الدول على تحصين مجتمعاتها من خلال برامج التوعية والرد على الحروب المعلوماتية التي تواجهها ودحض الأخبار الكاذبة، علاوة على ضرورة الاستثمار في تكنولوجيا الرقابة والرصد، لتأمين المجتمعات من المحاولات الخارجية لاختراقه، وإثارة الاضطرات المجتمعية.
وانتهى د. شادي إلى أن كل الجهود السابقة تحتاج إلى تبني الدولة لخطط اقتصادية تسعى إلى تحقيق النمو الاقتصادي ومعالجة أوجه الخلل في بنية المجتمع ومواجهة ظواهر مثل عدم المساواة والبطالة وغيرها، حتى تحافظ على شرعيتها أمام مواطنيها، وتدرأ كل المحاولات الخارجية لاختراق بنية المجتمع أو استهدافه.