شاعر ليبي: أتوقع ظهور جيل الفبرايريين الأدبي

كتب ـ محمد الأصفر
الإبداع في طرابلس يتحرر من قامعيه

ستة شهور والإبداع الليبي يمشي أعرج. تنقصه مشاركة المبدعين في المدن التي يسيطر عليها العقيد القذافي وخاصة طرابلس، حيث تتركز معظم الأسماء الإبداعية المهمة من مختلف الأجيال. قلة منهم اخترقوا حصار النظام لهم وغادروا إلى تونس ومنها إلى بنغازي أو مصراتة أو القاهرة مثل الروائي أحمد إبراهيم الفقيه والكاتب محمد المغبوب والأنطلوجي عبدالله مليطان والصحفي الهادي القرقوطي والفنان التشكيلي علي العباني وغيرهم حتى ننصف من نسيناه أو لا نعلم بسفره، ومنهم من فضل البقاء قريبا في تونس كالصحفي جلال عثمان والكاتبة رزان نعيم المغربي والكاتب بشير زعبية وغيرهم، ومنهم من فضل البقاء في طرابلس والاختفاء عن الأنظار مشاركا في الثورة بطريقته الخاصة سواء بالمشاركة في العمليات مع ثوار طرابلس أو بالصمت والسلبية تجاه مناشط النظام المقامة لنصرته ودعمه كالشعراء خالد درويش وحسام الوحيشي وعبدالرزاق الماعزي وغيرهم من الأصدقاء الذين نعرف بقلوبنا ومن خلال كتاباتهم السابقة أنهم مع الحرية ومع الثورة ومع الحب.

ستة شهور والإبداع الليبي يمشي أعرج. لكن بعد انتهاء يوم عشرين أغسطس/آب وتحرر طرابلس وعودة خدمة الانترنت حيث حررها الثوار من جماعة الجيش الالكتروني ومن القراصنة الذين شغلهم على رأس منظومتها نظام القذافي، ها هو يحبو ثم يحجل ثم يركض سريعا لتطل علينا عبر الفيس بوك أسماء من طرابلس كم أحببناها وتفاعلنا معها وتشاركنا معها الحلوة والمرة.

أول حوار يحدث بيننا هو أن نطمئن على أنه لا يزال حيا ونسأله عن الأسرة والأصدقاء ثم نسأله على الإبداع. يقول لي الشاعر الشاب رامز النويصري المنتمي إلى جيل التسعينيين: الحمد لله. لقد تحررنا أخيرا. فأسأله عن الإبداع، هل توقف عن كتابة الشعر طيلة الستة شهور الماضية وهو المشهور بغزارة الإنتاج. أتركه ينقر على لوحة المفاتيح العطشى لأنامله وأتابع قراءة ما يكتب: أنت تعرف أن المبدع لا يمكنه العيش في عزلة، فالإبداع حالة تتحقق في الآخر، اعترافاً به، ومنحه بطاقة المرور للحياة، وإلا ما فائدة مبدع يكنز إبداعه. خلال الأشهر الستة الماضية فرضت على المبدع الليبي عزلة قهرية، والمنفذ الوحيد للتعبير والخروج عن العزلة هو التطبيل للنظام، والسير في ركبه. هذه الموجة ركبها الكثير من أشباه الكتاب، وإن كان منهم أسماء مهمة في المشهد الثقافي الليبي، وصرنا في كل يوم نكتشف مثقفاً جديداً، وكاتباً جديداً، ومحللاً جديدا يكون قد انضم لركب العداء للحرية ولثوار ليبيا الشباب الذين واجهوا الرصاص بصدورهم.

لا يوجد إلا خيار واحد للتعبير عن إحساسك تجاه الأحداث وهو التطبيل للنظام من يتحدث بغير ذلك، يكون نصيبه الاعتقال، وهذا ما حدث مع الكثير. كثير من الأصدقاء الكتاب هم رهن الاعتقال ومنهم من لا نعلم بمصيره حتى الآن. بعضهم حررهم الثوار والبعض الآخر أفرج عنه النظام قبل أيام من يوم 20 لغرض ما. لكن والحمد لله لم ننجر وصمدنا ولو بصمتنا وبنأينا عن مؤسسات الثقافة والإعلام وتشبثنا بالأمل والثقة في هذه الثورة التي ولدت من رحم القهر والخوف، ثورة 17 فبراير، هذا الأمل الذي يؤمن به الشعراء هو ما دعم موقفنا، وجمَّل صبرنا انتظارا لفجر الحرية. فكنا نكتب في صمت.

عن نفسي كتبت خلال هذه الفترة مجموعة من النصوص الشعرية والمقالات، وكنت أقوم بإخفائها في ذاكرة خارجية، أقوم بإخفائها، كما كنت أقوم بإخفاء جهاز الكمبيوتر المحمول والمكتبي أيضا، أترك لهم على الطاولة كمبيوتر ابني الصغير الذي يحتوي على ألعاب وآيات قرآنية، ومسلسلات رسوم متحركة ، كنت أخفي جهاز اللاب توب حال وصول معلومة بوجود مجموعات الحرس الشعبي تقوم بأعمال التفتيش.

واسمح لي بذكر هذه القصة: في المنطقة التي بها منزل عائلتي (منطقة بن عاشور)، اضطرت أختي الصغرى لإخفاء حاسوبها بالفرن خوفاً من مصادرته، والحمد لله أن هذا الحرس قد شبعه النظام الديكتاتوري وعلفه جيدا فلم يبحث عن أي خبز في الفرن ليلتهمه.

• وهل الحواسيب والهواتف النقالة تتم مصادرتها فور رؤيتهم لها؟

ـ نعم الحواسيب والأجهزة النقالة تصادر فورا من أجل تفتيشها على الراحة، أنا صودرت مني ذاكرة هاتف عند أحد البوابات.

• وكيف لم تتصلوا بنا هاتفيا على الأقل لنطمئنوا عليكم؟

ـ يا أخي الاتصالات الهاتفية من أخطر الأمور التي نحذرها. كانت الهواتف مراقبة بشكل مكثف، وهناك من قُبض عليه بسبب حديث هاتفي. واستطاع النظام من خلال أزلامه وأعوانه بث الخوف بيننا، إلى حد فقد الثقة بين الأصدقاء والجيران، فلا يمكنك مثلا رفع صوت جهاز التلفزيون للاستماع لنشرة الأخبار، خاصة لو كانت النشرة لقناة "الجزيرة" فسماعك لنشرة الجزيرة سبب كاف لاعتقالك، وصدقني كنت قبل النوم، اضبط جهاز الاستقبال على إذاعة النظام (القنفود)، خوفاً من أي مفاجأة أو مداهمة عند الفجر.

• أنت مهندس إلكتروني ولديك موقع ثقافي مهم اسمه "بلد الطيوب" يعني بالثقافة الليبية ألم تفكر في استخدام شبكة النت بطريقة أو بأخرى ولو عبر القرصنة؟

ـ يا صديقي هذا الأمر غير ممكن إطلاقا. الاتصال بشبكة النت كان معدوماً، وحدهم أفراد الجيش الإلكتروني من بإمكانهم الدخول، وهم مجموعة من الشباب مهمتهم الدعاية للنظام في صفحات التواصل الاجتماعي، وتتبع شباب ثورة 17 فبراير، وأيضا اختراق حساباتهم. ولقد استخدموا هاكرز لذلك. ولقد دعيت بطريقة ما للمشاركة في هذا الجيش لكني تهربت.

• حسنا وهل من تواصل بين المثقفين الليبيين في المقاهي، في الشارع، في المكتبات وأكشاك الجرائد مثلا؟

ـ التواصل بين المثقفين كان في أضيق حدود. خوفا من توريط أحدهم بمداخلة إذاعية يكون فيها مجبراً على النفاق.

• الآن وبعد هذا الحدث الكبير المتمثل في ثورة 17 فبراير وانتصارها باختفاء القذافي وتحرير طرابلس وبعد النصر النهائي واستقرار الوضع هل تتوقع أن يظهر جيل من الكتاب الجدد نطلق عليه جيل الفبرايريين على غرار جيلك التسعينيين؟

ـ هذا متوقع، فالأحداث العظيمة تنتج كتابها ومبدعيها الذين هم لسان الثورة ورؤاها.

• كيف تتوقع أن تكون ملامحه في الكتابة؟

ـ أتوقعه أدباً يتجاوز التمحور حول الذات في البحث عن أبعاد مستقبلية جديدة، كسؤال الديمقراطية.

• حسب ما شاهدت من إعلام الثوار من فضائيات وصحف ونشاطات في الفيس بوك كيف ترى هذا العطاء ومستواه الفني قياسا بالتجارب التي سبقتنا؟

ـ عطاء هائل وجميل وبه إبداع يستحق الاحترام، وهذا يؤكد كم كانت قدراتنا مغيبة ومسخرة من أجل خدمة نظام الطاغية فقط.

• وأنت ترى علم الاستقلال وقد ارتفع على أكثر من معلم خاصة ميدان الشهداء والقلعة التركية وباب العزيزية هل هناك بصفتك كشاعر جمالية رصدتها العين وأثرت المشهد العام، وأثرت فيك أنت بالذات؟

ـ نعم أثرت في لحظة دخول الثوار باب العزيزية، صرخت عاليا أنا الشاعر الهامس: لقد عادت ليبيا لنا، عادت لأهلها.

• كيف هي حالة أهل طرابلس قبل أن تتحرر وبعد أن تحررت. أقصد حالة وجوههم ملامحهم؟

ـ صدقني ولا أدي أو أزايد، ثمة فرحة على وجوه أهل طرابلس جميعا، فرحة لا يمكن لعين أن تخطأها، لقد تحولت وجوه الطرابلسية إلى وجوه مرحة مبتسمة متفائلة بعد ان كانت وجوههم كئيبة حزينة.