شطب الشرطة الدينية في السعودية

بقلم: محمد الشيوخ

طالب كثيرون وفي مناسبات مختلفة بإلغاء الشرطة الدينية في السعودية. وأضعافهم من المهتمين بالشأن العام السعودي بح صوتهم جراء كثرة مطالبتهم السلطات العليا في البلاد، بغية ترشيد سلوك أعضاء هذا الجهاز والحد من تصرفاتهم وتقليص صلاحياتهم، كحد ادني من الإجراءات اللازمة، إن لم يتم شطب الجهاز بالكامل، وذلك بسبب مشكلاته المتكررة وتجاوزته الكثيرة، ولكن أياً من تلك المطالبات والمناشدات لم يتحقق بعد!
لو يستفتى الشعب السعودي في أمر هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاني لا أستبعد بأن غالبية أصوات المواطنين ستصب في اتجاه شطبها وعدد قليل من المواطنين ستكون مواقفهم على الحياد إما لعدم اهتمامهم بالشأن العام أو لقلة اطلاعهم على مساوئ الهيئة ومخاطر استمرارها على هذا النحو داخليا وخارجيا، والنسبة الضئيلة جدا من السكان سيدعمون بقاء هذا الجهاز لغايات ومآرب غالب الظن أنها خاصة وضيقة أيضا سنلمح إلى بعض منها في ثنايا السطور القادمة.
مؤشرات السخط الداخلي على هذا الجهاز كثيرة، من بينها وربما أهمها، الاستياء العام والتململ الشعبي الواسع من تصرفاته. هذا السخط يتمظهر أحيانا في صورة اشتباكات وصدامات مع أعضاء الهيئة بسبب استفزازاتهم الدائمة، كما هو حال الاحتجاجات الشعبية الواسعة المرتبطة بأحداث المدينة المنورة، أو في شكل "ملاسنات" ومشادات يومية في الساحات العامة، يضاف إلى ذلك العديد من المقالات والتصريحات والبيانات الاحتجاجية على سلوك الهيئة والصادر بعضها من صناع رأي في المجتمع السعودي و من بينهم مسئولين رسميين في الدولة.
هذا طبعا فضلا عن السيل الجارف من شكاوى المواطنين المتضررين بشكل مباشر من ممارسات الشرطة الدينية، التي قدمت للجهات المعنية لإيجاد حلول عاجلة لمشكلاتها المزمنة.
وقد بات واضحا للجميع أن مطالب أغلب المواطنين السعوديين، حيال الشرطة الدينية، تتراوح بين الإلغاء أو الترشيد، وأن نسبة مؤيدي المطلب الأول، بحسب تقديرنا، هي النسبة الأكبر من بين المواطنين، وإن لم يتم التعبير عن هذا المطلب إلا على فترات متقطعة ومن أطراف قليلة وضمن أحداث محددة. في المجل أن هذا الاستياء يشكل انطباعا عاما لكل المراقبين مفاده:أن صبر المواطنين حيال الشرطة الدينية آخذ في النفاذ، وإذا لم يحدث حل على هذا الصعيد سيتنامى الشد بين أعضاء الهيئة والمواطنين لأسباب مختلفة ومن غير المستبعد أن تطور ويحدث ما لا يحمد عقباه في قادم الأيام.
إذا كان الحال كذلك، أذن ما هو تفسير بقاء هذا الجهاز دون أدنى تغيير جوهري يذكر مع كل هذا السخط الشعبي الواسع وكل هذه الدعوات والمناشدات والانتقادات المتزايدة؟!
يظهر أن العيب لا يكمن في قلة المناشدات أو ضعف ردة فعل الشارع تجاه بعض تصرفات الشرطة الدينية في البلاد، وإن كان هنا فيه بعض التفصيل، ولكن العيب بل كل العيب، يكمن في الأطراف المستنفعة من هذا الجهاز والتي لا ترغب أصلا في إحداث أي تغييرات جوهرية تمس ببنيته. وبمعنى أكثر دقة أن هنالك عشرات المسوغات القانونية والمنطقية والاجتماعية والسياسية والأمنية والدينية أيضا تدفع باتجاه إحداث تغييرات جوهرية وكبرى في بنية هذا الجهاز، ولكن أي إجراء من هذا النوع لن يحدث لأنه يتعارض مع مصالح تلك الجهات والأطراف النافذة والمستنفعة من بقاء هذا الجهاز.
بيد أن هذه الجهات لازالت ترى في أداء هذا الجهاز، وبهذه الكيفية يلبي الكثير من المآرب الخاصة لها، وعليه فأن أي محاولة مس بهذا الجهاز هي مساس مباشر بمصالحها. وهذا هو السبب الجوهري تحديدا في كل القصة!.
ولمزيد من التفصيل أكثر يجدر التنويه إلى أمرين هامين: أولاهما، إن كل المسوغات والمبررات العقلية والقانونية الداخلية والخارجية، كما أسلفنا، تنزع باتجاه شطب هذه الهيئة لا باتجاه ترشيد سلوك رجالاتها فحسب، وذلك لأن المنظومة الفكرية، الأخلاقية، الدينية لرجالاتها والمنتسبين إليها لا تقبل أي شكل من أشكال الترشيد، وإن أي محاولة في هذا الاتجاه من أي طرف يعني مطالبة المنتسبين لهذا الجهاز بالانتحار أو الانقلاب على ثوابتهم الدينية والأخلاقية في أحسن الأحوال. وهذا لعمري لن ولم يحدث أبدا، خصوصا وفق ما هو قائم من معطيات.

والحقيقة التي ينبغي أن تقال هنا بوضوح هي: أن أعضاء الشرطة الدينية لا زالوا يعتقدون بأن ما يمارسونه من سلوك في تهذيب سلوك وأخلاق الناس والحفاظ على سلامة دينهم وصحة معتقداتهم، وفق السلوك المتبع، هو سلوك نبوي صحيح وسوي ولا تشوبه أي شائبة، وبالتالي لا داعي أصلا للحديث عن ترشيده فضلا عن الكف عنه، بل أن كل دعوة تنزع بهذا الاتجاه هي دعوة صريحة ضد الدين وتعد سافر على ثوابته الحقة!
وغاية من يريد أن يحدث تغييرا ما في سلوك هذا الجهاز، مهما بلغت مكانته الرسمية، فما عليه إلا أن يدعوا رجالات الهيئة "لتجميل" أو "مكيجة" سلوكم ليس إلا. وللوصول لهذه الغاية يلزم التوسل إلى أعضاء الشرطة الدينية عبر "مراشاتهم" على حد تعبير البعض، علهم يحدثون تغيرا شكليا بعض الشيء على تصرفاتهم ومواقفهم، وبشكل مؤقت وتجاه قضايا محددة أيضا.
مثال ذلك ما نقلته صحيفة الجزيرة الاثنين الماضي من تصريح للأمير متعب الذي دعا مواطنيه للتعاون مع رجال الحرس الوطني وأعضاء الهيئة في تنظيم الزيارات العائلية والالتزام بالنظام والانضباط داخل المهرجان قبل إقامته! واضح أن الدعوة ليست موجهة للمواطنين ورجال الحرس الوطني بقدر ما هي موجهة لأعضاء الهيئة وأمثالهم تحديدا لأن الخشية منهم في تخريب مثل هذه الفعاليات لا من غيرهم!
ولا يختلف الحال كثيرا عما فعله رئيس الهيئة الجديد، الشيخ الحمين، الذي ترأس سلسلة من الاجتماعات مع مديري فروع الهيئة وصفت "بالسرية"، بغرض دعوتهم لضبط أفرادهم في13فبراير/شباط،. وهو موعد إقامة مهرجان الجنادرية، وذلك خشية المزيد من الفضائح والمناوشات.علما بان جهود رئيس الهيئة الجديد في هذا السياق لازالت موضع ترقب لدى البعض وموضع خشية وريبة وقلق لآخرين!
وضمن ذات السياق أيضا، بحسب المتحدث الرسمي للرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحمد الجردان، فإن الاجتماعات التي تمت على مدار الأيام الماضية كانت مغلقة حرصاً على مزيد من الطرح والشفافية وسعياً للوصول إلى النتائج المرجوة"!. ويقصد بالنتائج المرجوة هنا محاولة ضبط أعضاء الشرطة الدينية (المطاوعة) لتحقيق أداء ميداني أفضل وخلق المزيد من التفاهم والمرونة مع المواطن والمقيم!
تأسيسا على كل ما سبق، يمكن القول: بان محاولة ترشيد سلوك الشرطة الدينية عبر تغييرات شكلية وبحسب تجارب سابقة، باتت غير مجدية لان "القاع من ساسه خربان" بحسب تعبير إخواننا العراقيين. وفي المقابل أن استمرار هذا الجهاز على هذا النحو يعني زيادة عناء المواطنين والاحراجات للدولة أكثر مما عليه الآن. ولا أظن إننا بحاجة للتذكير هنا بمساوئ هذا الجهاز على طول تاريخه والذي لم تعد أضرره محصورة في الداخل فحسب، وإنما أضحت أخطاره عابرة للقارات، بل لا نبالغ إذا قلنا بأنه تحول إلى عنصر توتير وتأزيم دائم محليا ودوليا بسبب تجاوزات منتسبيه.
مضافا لما سيق أظن هنالك أسباب أمنية ودواعي سياسية ودينية داخلية على الأقل تعزز بقاء هذا الجهاز وديمومته على هذا النحو. قسم منها مرتبط بتوزيع وتوازن القوى، والقسم الأخر ينطلق من خلفية أن حفظ الأمن والاستقرار وصلاح الناس في هذه البلاد لا يأتي إلا عبر إعطاء صلاحيات واسعة للسلطة الدينية، وإن كان ذلك مدعاة لدس أنفها في مختلف شؤون الناس الخاصة والعامة.
ربما من هنا يمكن أن نفهم لماذا ينزعج البعض حيال أي دعوة من شأنها المساس ببنية هذا الجهاز، كما نتفهم أيضا لماذا لا يخضع أفراد الهيئة للمحاسبة رغم كثرة التجاوزات!
حيال هذا الجهاز، يظهر أن المجتمع السعودي أمامه خياران لا ثالث معهما. الأول، الاستمرار في المطالبة وبإلحاح شديد بإلغائه وليس بترشيده. والثاني، أن يسعى المتضررون لتوثيق جرائمه وانتهاكاته طالما هو مستمر بهذه الكيفية، وذلك لملاحقة المتجاوزين منه حقوقيا وقانونيا وقضائيا. مع ذلك كله، لا أخفي خشيتي من أن يعترض معترضا بالقول: أن المملكة بلا شرطة المطاوعة يعني اضمحلال الدين الإسلامي وشيوع الفساد الأخلاقي في المجتمع السعودي! محمد الشيوخ
باحث سعودي M_shayook@hotmail.com