شعب الله الشيعي المختار: مرجعية الأعيان ومرجعية المعدان

بقلم: عدنان طعمة الشطري

السور النجفي، سور من عدة أسوار، ونوع من أنواع التضاد السوري (بتشديد السين) ضد غزوات استعمارية وطائفية استضرت شرا بقدسية المدينة النجفية واستنهضت بنى ارتكازية عمرانية على طراز الأسوار القديمة لصد كواسر السباع المحتلين.

هذا السور بأبوابه الأربعة، باب الحويش – باب الثلمة – الباب الصغير والباب الكبير قد انتقل من رمزيته المقاومة الى "رمزيته المتعسفة" وعسف رمزيته الدالة على عنصرية العقل الفوقي والعقل الاستبدادي في ذات الدائرة الدينية والمذهبية.

معلم السور التاريخي وعجائبيته المنظرية للرائي إليه من مكان مرتفع يلمحه على هيئة أسد ضار رابض يطوق خندق لتحقيق وظيفة دفاعية مقدسة كسور الصين العظيم، وسور هادريان الروماني، واسوار بابل في بلاد مابين النهرين القديمة واسوار "ستون" الكرواتية او أسوار طروادة الذي ذاع صيتها في قصيدة ملحمة هوميروس وغيرها من الأسوار التي شكلت معالم تاريخية ورمزية في تاريخ العالم الاسواري، إلا إن سور النجف، الصغير نسبيا، قد طوح به العقل المرجعي العنصري إلى إيقونة للنجفي النقي والنجفي الأصلي و"النجفي الفوقي" والنجفي المقدس الذي لا ينجس نظره وبصره بمعدان ممن يعيشون خارج هذا السور، إيقونة التمايز العنصري بين ابناء الجلدة الواحدة.

ثقافة السور المحلقة في أبراج العنصرية العاجية تعد كل من يعيش داخل "السور العنصري" نجفي ابن نجفي، وعنصر نجفي فضائي فوق العادة وفريد الطعم واللون والرائحة ونوع بشري ذكي ولبيب ويمتاز بقدرات عقلية مذهلة، مقارنة بمن من كان خارج السور الصغير، فهو ليس نجفيا ولا ينتمي الى "النوع النجفي المقدس" حتى لو كان على بعد عشرة امتار عن جدار السور العنصري.

الشيخ فاضل المالكي، وهو شخصية علمائية معتبرة، وعقلية مرجعية ناضجة، ونابغ في "نظرية المعرفة" الاسلامية، شكا له مواطن من "أبناء الخايبة" من مجموعة علمائية حوزوية استبدت بها الأنا النجفية العليا، فرد عليه الشيخ المالكي قائلا: أنا يطلقون علي "ابن النخلة"؛ أي قروي، عشائري، معيدي، ومن أبناء الهامش المعيداوي المريض.

"ابن النخلة" هذا أضل سبيلا في وجوده الحوزوي في حطام الدنيا هذه التي عاشاها لانه من طويرج البابلية، ومن ارض ليس ذي زرع السور الخارق للعادة الاجتماعية المألوفة، فتربصت به دوائر الذات النجفية المقدسة، وزجرته ثقافة السور العظيم، فأخذته على الشبهات، وأسقطته في لجة المتاهات، ونسبت أليه كل منقصة وسوءة.

معمم وسطي مثل سيد "عمار كلنتر"، وهو نجفي من سور الفصل العنصري، تزوج ابنة الشيخ محمد باقر الناصري، فطارده حرس السور القديم بالأقاويل والشبهات والترهات، وصنعوا له تسمية تعكس ثقافة أبناء السور وراحوا يطلقون عليه بأنه متزوج من "بنت المعيدي" و"بنت القروي" وبنت ولي من أولياء "الجنوب المعيدي" والجنوب المتخلف، بالرغم وكما تقول الحقيقة الماثلة للعيان، إن الشيخ الناصري من تلاميذ السيد الشهيد محمد باقر الصدر ومجتهد في دائرته الدينية والمذهبية.

الشيخ عبدالحليم الغزي، من الشخصيات العراقية المعارضة للنظام السابق، ومكافح شطري مفكر باتجاهاته المذهبية وروحيته الجنوبية الشفافة، زج به في غياهب السجون وظلمات العزلة القسرية، ورسمت على جسمه النحيل علامات التعذيب القاسية لأنه تجاوز الخطوط الحمر للثقافة السورية المحصنة، لنبوغه العلمي المبكر، وعلا شانه وذاع صيته واتسعت مساحته التأثيرية في الأوساط الاجتماعية العراقية في قم الإيرانية، من خلال طروحاته الجديدة وتجديد الفكر بعيدا عن مناهج الحوزة القديمة ورصده للوعي الشيعي بذهنيته النقدية الحاذقة، فانزعجت الحوزة النجفية السورية أيما انزعاج والخشية أن يتحول الشيخ الغزي إلى "معلم مرجعي" ويخترق شطري "السور العظيم" بمرجعية "جنوب الله" التي تحرر الإنسان الشيعي من جلادي جدار السور العنصري.

التقى شخصا من كوادر المجلس الأعلى للثورة الإسلامية آنذاك في أيام المعارضة العراقية بالسيد "صدر الدين القبنجي" وطرح على طاولته تساؤل عن سر الخلاف بينك وبين الشيخ الغزي فرد عليه بعسف القول وعنصرية الرأي واستبدادية العصبية المناطقية بأنه ليس ثمة خلاف مع "الغزي" إلا بواحدة تعد سيدة الخطوط الحمراء، فهو من الناصرية، ومن الشطرة، ومن المستحيل أن شخصا مهما كانت هويته الشيعية المحلية أن يقفز فوق النجف، خاتما رده بالقول "خلي يسولفه على روحه ".

وباجتماع عناصر النزعة العنصرية المناطقية فان "الشيخ الغزي" قد احتبست عنده الرؤيا وضاق ذرعا بنفسه والاخر المضاد في وراء قضبان سجنه الانفرادي وعذب ونفي، لان نبوغه العلمي ليس مع الحوزة التقليدية النجفية التي يعدوها منظمة حوزوية مغلقة ذات مراجع خاصة وعلاقات ترابطية سرية، فزعماء الحوزة العراقية كما يسموهم في مدينة قم، هم: السيد كاظم الحائري، الشيخ حسن الجواهري، الشيخ آل راضي والشيخ الارواني، وهؤلاء الأربعة النجفيون، هم سدنة المرجعية المطلقة وبابوات الحرم الحوزوي لثقافة السور النجفية وأحبار البلاط الشيعي الوعظي والفقهي، والويل والثبور لمن يتجاوز وعاظ سلاطين الشيعة، علميا وفكريا في إطار الحوزة الشيعية كما حصل للشيخ الغزي الذي اجتذب قلوبا شيعية نحو ثقافة مناهضة لـ "ثقافة السور" التقليدية.

إضافة إلى إن "الشيخ الغزي" يعد معارضا للمعارضة العراقية في إيران، لان شتات هذه المعارضة قد تخلى عن مسؤوليته الأخلاقية والمقاومية والوطنية، واستغرقت في ملذاتها الشخصية والجهوية في قصور الملذات وآفاق السفر والتنعم في دول العالم المختلفة، تاركة العراقيون يعيشون تحت خط الفقر المدقع في حدائق قم وعلى أرصفة إيران المختلفة.

حسين خضير الطالب الحوزوي الذي يتردد على "الشيخ الغزي"، وكان يدرس في مدرسة الإمام الهادي التابعة إلى الحوزة العراقية، وكانت الأخيرة على علم ومعرفة وإطلاع بعلاقته وصلته مع "الشيخ الغزي"، وفجأة باغته الشيخ كاظم الجواهري، احد الأعمدة الأربعة للحوزة العراقية، بالقول "بعدك على ظلالك القديم" فرد عليه " حسين خضير: وماذا تقصد "بعبارة: على ظلالك القديم"، فقال الشيخ الجواهري قاصدا الشيخ الغزي: لا تعتقد إن معيدي من الناصرية يصير مرجع. هاي شيلها من بالك.

وفي نهاية التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية الإيرانية وفحص التسجيلات الصوتية لمحاضرات "الشيخ الغزي" تأكدت لهذه الأجهزة مظلوميته وعدم صحة التهمة الموجهة إليه بعدم الاعتراف بولاية الفقيه، بل تأكد لهم بأنه يدعو لولاية الفقيه المطلقة، ويوجه الجمهور الشيعي إلى مرجعية السيد الخميني والسيد الخامنئي.

بل الأكثر من ذلك، وجدت الأجهزة الإيرانية في بيت "الغزي" رسالة من الشيخ الغزي إلى السيد الخامنئي حول رأيه "بالشهادة الثالثة المقدسة" وجواب السيد الخامنئي على هذه الرسالة ممهورة بختمه الخاص.

الغيوم السوداء الكثيفة التي تلبدت في سماء "الشيخ الغزي" وسجنه ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة وإيصاد حسينيته الحوزوية المغايرة ونفيه خارج إيران إلى بريطانيا التي غربت عنها الشمس، كان بسبب انه من الجنوب الأسمر ومن ارض الله الملحاء.. من ذي قار، ومن منطقة "الحاوي" القديم في مدينة الشطرة، وابن لعائلة شطرية ملتزمة.

وفي ظل الأيام العاصفة التي شهدتها مرجعية الشهيد محمد صادق الصدر قفزت على سطح الحدث الحوزوي في النجف الاشرف وسائر مناطق شيعة العراق تسميتان صاغتا في أفق السور الحوزوي النجفي العتيد وهما "مرجعية الأعيان" و"مرجعية المعدان" والتعاطي مع مرجعية الفقراء بعقلية فوقية عنصرية.

والفترة الكئيبة الراهنة التي نعيشها حاليا ونرزح في أجواء طبقة عمائمية متخلفة، طبقة "الارتزاق العمائمي" يعيد زمن السور العنصري النجفي نفسه ويرفع عقيرته المتسلطة وعنصريته المستبدة وقدرتها الاستكبارية الفائقة بمحاصرة الصرخي ومرجعيته الجنوبية وتعرضه لشتى أشكال التسقيط الاجتماعي وقذفه بالتهم الجزافية الباطلة، واعتباره من مجتهدي الخرافة ومعممي الأسطورة وسقط المتاع من معممي الارتزاق، فزج بعناصره في ظلمات السجون وهدم جامع محمد باقر الصدر في الناصرية وحرق مكتب الصرخي في الرفاعي.

وعراق ما بعد الطاغية صدام حسين، قد شهد ترسيخ النظام الطبقي في السلطة الحوزوية وتجسيد مظاهر الذيلية والتبعية المطلقة وإنتاج زوائد حكومية وسياسية ووظيفية لـ "عبدالسادة" (أي زوادة لعبدالسادة) سادة السور النجف العنصري، وبنظرة حسابية قصيرة لأسماء الساسة الجنوبيين فان عادل عبدالمهدي من الشطرة.. موفق الربيعي من الشطرة.. شيخ جلال الدين الصغير من اهوار ذي قار..حسن السنيد من سوق الشيوخ.. شروان الوائلي من الناصرية.. صادق الركابي من الرفاعي.. ابو مجاهد مدير مكتب رئيس الوزراء من الرفاعي.. طارق السعداوي من ناحية الغراف.. باسم العوادي من الشطرة.. عادل فهد شرشاب من الناصرية.. طالب الحسن من الفهود وسواهم وهم كثر من أبناء "الجنوب الأغر" لم يقفزوا إلى خشبة المسؤولية السياسية إلا بعد أن عرضوا ذواتهم كزائدة بشرية ذيلية، تقدم جميع فروض الولاء لسدنة جدار السور العنصري (هاي زوادة لعبدالسادة).

زوائد عبدالسادة التي أنتجتهم "ديمقراطية" محمولة على "الاباتشي" واتفاقات السرقة الفسادية والنهب المنظم للثروات، ارتضوا ان يتصدوا للمشهد الدرامي الهزيل كسلالة مطبلة لكل أدوات التهميش والإقصاء والتفقير التي يرسف في أغلالها الجنوب وأبناء الوطن الفقير.

بل التمايز الفوقي اخذ منحى كارثيا في "ثقافة السور" المحصنة، فابن السور النجفي الذي يروي لخاصته وعامته بأنه التقى "المهدي المنتظر" يعد في ثقافتهم العنصرية بانه ثمرة مباركة من ثمار المجتمع السوري النقي، شعب الله الشيعي المختار في سور النجف المقدس، أما إذا تجرأ ابن الجنوب الأسمر، و"ابن الخايبة" الملحاء واعلن انه لمح "المهدي المنتظر" في رؤية حلمية وخلال استغراقه بنومة إيمانية هادئة، فان ثقافة السور العنصرية وحيتان التعظيم التقديسي، له بالمرصاد ومحاولة إظهاره للملأ على انه مجنون ومختل عقليا وأحمق بالخلق والخلقة والطباع، والإفتاء بعدم الاقتراب الى النكرات وسقط المتاع الذين يروجون لهذه الخزعبلات والخرافات التي يؤمن بها "المعيدي" وترهة من ترهاته الانحرافية، "فالمهدي المنتظر" زياراته وبركاته وزياراته حصرية ومخصصة "للنجفي النقي" و"النجفي الفوقي" و"النجفي الفضائي" الذي هو فوق الجميع.

"التشيع الجنوبي" طفقت تنمو في اتجاهات عقله العام بوادر حركة نقدية رافضة للمسارات التي حددتها له تاريخية ثقافة السور الاستبدادية، وظهور اتجاهات احتجاجية على هذا التاريخ، لان الشيعي الجنوبي هو وريث "عمامة كوديا" وعمامة الشعب السومري العظيم التي ترثي حضارتها المهدورة باستعادة النظام القيمي باشاريته الرمزية في مواجهة الملاهي السياسية وملتحي السور العنصري، ويأتي الزمن الذي يعلن فيه رفضه لحتمية تاريخ ثقافة السور بالاعتماد على منهجية كتاب "فاطمة"، رمز الحكمة العظيمة.

عدنان طعمة الشطري

كاتب علماني وإعلامي مستقل