شعراء العالم يكسرون حصار غزة بالكلمة في قلب المكسيك

ندوة تضامنية تُطلق أنطولوجيا شعرية ثنائية اللغة تضم إبداعات 35 شاعراً فلسطينياً وعربياً، تأكيدا على دور الأدب كوثيقة للمقاومة وجسر إنساني يربط بين الثقافتين العربية واللاتينية في مواجهة محاولات الطمس.

في قلب مدينة إيكاتبيك النابض بالثقافة، وضمن فعاليات "معرض إيكاتبيك للكتاب"، شهدت الساحة الثقافية المكسيكية ندوة استثنائية حملت عنوان "تحية إلى غزة". النشاط الذي نظمته رابطة "القراءة بحرية" (Leer en Libertad)، تحوّل إلى تظاهرة أدبية وإنسانية كبرى بمناسبة إطلاق الأنطلوجيا الشعرية "تحت ضوء أشجار الزيتون".

في تظاهرة ثقافية وإنسانية لافتة، احتضن معرض الكتاب في المكسيك ندوة أدبية بعنوان "تحية إلى غزة"، شهدت إطلاق الأنطولوجيا الشعرية ثنائية اللغة "تحت ضوء أشجار الزيتون" (Bajo la luz de los Olivos). تحولت الندوة إلى منصة لإطلاق صرخة تضامن عالمية مع الشعب الفلسطيني، بمشاركة نخبة من الأدباء والمثقفين اللاتينيين.

أنطولوجيا الألم والأمل

افتتحت الكاتبة والمحررة كارمن نوزال الندوة بالحديث عن نشأة هذا المشروع الأدبي الذي ولد من رحم المعاناة. وأوضحت نوزال أن الكتاب يضم قصائد لـ 35 شاعراً فلسطينيا وعربيا، كتب معظمهم نصوصهم تحت القصف وفي ذروة الأحداث المأساوية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وقالت نوزال في كلمتها: "هذا الكتاب ليس مجرد ترف جمالي، بل هو وثيقة حية للمقاومة. لقد اخترنا أن تكون الكلمات متراساً ضد النسيان، وأن ننقل أصواتاً من غزة والضفة  إلى القارئ الناطق بالإسبانية ليرى الحقيقة بلا رتوش".

جسور لغوية عابرة للقارات

أشاد المشاركون بالدور المحوري الذي لعبته الشاعرة الفلسطينية فاطمة نزال، التي كانت بمثابة الجسر الثقافي بين العالم العربي وأمريكا اللاتينية. من خلال شهادة مؤثرة أرسلتها من فلسطين وقُرئت خلال الندوة، وصفت نزال الترجمة في هذا العمل بأنها "مخاطرة بحد ذاتها".

وأضافت: "بصفتي شاعرة، أعرف كيف يمكن للغة أن تُنقذ نفسها حتى في أقسى الظروف. وبصفتي مترجمة لهذا العمل أعرف أيضًا كيف يمكن أن تخون. بين هذين الحدّين، تحرّكت. بحثت عن أقلّ الصيغ خيانة ليبقى النص ممكنًا".

شعر من قلب الأنقاض

تضمنت الندوة قراءات شعرية للنصوص الشعرية العربية المترجمة للإسبانية، حيث ألقى الشاعر إدواردو موتشيس قصيدة "صديقي الشاعر من غزة" للشاعر المتوكل طه، والتي أثارت تفاعلاً كبيراً من الجمهور. كما تم استعراض قصائد لشعراء مثل: الشاعر هيثم جابر الذي أفرج عنه مؤخرا في صفقة تبادل الاسرى بعد ما يقارب ثلاثة عقود من الاعتقال داخل سجون الاحتلال الاسرائيلية، تتحدث عن صمود الطفولة في غزة وقدرة الروح الفلسطينية على الانبعاث من تحت الرماد.

وفي مشاركة لافتة، أضفى الشاعر عسكري مارتر (Ascary Marter) بعداً مؤثراً بقراءته لقصيدة الشاعرة فاطمة نزال بعنوان "تحت الرماد كان صوته". وبصوت يملؤه التضامن، نقل مارتر كلمات الشاعرة التي تقول في مقطع منها:

"هأنذا أكتب 

 ينز الحبر مرتجفا بين أصابعي

يعرف أكثر مما أطيق

وكأنه يهمس

كلّ ما انتهى

بدأ الآن"…

وقد عكست قراءة مارتر لهذا النص تحديداً التلاحم الإنساني بين المبدع المكسيكي والمبدع الفلسطيني، حيث تحوّلت كلمات نزال إلى صرخة حية في إيكاتبيك.

وأكد القائمون على النشاط أن اختيار هذا المعرض يعكس رغبة المثقف المكسيكي في مد جسور التضامن. وأشارت كارمن نوزال إلى أن الكتاب هو "خندق ثقافي" ضد محاولات محو الهوية.

من الشعر إلى الفعل

لم تخلُ الندوة من الأبعاد السياسية، حيث دعا المتحدثون إلى ضرورة تحويل هذا التضامن الثقافي إلى مواقف فعلية. وفي ختام الندوة، شدد الشاعر إدواردو موتشيس على أن "الوجود الفلسطيني هو حقيقة لا يمكن طمسها"، داعياً المؤسسات الأكاديمية والثقافية في المكسيك والعالم إلى اتخاذ مواقف حازمة لدعم حقوق الإنسان في فلسطين.

وقد شهدت القاعة مداخلات مؤثرة من الجمهور المكسيكي، الذي أكد على وحدة المصير الإنساني، معتبرين أن "قضية فلسطين هي قضية كل إنسان يؤمن بالعدالة في هذا العالم".

تأتي انطولوجيا "تحت ضوء أشجار الزيتون" لتثبت مرة أخرى أن الشعر، رغم رقة كلماته، يمتلك قدرة هائلة على اختراق الحدود والحصار، واضعاً الذاكرة الفلسطينية في مواجهة مباشرة مع محاولات الطمس والمحو.

وتم التأكيد على أن هذا العمل الأدبي، المترجم للإسبانية، هو "أثر مفتوح" يدعو العالم ليكون شاهداً حياً على الحقيقة.