شعر بلا لغة

د. السيد فضل: صار شوقي شاعر العصر الحديث، لأن ما تم تلحينه من شعره يساوي كما أكثر مما تم تلحينه لكل شعراء العصر الحديث مجتمعين.


احميده الصولي: أغلبهم لا يقرأون، ولا يعيشون معاناة الإبداع


شرقاوي حافظ: ما يحدث من ٩٩ ٪ ممن يقولون إنها قصيدة نثر لا هي بالقصيد ولا هي بالنثر

أتاحت لي فرصة التحكيم في مسابقات وجوائز وسلاسل كتب، أن أقرأ الكثير مما يكتبه الأدباء الشباب، وخاصة في مجالي الشعر، وقصيدة النثر.
وأفهم أن قصيدة النثر (الفصحى) تتخلى عن الأوزان الشعرية والتفعيلات الخليليلة - التي تعلمتُها منذ بدأت أكتب الشعر، والتي نُسجتْ على منوالها مليارات الأبيات الشعرية وملايين القصائد وآلاف الدواوين والمجموعات الشعرية، منذ فجر تراثنا الشعري العربي في العصر الجاهلي وزمن المهلهل بن أبي ربيعة وحتى الآن - وذلك لصالح جماليات موسيقية أخرى، مثل النبر والإيقاع غير المتواتر، وإن كانت تلك الجماليات وغيرها لم تقعّد حتى الآن.
ولكن ما لا أفهمه ولم أستوعبه أيضا، أن يكتب بعض الشباب ما يسمونه قصائد نثر (فصحى) بدون أدنى اهتمام باللغة العربية الفصحى التي يكتبون بها، ويتقدمون بكلماتهم في مسابقات أدبية، وفي سلاسل كتب لها حضورها القوي على الساحة الأدبية. 
وعندما تناقش أحد هؤلاء الشباب، أن اللغة عنده غير مستقيمة فهو ينصب الفاعل ويرفع المفعول، ويكتب ياء في آخر كلمات مثل (أنتِ) التي تصبح (أنتي) و(كنتِ) التي تصبح (كنتي) و(عيناكِ) التي تصبح (عيناكي) أو جمع المثنى، وعدم معرفة تمييز الأعداد متى يكون جمعا ومتى يكون مفردا، وتمييز العقود والقرون .. الخ. يقول لك بكل بساطة واستسهال: أنا أكتب قصيدة نثر! وهو للأسف لم يقرأ قصائد النثر الحقيقية كي يتعلم منها، ويبدو جليا أنها سمع عنها فقط، وسمع عن "الشعر الحر" فقط، فظن أنه كلمات متحررة من كل شيء، من الوزن واللغة وربما المعنى أيضا.
هذا الموضوع بات يؤرقني كثيرا، ويحزنني كثيرا، وأتساءل عن مستقبل الأدب واللغة، بل الثقافة بعامة، على يد أمثال هؤلاء الشباب الذي يقتحمون الساحة ويأخذون فرصا أكثر من غيرهم من الموهوبين الحقيقيين الذين هم كثر أيضا، والحمد لله.

هؤلاء ولدوا أساتذة حين قرروا أن يكونوا أدباء أو فنانين دون سابق خبرة أو درس أو موهبة

وقد طرحت هذا الأرق وذاك التخوف على صفحتي بالفيسبوك ولم أكن أتوقع كم الردود على تلك القضية التي تؤرقنا جميعا، وكأن بعض الأصدقاء المشاركين أرادوا أن يعبروا عن غضب مكبوت، وخوف مشروع على حاضر الشعر واللغة ومستقبلهما. فإلى تلك الآراء المعبرة والمحلِّلة للوضع الراهن للقصيدة الشعرية على يد بعض الشباب.
في نبرة تهكمية قالت الكاتبة هالة فهمي "نضحي بالوزن والقافية واللغة علشان المتشاعر يعيش". وعلقت الشاعرة عزة رشاد بقولها: "إلا اللغة .. فالدفاع عن اللغة العربية وجه من وجوه الجهاد، وسيظل الشعر شعرا، والنثر نثرا".
وقال الكاتب الروائي محمد عبدالمقصود: "هي ليست تضحيةـ، هي تنازل من شخص غير موهوب وفاقد الشيء لا يعطيه.. كل ده دجل وادعاء كاذب.. أنا لا أعترف بشعر النثر.. إما أن يكون الشعر شعرا أو يصبح تدليسا".
بينما علق الشاعر محمد رمضان قائلا: "هم لم يضحوا لا بالوزن ولا بالتفعيلة لأنهم فعلا يكتبون النثر .. واحترم أنهم يقولون نحن نكتب النثر بانطلاقاته ومصطلاحاته وأفكاره المثيرة بشكل مطلق. أما القصيدة الشعرية فهي شيء آخر ولا يملك كاتبها التضحية بقواعدها .. لأن ما سوف يكتبه لن يحسب على الشعر أو النثر".
الكاتب التونسي منوبي زيود يرى أن "من لا يملك اللغة لا يملك الكلام. وليس كل ما يقال شعرا". وفي رأي الروائي مصطفى نصر أن "الموضوع ليس له صلة إلا بالموهبة والثقافة العالية، ليس هناك شيء اسمه فن، وإنما هناك شيء اسمه فنان، قادر أن يغير في كل الأشياء ويقنعني ويرضيني بتغييره، عندما غيّر يوسف إدريس في عنوان كتابه (أرخص ليال) وجعله (أرخص ليالي) كان قادرا ومتحكما".
ويعلق الشاعر سعد عبدالرحمن على رأي مصطفى نصر قائلا: "لو كان يوسف إدريس  يعرف الصح يا أ. مصطفى كان كتبه، وإصراره على استمرار العنوان بما فيه من خطأ نحوي فادح يدخل في باب الخطأ المشهور، كعنوان البؤساء في ترجمة حافظ إبراهيم لرواية فيكتور هوجو، وعنوان كناسة الدكان في مجموعة قصص يحيى حقي، مع الفارق بين كل خطأ والآخر فيما ذكرت".
ويعود الروائي مصطفى نصر للرد على الشاعر سعد عبدالرحمن في مساجلة أدبية رفيعة المستوى ليقول: "أستاذ سعد عبدالرحمن أنا استفيد منك دائما - خاصة في اللغة - خطأ ترجمة حافظ إبراهيم لرواية فيكتور هوجو أعتقد أن حافظ لم يكن يعرف الاسم الصحيح، لكنني أعتقد أن يوسف إدريس كان يعلم أن الصح في اسم كتابة أرخص ليال، وأصر على ليالي، وأرجو أن تشرح لي موضوع كناسة الدكان ليحيي حقي، فهي جديدة بالنسبة لي. وهناك رأي سائد بأن الخطأ الشائع أفضل عند البعض من الصحيح المهجور، فقد قدمت تمثيلية عن شجر الدر، فقالت لي مديرة الإذاعة وقتها إنه حتى لو كان اسمها الحقيقي شجر وليس شجرة، فهي تفضل الاسم الشائع (شجرة الدر) حتى لو لم يكن صحيحا".
وعودة إلى قضيتنا حيث يرى الكاتب فاروق دربالة أن "كثيرين من هؤلاء يتجاسرون على اللغة بحجة تثويرها، وينطبق عليهم المثل (أول الرقص حنجلة).
أما الشاعر والمترجم شرقاوي حافظ فيرى أنه "ليس هناك تضحية مجانية. بمعنى أنه إذا كان هناك تجاوز في الإيقاع الخارجي أو القافية، فهناك قيود أخرى لقصيدة النثر في المقابل. أما ما يحدث من ٩٩ ٪ ممن يقولون إنها قصيدة نثر لا هي بالقصيد ولا هي بالنثر". ويتساءل الكاتب والمترجم عاطف محمد عبدالمجيد: "وهل هناك أي نوع من الكتابة بعد التضحية باللغة؟" بينما يرى فتوح قهوة أنه "لا يجوز التضحية بأيٍ من مقومات الشعر، ولكن لله الأمر!"
ويتساءل د. محمد عاشور: "وما المانع أن نسمي ما خلى من الوزن والتفعيلة نثرا فنيا، ونقصر اسم الشعر ووصفه على الكلام الموزون المقفى؟".
ويعلن الكاتب محمد رجب عباس أنه "لا بد من محاربه الفساد في الأدب. اللغة هي خامه المبدع. إن لم يكن يعرفها فكيف يستخدمها". ويعلق الكاتب العراقي علي لفته سعيد بقوله: "وهناك من يؤيد ويزمر ويصفق وينشر".
ويرى الشاعر أحمد الحملة "أن أولئك الذين يرفعون المجرور ويجزمون المنصوب ويصرفون ما لا يصرف ويمنعون ما يصرف، لا بد من تقديمهم لمحاكمة عاجلة بتهمة اغتيال اللغة العربية مع سبق الإصرار والترصد"!

الناقد المغربي د. مصطفى شميعة يرى أن "قصيدة النثر هي قصة من قصص ضياع الشعر العربي الحديث، الضحالة وشح الحساسية الخيالية يقفان معا خلف ما يسمى قصيدة النثر". أما المفكر المصري محمد عبدالمنعم فيرى أن كثيرا من كتاب ما يسمي بقصيدة النثر كانوا شعراء ولكن نضب معين الشعر عندهم فاختاروا هذا الطريق، وآخرون منهم ذهبوا للسرد من قص ورواية مضحين أيضا بكل شيئا بدءا من التضحية باللغة، ولك أن تتصور أن هناك صديقا له في السوق أكثر من خمس روايات وهو أصلا لا يستطيع كتابة جملة عربية واحدة صحيحة".
بينما قال الكاتب أحمد عبده "يضحى باللغة نحويا حد يصحح له، يضحى باللغة فقرا يبقى يسكت أحسن". وعقب الشاعر مختار عيسى قائلا: "فضائح باسم التجاوز وجرائم استسهال".
الفنان محمود يوسف عقب متهكما: ان شاء الله سيجوز ويجوز... بما أنهم ضحوا بالوزن والتفاعيل سابقا. هذا جائز فى لغات غير العربية التي تحتوى على مرادفات وجناسات تامة ووووو .. أصلا قصيدة النثر فن لا يخصنا نحن العرب. ساءنى أن يطل أحدهم ويروى نكتة مطلعها: مره شاعر تفعيله عمل كذا.."
وينفى الشاعر حسام موسى قصيدة النثر من المشهد تماما قائلا: "أصلا مفيش حاجه اسمها قصيدة نثر، هناك نص نثرى أصم أجوف وحتى اللغه لا يعرفها صاحب النص فلا تعجب". بينما قال محمد عطوه: "التضحية بالشعر في سبيل النشر والانتشار .. نحن نعيش عصر الرمادية بامتياز... لكن هذا لا يمنعنا أن نشكر ثلة من شعراء قصيدة النثر ينحتون بأظافرهم لتثبيت وتأكيد واقع قصيدة النثر".
فيما يرى الناقد د. محمد الحداد أننا "لا نطرح الحديث عن الخلاف بين قصيدة النثر والقصيدة العمودية أو التفعيلية." وقال: "أظن الحديث هنا عن أولئك الذين لا يملكون أي خبرات سابقة بأي شكل أدبي ويتمسحون في أي مصطلح ليطلق عليهم شعراء". وأضاف "الكارثة التي يُركز عليها هنا هي تجاهل اللغة ذاتها. وهي المادة الأساس في الشعر. تماما كمن يولول وهو لا يعرف شيئا عن الموسيقى ولا يملك أي موهبة لتحديد اللحن أو النغمة ويدعي أنه صاحب تجديد في الموسيقى. أو من يمسك بفرشاة لأول مرة في عمره ويلطخ ورقة ويدّعي أنه من مدرسة تجريبية في الرسم والفنون التشكيلية. هؤلاء ولدوا أساتذة حين قرروا أن يكونوا أدباء أو فنانين دون سابق خبرة أو درس أو موهبة.
الشاعر التونسي احميده الصولي يرى أنه "إذا انتفى الوزن والتفعيلة، فقد الشعر أهم خصيصة تميزه، ذلك أن لكل فن خصائصه ومميزاته. وإدخال النثر في الشعر والعكس، تمييع للشعر أولا. وهو فتح الباب أمام جهلة كلا الفنين ليداس عليهما. المعلوم اليوم أن أغلبهم لا يقرأون، ولا يعيشون معاناة الإبداع. منذ النشأة وجدت صناعتان، الشعر والنثر، وفي صلب كل صناعة تفرعت عديد الفروع. فلا تضيعوا حياتكم في طحن الماء." وعقب إسلام سلامة بأنه "لا يجوز التضحية باللغة في نوع أدبي".
الناقد د. السيد فضل قال إن "فن الشعر تضيعه التضحيات الكبيرة، التضحية بالوزن والقافية معا أخرجت الشعر العربي من عالم الموسيقى والغناء، علما أن أصل هذا الشعر الغناء، [تغن بالشعر إما كنت قائله ** فإن الغناء لهذا الشعر مضمار]". وأضاف: "ابحث لنفسك عن اسم سوى الشاعر إذا لم يتغن بشعرك المغنون ويمر بملحن ومطرب ويعيش في وجدان المتلقى، إياك أن تظن أن شوقي شاعر العصر الحديث لأنه كان أمير الشعراء صار شوقي شاعر العصر الحديث، لأن ما تم تلحينه من شعره يساوي كما أكثر مما تم تلحينه لكل شعراء العصر الحديث مجتمعين. حاول أحدهم الدفع بشعر شاعر من شعراء التفعيلة لعالم الغناء في تجربة مضحكة بالجامعة الأميركية مرت ولم يشعر بها أحد. قلت للموسيقار يومها - في حضرة فاروق شوشة - إياك والمحال الشعراء باعوا الوزن والقافية بثمن بخس .. الحقيقة مرة".
الشاعر الدبلوماسي اليمني د. عبدالولي الشميري يرى أنه "يجوز .. في عالم الانقضاض على اللغة وجمالية الشعر".
بينما علق الشاعر عادل خليل بقوله: "تعلمون أننا حين نقول كلمة (قصيدة) فإننا نعني (مقصودة) لأن قصيدة صيغة مبالغة من اسم المفعول مقصود، هنا لا نحتاج أن نقول قصيدة شعر، لأنها ضمنا لا تعني إلا الشعر". وأضاف: "أما قولهم (قصيدة نثر) بإضافة كلمة نثر إليها، فكأنهم يقصدون أنهم يكتبون (نثرا) لا علاقة له بالشعر، وإن اشتملت مقصوداتهم على بعض أدواته.