شمس روسية نووية تضيء ليل القمر!
موسكو - في خطوة تهدف إلى استعادة مكانتها كقوة عظمى في قطاع الفضاء، تسارع روسيا الخطى لتنفيذ مشروع طموح يتمثل في بناء محطة طاقة نووية "آلية بالكامل" على سطح القمر بحلول عام 2036، وهي الركيزة التي تعول عليها موسكو وبكين لإنشاء قاعدة استيطانية دائمة ومنافسة الهيمنة الأمريكية في السباق القمري الجديد.
وتكشف تفاصيل المشروع، المستمدة من تقارير لوكالة "روسكوسموس" الروسية وبيانات تقنية من معهد "كورتشاتوف" للبحوث النووية، أن المحطة تهدف إلى حل المعضلة الكبرى التي تواجه البعثات القمرية الطويلة: وهي "الليل القمري" الذي يستمر 14 يوماً أرضياً، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى مستويات سحيقة لا تقوى الألواح الشمسية على مواجهتها لتوفير طاقة مستمرة.
العودة من بوابة الذرة
يأتي الإعلان الروسي في وقت حساس لموسكو، التي عانى برنامجها الفضائي من انتكاسات متتالية ونقص في التمويل. فبعد تحطم المركبة "لونا-25" في أغسطس/آب 2023، وهو أول مهمة قمرية روسية منذ 1976، تحولت الأنظار إلى الحلول التكنولوجية "غير التقليدية" لتعويض الفجوة مع برنامج "أرتميس" التابع لوكالة ناسا الأمريكية وشركة "سبيس إكس" المملوكة لإيلون ماسك.
استقلالاً تكنولوجياً كاملاً
وصرح يوري بوريسوف، رئيس "روسكوسموس"، بأن المشروع الروسي الصيني المشترك يتطلب "استقلالاً تكنولوجياً كاملاً"، مؤكداً أن بناء المفاعل يجب أن يتم "بشكل آلي، دون وجود بشري"، نظراً للمخاطر الإشعاعية العالية والظروف البيئية القاسية. ووفقاً لمصادر في صناعة الفضاء الروسية تحدثت لوسائل إعلام رسمية (مثل وكالة تاس)، فإن العقد الموقع مع شركة "لافوتشكين" يتضمن تطوير أنظمة هبوط قادرة على حمل مفاعلات نووية حرارية مدمجة.
الشراكة مع الصين والمواجهة مع الغرب
لا يقتصر المشروع على الجانب التقني، بل يحمل أبعاداً جيوسياسية عميقة. فالمحطة النووية ستكون القلب النابض لـ "محطة أبحاث القمر الدولية" (ILRS) التي تقودها روسيا والصين. وتخطط الدولتان لتجهيز البنية التحتية الأساسية بين عامي 2026 و2030، تليها مرحلة التشييد الفعلي للمفاعل.
وتشير التقارير الروسية إلى أن شركة "روس آتوم" (العملاق النووي الروسي) تعمل على تطوير مفاعل صغير يعمل بالنيوترونات السريعة، وهو تصميم يوفر كثافة طاقة عالية وحجم مفاعل أصغر، مما يسهل عملية نقله عبر صواريخ "أنجارا" الثقيلة الجاري تطويرها.
"تحديات تقنية وسباق محموم"
بينما تتقدم روسيا بخططها، تثير هذه الخطوة قلقاً في واشنطن. ففي وقت سابق من عام 2025، حذرت تقارير استخباراتية أميركية من طموحات روسيا لنشر قدرات نووية في الفضاء، رغم تأكيد موسكو أن الغرض سلمي تماماً ويهدف لتوليد الكهرباء للقاعدة القمرية.
ويرى خبراء دوليون أن التحدي الأكبر لروسيا ليس في تصميم المفاعل، بل في "الإدارة الحرارية". ففي فراغ الفضاء، يعد التخلص من الحرارة الزائدة الناتجة عن المفاعلات النووية عملية معقدة تتطلب مشعات ضخمة وتقنيات تبريد متطورة لم يسبق اختبارها بهذا الحجم على جرم سماوي آخر.
وتسعى الولايات المتحدة أيضاً لتطوير مفاعلات "انشطار سطحي" (Fission Surface Power) ضمن برنامجها القمري، مما يحول سطح القمر إلى مختبر للتنافس النووي التكنولوجي الأول من نوعه منذ ذروة الحرب الباردة.
أفق عام 2036
إذا نجحت موسكو في الالتزام بالجدول الزمني، فإن عام 2036 سيمثل نقطة تحول جذري؛ إذ ستتحول البعثات القمرية من "زيارات قصيرة" إلى "إقامة مستدامة". وستوفر المحطة النووية الطاقة للمركبات الجوالة، وأنظمة دعم الحياة لرواد الفضاء، وحتى محطات استخراج الجليد المائي من أقطاب القمر لتحويله إلى وقود للصواريخ.
ويمثل هذا المشروع محاولة روسية أخيرة للتمسك بلقب "رائدة الفضاء" الذي ورثته عن الاتحاد السوفيتي. وبينما تتجه الأنظار إلى الإطلاق القادم لمركبة "لونا-26"، تظل المحطة النووية هي الرهان الأكبر الذي سيحدد ما إذا كانت روسيا ستبقى لاعباً رئيسياً في الفضاء، أم ستكتفي بدور الشريك التقني للصين في مواجهة القوة الأمريكية الصاعدة.