شهادتي.. اغتيال البراهمي، الجريمة التي غيرت مسار تونس

كانت الساعة تقارب العاشرة والنصف وربما تجاوزت ذلك بقليل، كان يوما رمضانيا قائظا. السبت 25 جويلية/يوليو 2013. كنا في المكتب الذي كنت اشترك فيه مع الزميل سفيان رجب عندما رن الهاتف جاء صوت يخبر زميلي ان البراهمي تعرض لمحاولة اغتيال. صرخ سفيان: البراهمي البراهمي قتلوه. وفي لحظات انطلقنا باتجاه المستشفى حيث بلغتنا المعلومة انه نقل الى مستشفى اريانة الذي لم يكن يفصله عن مقر الجريدة سوى مسافة قصيرة. وصلنا في وقت وجيز فاليوم اجازة والناس عموما يتأخرون في الخروج في رمضان.

كنا أول من وصل على عين المكان عندما دخلنا المكان لم يكن هناك ما ينبئ بحجم المصيبة. صمت مريب يشبه صمت القبور. مشهد تعجز الحروف والكلمات عن وصفه ثقيل ثقل الجبال. وقد أدركت هول الحدث عندما وقع نظري على ذلك السرير النقال في بهو المشفى وأرى تلك البركة المرعبة من الدم الذي لم يتجمد بعد. دم البراهمي الذي حكموا باعدامه ونفذوا فيه أمرهم كفرا وبهتانا بعد أن صدرت فتواهم الشيطانية فيه. كان المشهد مرعبا ينبئ بمصيبة جديدة تحل بالبلاد وتدفع بها الى المجهول في ظل حكومة ما وصف بالترويكا وما ارتبط بها من خيارات أمنية وسياسية كارثية ستعاني منها البلاد طويلا. لم يكن خبر الوفاة مؤكدا وكنا نأمل النفس أن تكون العملية فاشلة هذه المرة وأن يسقط في ايدي الجناة الإرهابيين الذين وجدوا سبيلهم في بلادنا واستهدفوا امن البلاد والعباد. كانت زوجة البراهمي مباركة - ولم اكن التقيتها من قبل - تجلس هناك واجمة عاجزة عن النطق او الحركة تبدو وكأنها لم تفهم ما يجري. لم يكن بالقاعة غير ابنتها صابرين وابنها وشخص ثالث قد يكون قريبا او جارا. وكان الابنان في حالة هستيرية يقطعان القاعة غير مصدقين ما حدث. حاولت تهدئة صابرين. سألتها ان كانت رأت ما حدث. قالت ان والدها كان يستعد للخروج لحضور اجتماع في المجلس عندما سمعت صوت إطلاق متكرر للنار. لم تكن متأكدة من عدد الاطلاقات، ولكنها هرعت الى الخارج لتجد والدها في دمائه. سألتها مجددا ان كانت رأت شيئا. قالت انها متأكدة أنها رأت اثنين على دراجة نارية احدهما يضع كسكات. وقد كشفت التحقيقات لاحقا ان ثلاث عشرة رصاصة استقرت في جسده واغلبها كانت في الراس والصدر. إصرار على التصفية بما يعكس ما في نفوس هؤلاء من حقد وغل ونقمة.

دخل سفيان الى الغرفة التي وضعوا بها الشهيد محمد البراهمي ولكني امتنعت عن ذلك وقد خيرت ان تبقى صورة البراهمي في الذاكرة صورة ذلك الرجل الوطني الطيب الهادئ حتى في غضبه الغيور على وطنه وامته عنوان القيم والعروبة، البراهمي كما عرفناه متحمسا في مشاركاته في ندوات الصباح كلما توجهنا له بالدعوة.

خلال دقائق بدأت قاعة المستشفى تكتظ بالناس. جاؤوا من كل حدب وصوب من مختلف الأجيال، نساء ورجال وأطفال غير مصدقين لما حدث. مع انتشار الخبر كانت ساحة المستشفى تغص بالمواطنين والنواب. حضرت احزاب وغابت اخرى لترتفع الأصوات بالنشيد الوطني حيناً وحيناً اخر للتنديد بالإرهاب والإرهابيين. الصوم وارتفاع درجات الحرارة يومها لم يمنع تلك الحشود من التوافد على المستشفى، وفيما كنا نغادر المكان للعودة الى مقر الجريدة لمواصلة في اجواء من الحزن تماماً كما حدث يوم اغتيال الشهيد شكري بلعيد، كانت جحافل السيارات والمارة تعترضنا في الطريق الى المشفى.

كان واضحا يومها انه لا شيء في تونس سيعود كما كان وانه بات يتعين علينا ان ندرك ان الارهاب وجد طريقه إلينا وان خلاياه ترافقنا وقد تكون حولنا ترانا ولا نراها. وكان واضحا مع ثاني عملية اغتيال تحدث في وضح النهار وفي شهر رمضان وهو شهر مقدس ان المستهدف تونس ونمطها الاجتماعي ومستقبل أبنائها ومصير شعبها. ولا شك ان في اختيار تاريخ 25 جويلية لم يكن أمرا اعتباطيا بل كان خيارا مدروسا يستهدف توجهات الدستور الجديد وقيم الجمهورية.

رحل البراهمي وقبله شكري بلعيد ومعهم رحل العديد من أبناء المؤسسة العسكرية وأبناء الجيش الوطني الذين تعرضوا لغدر الإرهابيين الذين لم يأتوا الينا من خارج الحدود ولكنهم والغريب انهم ينتمون لهذه الارض الطيبة بعد ان تنكروا لها وعمدوا الى خيانتها وقد ملأ الحقد والتطرف قلوبهم وأعمى بصرهم وبصيرتهم. رحل بلعيد والبراهمي ونقض ورحل جنود وأمنيون ومدنيون وطنيون تركوا حرقة في القلوب خلفهم دموع أطفال يتامى وأمهات ثكلى وأرامل يعانين الأمرين واخوة ملتاعين،=. رحلوا واثروا الا ان يسقوا أرض تونس وترابها بدمائهم الطاهرة. رحلوا ليعيش التونسيون بحرية وكرامة.

مرت سنة أولى وثانية وثالثة وحلت رابعة ولم تكشف الحقيقة ولم يعرف التونسيون بعد الطرف أو الأطراف التي خططت ومولت وشرعنت لتلك الاغتيالات. كشف الحقيقة وحده كفيل بعادة بناء جسور الثقة المهتزة وكشف الحقيقة وحده قد يساعد عائلات الشهداء على المصالحة النفسية ولكن دون بلوغ مرحلة بلسمة الجراح الذي لن يندمل مهما طالت السنوات. رحم الله البراهمي وبلعيد وكل شهداء الوطن دماءهم أمانة في رقاب الجميع.

كشف الحقيقة في جرائم الاغتيال سيظل الاختبار القائم وبدون تجلى الحقيقة وبدون محاكمة ومحاسبة كل الأطراف ستظل الجمهورية في عيدها الستين أمام تحديات خطيرة في تحديد مسار الديموقراطية الناشئة واستعادة البوصلة الضائعة في مهب الصراعات السياسية المتفاقمة وهيمنة عقلية الغنيمة التي توشك أن تدفع البلاد الى أتون أزمة حكم لا يبدو لها حتى الان من انفراج.