شيعة العراق.. ومنازلة التسلط في دولة هشة

"إعلان شيعة العراق" هو حصيلة نقاشات ومداولات كان يراد منها طرح نظرة الشيعة الى تغييرات أساسية يجب اعتمادها بعد زوال نظام صدام المستبد. وقّع على الاعلان اكثر من 120 شخصية عراقية "شيعية" في لندن، يوم 17 كانون الثاني 2002، بهدف استباقي لما قد يطرأ في ذاك الوقت من تغييرات في ضوء الضغوط الأميركية المتواصلة لإحداث تغيير سياسي في العراق، فحصر البيان مطالب "الشيعة" آنذاك في التالي:

ـ إلغاء التمييز الطائفي، وإزالة نتائج السياسات الخاطئة التي مورست في الماضي.

ـ إقامة نظام نيابي دستوري يحول دون استبداد طائفة أو قومية على حساب الطوائف والقوميات الأخرى.

ـ تثبيت مبدأ المواطنة الواحدة لكل العراقيين، لأن وحدة المواطنة هي الضمان الحقيقي لوحدة الوطن.

ـ احترام الهوية القومية والدينية والمذهبية للعراقيين كافة، وترسيخ مفهوم المواطنة الحقيقية عند كل أبناء القوميات والطوائف المختلفة.

ـ ترسيخ وحدة العراق أرضا وشعبا وسيادة وكيانا ضمن التعدد المذهبي والديني والقومي والسياسي.

ـ بناء المجتمع المدني على أسس سليمة وتعزيز مؤسساته.

ـ اعتماد النظام اللامركزي الذي يشمل نظام المناطق التي تتمتع باللامركزية لعموم العراق.

ـ احترام مبادئ حقوق الإنسان.

ـ الحفاظ على الهوية الثقافية الإسلامية للمجتمع العراقي.

فقرات الاعلان كانت محاولة "شيعية" لإعطاء جملة من التصورات الآمنة للآخرين، في ظرف التبس فيه على الجميع كل الاعتبارات التي تتعلق بالشراكة في انتاج الدولة بعد اسقاط نظام البعث، لكن بقي الاشكال محددا بتسمية المشروع "اعلانا شيعيا"، اذ اوحى في حينها لطائفة دينية تشكل اغلبية مغصوبة من أقلية، بالرغم من محاولة اصحاب المبادرة اخفاء ذلك.

في تلك الاوقات نظرت شخوص الى هذا الاعلان على انه يشكل مشروعا جيدا لعبور الكثير من الخلافات والتعقيدات الداخلية بعد زوال الدكتاتورية، بينما دعت قيادات شيعية لها رمزية كبيرة في المعارضة العراقية الى تعطيله، واعتبروا مصيره محكوما بالفشل لأنه يلمح لتراجع اغلبية شيعية عن اقامة دولتهم في ظل فرص الخلاص من الحزب الحاكم. الشطر الاخير هام بالنسبة لنا ان نتعرف على شخوصه في الوقت الحاضر، فمرحلة توثيق المناهضين لاندماج الشيعة بأقرانهم السنّة والأكراد ممكن ان يرفع اللثام عمن كانوا يشكلون معارضة صدام لشخصه دون نهجه.

هنالك الكثير مما يجب فعله من قبل "الشيعة" للخلاص من سمة التسلط بعنوانهم في دولة خالية من الملامح، كان ينبغي ان يدركوا على الاقل ان الثقة بينهم وبين الاخرين شيء يساعد على بروز سمة الدولة التعددية بعد التحرير، ويشجع على إشراك السنة تحديدا بعملية التغيير وصنع المستقبل، انطلاقا من فكرة الوطن مسؤولية جماعية والحفاظ على مصالحه العليا يتحقق بالتزامات رضائية.

المصالح المتباينة والمتعارضة هي أساس مفصلي في التوازن الديمقراطي الذي ينبغي ان يكون، وليست عصية عملية تكريس ذلك في العراق كواقع لدولة تحاول الاستغناء عن نموذج لطائفة تحكم وأخرى محكومة. فالحاق الهزيمة بالنظم المستبدة لا تنتهي بإسقاط شرعيتها الحاكمة، بل يجب ان يُرفق معها إجراءات تقلع جذورها التي تعبر عن تعصب يُمَكن قبيلة او مذهبا في ادارة السلطة دون الاخرين.

اذا كانت عملية مكافحة داعش تحتاج الى السلاح المتطور وأعدادا من المتطوعين لحمل ذلك السلاح، فان الحرب ضد التطرف تحتاج الى مشاريع فكرية وعقائدية واقتصادية. كل ذلك لا يتوفر من دون دعم السنّة، بصفتهم ابلغ تصورا والماما من غيرهم لما قد يحصل من تطورات سلبية تتعلق بإعلان "دولة الخلافة" في محافظاتهم. تبدأ تلك التطورات بتغيير المناخ الديني لمناطقهم، وتنتهي بحرمانهم من اي تعاطف دولي ساند لهم؟ لكن في حالة وجود "صراع طائفي"، يمارس تحت ظل الدولة، وتشحنه اسلحة شجعتها على الظهور دعوات لـ "الجهاد الكفائي" لا ضامن فيها من اي سلوك مسيطر عليه ضد الأبرياء، حينها ستتوقف العقول ولا يحسب اي طرف متنازع حساب مصلحة للعراق.

ان اي مشروع يراد منه التعبير عن مزايا جديدة للدولة العراقية تتعلق بالخلاص من حالة الانفراد في سلطة، يستلزم اعادة تصميم الرغبات السياسية وفق معطيات ما بعد 2003. فالدلالة الكبيرة لعملية تحرير العراق بقيادة الولايات المتحدة والتي تمثلت بتمكين الأغلبية العربية الشيعية من المطالبة بالحكم للمرة الأولى في تاريخها لم تزرع غير الشوك بطريق اعلان الحكومة الائتلافية في بلد اعتمد نظامه الانتخابي على مبدأ التمثيل النسبي الذي كان مرسوما له بان يؤدي الى مزيد من التوافق في السياسة. فاحكام أي طرف من تشكيل اغلبية طائفية تتولى تشكيل الحكومة بنفسها لا يؤدي إلا لمزيد من التناحر وعدم الاستقرار في بلد معقد بتنوعه.

نسيان شيعة العراق لعقود التمييز ضدهم امر مطرود في لحظة تتعلق بالصراع من اجل الحكم، لكن الاستغناء عن مدلولات "الاكثرية الشيعية" ليس عقيما في ظل تعريف المواطنين بمنطق الدولة الحديثة بأنهم بشر متساوون أمام القانون لهم حقوق وعليهم واجبات ولا فضل لأحد على آخر إلا بمدى الالتزام بالقانون وتأدية الواجبات. فبقاء الاعتقاد سائدا بان لا زَعامَة لغير الاثني عشرية بعد صدام، سيغذي لـ "داعش" ويمكنه من التمدد نحو المزيد من المناطق السنيّة بداعي انقاذها من حكومة "الروافض".