صانعة محتوى تبني من دبي علامة أزياء عابرة للقارات

نوران طارق مؤثر مصرية في الإمارات تًحوّل تجربتها مع الحجاب إلى براند فاخر للملابس المحتشمة تغزو به أسواق أستراليا وأوروبا.
رانيا عبدالعاطي
القاهرة

في أبريل/نيسان 2011 وقفت كيت ميدلتون أمام العالم بفستان زفافها من ألكساندر ماكوين، فكانت أول ما لفت الأنظار ليس الزخارف ولا التطريز بل الاحتشام؛ الأكمام الطويلة والرقبة المرتفعة والذيل الممتد، وفي غضون ساعات كانت وسائل الإعلام العالمية تتداول كلمة واحدة لوصف الفستان "modest" أي محتشم، لكن الكلمة في ذلك الوقت لم تكن تعني سوقاً أو صناعة بل كانت مجرد وصف لاختيار شخصي لعروس ملكية، وظل الاحتشام بعدها سنوات يُصنَّف في أروقة صناعة الموضة العالمية بوصفه هامشاً لا يستحق الاهتمام الجدي.

بيد أن ما حدث في السنوات التالية كذّب هذا الاعتقاد تكذيباً صارخاً؛ ففي 2011 كانت مودانيسا مجرد موقع تركي صغير يبيع ملابس لنساء يجدن صعوبة في إيجاد ما يبحثن عنه في المتاجر العادية، وفي 2015 أطلقت يونيكلو تعاونها مع المصممة البريطانية هانا تاجيما، وأصبحت ماريا إدريسي أول عارضة محجبة تظهر في حملة إعلانية عالمية لإتش آند إم، وفي 2016 دخلت "دولتشي آند غابانا" السوق بخط عباءات كامل وظهرت امرأة محجبة لأول مرة في حملة أديداس، وفي 2017 أطلقت نايكي "برو هيجاب" فارتفعت مبيعات الملابس الرياضية المحتشمة في الصناعة بأكملها 12% دفعةً واحدة، وفي 2018 غطّت هاليما عدن غلاف فوغ البريطانية لتصبح أول امرأة محجبة تحقق ذلك، وبحلول 2020 عادت التنانير الطويلة والبنطلونات الواسعة والتصاميم المحتشمة إلى مدارج الأزياء الراقية في باريس وميلانو ليس كاستجابة لسوق ديني بل كجمالية عالمية بامتياز، ثم جاءت الأرقام لتقول ما لم تقله الإعلانات؛ إذ بلغت قيمة السوق 295 مليار دولار عام 2021 وارتفعت إلى 327 مليار دولار عام 2023 ومن المتوقع أن تتجاوز 433 مليار دولار بحلول 2028 لتتخطى في حجمها أسواق الموضة في بريطانيا وألمانيا والهند مجتمعةً، وفقاً لتقديرات مؤسسة دينار ستاندر للبحوث والاستشارات وتقارير موقع الاقتصاد الإسلامي العالمي، وما كان في 2011 موقعاً تركياً صغيراً بات اليوم صناعة عالمية تصنع توجهاتها بنفسها وتستقطب كبريات دور الأزياء وتملأ مدارج باريس وميلانو ولندن.

ومع ذلك، ورغم كل هذا الحجم، تقول 90% من المسلمات إن براندات الموضة الكبرى لا تلبي احتياجاتهن بشكل كافٍ؛ الفجوة قائمة وهي ليست فجوة في عدد القطع المتاحة بل في نوعية ما هو متاح؛ ملابس يومية بسيطة من ناحية وفساتين مناسبات رسمية من ناحية أخرى، وبينهما فراغ واسع لم يملأه أحد بعد؛ فراغ القطعة الراقية الجاهزة التي لا تحتاج المرأة أن تعدّلها أو تضيف تحتها طبقات داخلية حتى ترتديها بثقة. هذه الفجوة تحديداً لم يكتشفها محلل في شركة أبحاث، بل اكتشفتها امرأة كانت تقف أمام خزانة ملابسها في دبي بعد أن ارتدت الحجاب للتو.

نوران طارق صانعة محتوى مصرية وميكب أرتست انتقلت للعيش في دبي، وبعد رحلة روحية امتدت ثلاث سنوات من الدعاء والتأمل والصراع الداخلي، ارتدت الحجاب عن قناعة كاملة؛ تصف تلك اللحظة بأن الحجاب لم يكن في نظرها مجرد واجب ديني بل خطوة تقربها إلى الله وتمنحها شعوراً بالسلام الداخلي، لكن حين واجهت السوق بحثاً عن ملابس تعكس هذا التحول وجدت ما وجده كثيرون قبلها؛ الخيارات المتاحة لا ترقى إلى ما تبحث عنه.

لم تكن هذه أول مرة تفكر نوران في مشروع خاص؛ ففي عام 2022 درست إطلاق براند لمستحضرات التجميل والتحقت بدورة تدريبية في أستراليا لفهم المواد الخام وآليات التصنيع، لكن الظروف الاقتصادية وارتفاع تكلفة الإنتاج بعد تعويم الجنيه المصري أوقفا المشروع، اعتبرته إشارة إلى أن هذا المسار ليس الخيار المناسب في ذلك الوقت، وهذه الجملة وحدها تكشف شيئاً في شخصيتها؛ إنها لا تتمسك بخطة في وجه الواقع بل تقرأ الإشارات وتعيد التوجيه.

حين جاءت فكرة الأزياء قررت تعلم الشيء الذي تؤمن بأنه الأساس الحقيقي لأي مشروع ناجح وهو بناء البراند نفسه، وبدأت التعلم من خلال جلسات تدريبية فردية في دبي تناولت أسس التسعير وتحديد الجمهور المستهدف وإدارة البيع بالجملة والتجزئة وبناء الهوية التجارية؛ كانت مقتنعة بأن نجاح أي مشروع لا يعتمد على الشهرة بل على قدرته على حل مشكلة حقيقية لدى العملاء.

هذا القرار يعكس تحولاً أعمق في صناعة الأزياء اليوم؛ ففي عصر تمثل فيه المبيعات عبر الإنترنت 45% من مشتريات الموضة المحتشمة وفق إحصاءات ستاتيستا عام 2024، وحيث تحولت منصتا إنستغرام وتيك توك إلى المنصتين الرئيسيتين للاكتشاف والشراء، أصبح فهم الجمهور وبناء الهوية أحياناً أهم من الخبرة التقنية في التصميم، وقصص براندات كسكيمز وفينتي تثبت أن أقوى ما يبنيه المؤسس ليس التصميم بل الثقة والارتباط العاطفي مع جمهوره.

الاسم نفسه يحكي القصة قبل أن تبدأ؛ "تيما" من اسم ابنتها فاطيمة، و"ران" من آخر اسمها نوران، ليصبح الاسم "تيماران" رابطاً عائلياً خاصاً لا اسماً شخصياً؛ براند لا يحمل اسم صاحبته، وهذا وحده يقول شيئاً مهماً؛ نوران لم تُرد توسيع نجوميتها الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أرادت بناء كيان مستقل له حياته وهويته المنفصلة، وتُشير إلى أنها ترفض وصف نفسها بالمؤثرة وتفضل أن تُعرَّف بوصفها صانعة محتوى؛ لأن التأثير الحقيقي في نظرها ليس لقباً يمنحه الشخص لنفسه بل نتيجة طبيعية لما يقدمه من محتوى ورسالة.

الهوية البصرية للعلامة تستلهم من أيقونات الموضة ذات الطابع الملكي والفخم، ومن نماذج نسائية بارزة كالملكة رانيا العبدالله والشيخة موزا بنت ناصر؛ نساء يجمعن بين الحضور اللافت والالتزام بقيمهن الشخصية، وتوضح نوران أن تيماران لا تستهدف المحجبات فقط بل كل امرأة تؤمن بأن الاحتشام أسلوب راقٍ في الملبس سواء كانت محجبة أم لا، وتضيف أن المرأة التي ترتدي ملابس محتشمة بتنسيق أنيق تستطيع أن تخطف الأنظار بأكثر الطرق رقياً، وأنها لاحظت بنفسها أن هذا الأسلوب في الملبس يفرض احتراماً خاصاً من النساء والرجال على حد سواء.

ولم يكن النجاح ليتحقق بهذه السرعة لولا البيئة التي احتضنت المشروع؛ فتأسيس الشركة في الإمارات كان أحد أكبر المفاجآت التي واجهتها نوران وهي مفاجأة من النوع السار، إذ لم تستغرق إجراءات التأسيس الكاملة من استخراج الرخصة التجارية وإنجاز الأوراق الرسمية أكثر من عشرة أيام عمل معظمها رقمي لا يستلزم حضوراً جسدياً أو انتظاراً في طوابير، وتصف نوران تجربتها مع الجهات الحكومية بأن الردود كانت تصلها بسرعة لافتة على أي استفسار أو طلب تُرسله مما جعل إدارة الجانب البيروقراطي للمشروع خفيفة لا تستنزف طاقة ولا تفكيراً، وامتد هذا اليسر ليشمل الجانب اللوجستي إذ كان استخراج الرقم الجمركي وإجراءات الشحن إلى أسواق متعددة حول العالم من الخليج إلى أوروبا وأستراليا أبسط مما توقعت، وهو ما يفسر جزئياً قدرتها على الوصول إلى أسواق دولية في وقت قياسي لم تكن تحسب له حساباً حين أطلقت تيماران.

وقد أثبت السوق لها صحة هذه الرؤية بطريقة لم تتوقعها؛ فرغم أنها ظنت أن نجاح تيماران سيتمركز في مصر ودول الخليج، فوجئت بإقبال متزايد من أسواق أوروبية وأستراليا حيث وجدت النساء المسلمات وغير المسلمات في ما تقدمه استجابةً لاحتياج حقيقي طال انتظاره، وهو ما تؤكده بيانات ماكنزي التي تُظهر أن 35% من مشتري الموضة المحتشمة في الولايات المتحدة وأوروبا لا ينتمون إلى الإسلام أصلاً، مما يعني أن الطلب على هذا النوع من الملابس تجاوز منذ زمن حدوده الدينية وأصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية أوسع، وخلال نحو عام ونصف أطلقت العلامة ثلاث مجموعات أزياء وشهدت نمواً يؤكد أنها لم تبنِ منتجاً فحسب بل بنت حلاً لمشكلة لا حدود جغرافية لها.

في سوق يتجاوز حجمه أسواق الموضة في بريطانيا وألمانيا والهند مجتمعةً، وفي مدينة كدبي باتت واحدة من أبرز حواضن الموضة المحتشمة عالمياً، وجدت نوران مكانها ليس بالصدفة بل بالملاحظة والتعلم وقراءة السوق بعيون من يعيش في قلبه، تيماران اليوم ليست مجرد خط ملابس، إنها إجابة عملية على سؤال كانت نوران تطرحه على نفسها قبل سنوات: هل يمكن للمرأة أن تبدو لافتة وراقية دون أن تتخلى عن قيمها؟ الإجابة كما تقول الأرقام والطلبات القادمة من أوروبا وأستراليا: نعم، ويبدو أن العالم كان ينتظر هذه الإجابة منذ أن وُصِف فستان كيت ميدلتون بكلمة واحدة ولم يعرف بعد أنه يصف صناعة بأكملها.