صديق جوهر يتناول الأدب الأميركي باللغة العربية
القاهرة - تستعد دار سما للنشر والتوزيع بالقاهرة لأول مرة لإصدار موسوعة الأدب الأميركي باللغة العربية. وتعد هذه الموسوعة وهي من تأليف الدكتور صديق جوهر رئيس أقسام الأدب الإنكليزي واللغات والترجمة والمشرف على برامج الدراسات المسرحية والسينمائية والكتابة الإبداعية بجامعة الإمارات (سابقا) ومستشار الترجمة التحريرية والشفوية في كندا والعالم العربي، إضافة نوعية للمكتبة العربية.
وتتكون الموسوعة من عشرة أجزاء على النحو التالي: الجزء الأول: دموع الأفاعي- روايات الغرب الأميركي بين الإثارة والعنف، والجزء الثاني: الموت حرقاً- رواية الحرب العالمية الثانية، والجزء الثالث: عناقيد النار- روايات الحرب الأميركية على فيتنام، والجزء الرابع: من حيفا إلى جنين- القضية الفلسطينية في الرواية الأميركية المعاصرة، الجزء الخامس: من نيويورك إلى شيكاغو-المدينة في الشعر الأميركي المعاصر. وقد سبق الإشارة إلى هذه الأجزاء في مقالة سابقة.
أما بالنسبة إلى الأجزاء المتبقية من الموسوعة، فتتناول الموضوعات التالية: الجزء السادس: دماء في البحيرة- أشعار الحرب الأميركية على فيتنام، الجزء السابع: رحلة في حارات الجياع- مقاربات في الشعر الأفروأمريكي المعاصر، الجزء الثامن: براكين الغضب- إطلالة على مسرح لي روي جونز (إمام أمير بركة)، الجزء التاسع: نبيذ الخيانة - نماذج من القصة الأميركية القصيرة، والجزء العاشر: من التطرف إلى الرومانسية- بلاد العم سام في الرواية الأميركية.
وتتبع الموسوعة في الجزء الأول كيف كان القتل والإجرام والتطرف والإرهاب والاستعلاء وكراهية الآخر من السمات الرئيسية المتجذرة في مجتمعات المستوطنين الأوروبيين الأوائل الذين هاجروا إلى العالم الجديد (الأمريكيتين) منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي حيث انخرطوا في سلسلة من حروب الإبادة الجماعية على مدار ثلاثة قرون ضد أحفاد قدماء الهنود أصحاب الأرض الأصليين الذين عاشوا في تلك البلاد لمدة تربو على عشرين ألف عام منذ العصر الجليدي الأخير بعد عبورهم من سيبيريا إلى ألاسكا.
ومن هذا المنطلق وفي ظل منهجية نقدية رصينة يهدف الجزء الأول من موسوعة الأدب الأميركي لإعادة قراءة تاريخ العنف والقهر والاضطهاد الذي تسبب في إبادة ملايين البشر في أميركا الشمالية وفي مناطق أخرى من خلال دراسة وتحليل عشرات الروايات والقصص وأمهات الكتب لأهم الكُتاب الأميركيين منذ القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن العشرين لدحض الادعاءات الجيوسياسية والإعلامية الأميركية التي سعت لتجميل الوجه العنصري القبيح للرجل الأبيض وشرعنة استعمار الشعوب ونهب ثرواتها وشيطنة المدافعين عن أوطانهم والمقاتلين من أجل الحرية والعدالة.
لقد أفرطت الآلة الثقافية/السينمائية الأميركية في خداع القارئ/المشاهد وسعت لتزييف وعيه منذ صعود الإمبراطورية الأميركية في مطلع القرن الماضي حيث استبدلت خطاب الواقع بأساطير أيديولوجية كاذبة عن حق الكاوبوي الإلهي المقدس في التوسع والسيطرة على العالم بادعاء أن أميركا بلد بلا حدود مع ترويج سرديات مفبركة عن (البراءة الأميركية) و(الحلم الأميركي) والديمقراطية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى مرويات ذات صبغة تلمودية وتوراتية مخادعة عن (الأرض الموعودة) و (الآباء المؤسسين) وضرورة تطهير الأرض من دنس السكان الأصليين وقصص خيالية عديدة عن (المدن الفاضلة) وشرف نقل الحضارة الغربية إلى أرض الهمج البرابرة مع تجاهل تام لانخراط رعاة البقر في تاريخ دموي من الحروب لم ينته حتى الآن بهدف تحقيق مكاسب مادية واقتصادية وطموحات توسعية وأغراض سياسية مشبوهة.
وفي الجزء الثاني، تعود الموسوعة إلى ما قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث استهدفت الطائرات الحربية للحلفاء السكان المدنيين في مدينة دريسدين الألمانية التاريخية عاصمة ولاية ساكسونيا حتى حولتها إلى كومة من التراب تماما مثلما استهدفت حملة القصف الجوي الهمجية الصهيونية سكان المخيمات الفلسطينية والمناطق الآهلة بالسكان الأبرياء في غزة وضواحيها على مدار ما يقرب من عامين بدءا من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث ألقت القاذفات الصهيو-أمريكية على القطاع قنابل تعادل خمسة أضعاف حجم القنابل النووية التي أُسقطت على مدينتي هيروشيما وناجازاكي في اليابان.
وفي هذا السياق، يتناول الجزء الثاني من الموسوعة رواية "المسلخ رقم 5" على ضوء النظرية الأدبية المعاصرة بهدف استقصاء البناء ما بعد الحداثي لرائعة الروائي الأميركي كيرت فونيغوت الذي كان شاهد عيان على محرقة دريسدين التي قتل فيها ما يربو على مئة وثلاثين ألف نسمة.
وتكمن المفارقة في أن المسلك المشين من قبل كبار قادة دول العالم إزاء المذابح اليومية التي وقعت في غزة للنساء والأطفال خلال حرب الإبادة 2023-2025 يستدعي إلى الأذهان ردَّ فعل البطل الخصي في "المسلخ رقم 5" الذي تقبَّل ما حلَّ بمدينة دريسدين من إبادة وتدمير على أنه قدر محتوم، لا يمكن لأحد تفاديه، لذلك سعى المؤلف لكشف الوجه البشع للحرب من خلال تجريب سرديات جديدة، وتضمين ذكريات شخصية في متن الرواية ليجعلها بذلك جنسًا أدبيًّا هجينًا يختلف عن روايات الحرب الأميركية التقليدية مما جعل هذا العمل نموذجًا يحتذيه روائيو ما بعد الحداثة. لقد اصطنع المؤلف تقنيات حكائية مبتكرة وأدخل بعض عناصر الخيال العلمي من أجل تفكيك وهدم آليات السرد القائمة على الترتيب الزمني والسائدة في روايات ما قبل الحرب العالمية الثانية التي انهمكت في تعظيم الحرب وتمجيد أبطالها.
وفي سياق بنيوي محكم وجدل سردي رصين يجمع بين منهجية النظريات النقدية المعاصرة ورؤية فنية ثاقبة يتناول الجزء الثالث من الموسوعة ما يربو على عشر روايات تعد الأكثر أهمية وشهرة عن الحرب الأميركية في فيتنام، سواء كتبها روائيون شاركوا في الحرب، أو محاربون أميركيون قدماء أو وردت في كتابات صحفية، أو تقارير وأخبار كتبها المحررون الصحفيون، الذين قضوا عامًا على الأقل بين صفوف الجنود الأميركيين في فيتنام، حيث استمرت الحرب على مدار اثني عشر عامًا راح ضحيتها ملايين الأبرياء من الشعب الفيتنامي لكنها انتهت بهزيمة الجيش الأميركي وانسحابه.
إن همجية وفظاعة الحرب الـفيتنامية، وآثارها المعوِّقة لحياة الأفراد على جانبي الصراع جسديًّـا ونفسيًّـا وعقليًّـا، يشكل العصب الحيوي لهذه الأطروحة النقدية، وذلك من خلال رصد تجارب الأبطال في أهم الروايات الأميركية التي تناولت الحرب حيث أدى الاندحارُ العسكري وخيبة الأمل لتحويل الجنودَ الأميركيين إلى وحوش ضارية، فراحوا يستخدمون آلةَ الحرب الأميركية بلا هوادة لإبادة السكان العزَّل المسالمين.
وعلى عكس أفلام هوليوود عن الحروب الأميركية السابقة، فقد أفرزت روايات الحرب الأميركية الفيتنامية نموذجًا جديدًا من الأبطال المجرمين المتوحشين المجردين من جميع المشاعر الإنسانية، الذين أدمنوا القتل والتنكيل بخصومهم من المدنيين العزل، والعسكريين. في هذا السياق تسعى الدراسة للتأكيد على أن هذه الحرب تمثل تجربة أثيمة قوضت الأساطير الثقافية الأميركية الموروثة التي تتباهى بالحروب والمحاربين.
وتبرهن الدراسة على أن الآلة الثقافية الأميركية قد دأبت على إنتاج روايات خيالية لا يصدقها عاقل، تدحض الحقيقة والتاريخ، وتعيد تقديم قصة الحرب بشكل جديد، يخدم أهداف الحكومات الأميركية المتعاقبة، وذلك من أجل التخلص من عقدة الحرب الفيتنامية وما لحق بالجيش الأميركي من خسائر.
دأبت الآلة الثقافية والدعائية الصهيونية في الغرب منذ القرن التاسع عشر لترويج سرديات كاذبة عن تاريخ فلسطين وأنفقت أمولاً باهظة في سبيل ترسيخ أفكار مغلوطة عن الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين لدرجة أن غالبية الأجيال الحالية في دول عديدة أصبحوا يعتقدون أن فلسطين هي أرض يهودية محتلة من العرب الفلسطينيين وأن إسرائيل دولة مضيافة لأنها سمحت للفلسطينيين بالبقاء على أرضها، ولذلك فلديها الحق في سحق أي اعتداء على مواطنيها ومدنها بشكل وحشي ولا هوادة فيه.
وفي هذا السياق وعلى ضوء نظريات النقد ما بعد الكولونيالي يستهدف الجزء الرابع من الموسوعة سبر أغوار أهم ثلاث روايات أميركية معاصرة سعت إلى تشويه تاريخ الشعب الفلسطيني، وتمثل الرؤية السائدة للصراع العربي الإسرائيلي في أوساط المثقفين والكتاب في الولايات المتحدة وأوروبا.
وتشكل هذه الروايات - الأكثر مبيعا في الأسواق الغربية- رؤية استعمارية تهدف لتحقيق أهداف دنيئة عن طريق اعتماد استراتيجية روائية تحابي المستعمِر الصهيوني المعتدي على حساب حرمان المستعمَر الفلسطيني الضحية من كافة الحقوق، بما في ذلك منعه من الظهور في النص إلا كشخصية عديمة الملامح أو كإنسان شرقي منحط الشأن. كما تجسِّد هذه الروايات سرديات عنصرية وأيديولوجية مغرضة ترفض التعايش السلمي بين سكان فلسطين من كافة الأديان والعرقيات وتتوخى تشويه الثقافة العربية والدين الإسلامي، من خلال تصوير الفلسطينيين كبرابرة وهمج بينما يظهر المستعمِرون والمستوطنون الصهاينة على أنهم حَمَلة لرايات الديمقراطية والحضارة الغربية مستبدلة بخطاب الحقيقة والواقعِ على الأرض الخطاب المتخيَّل أو المتوهَّم سعيًا وراء تسويغ الخطاب الأخير، وإنشاء تاريخ مسوَّغ يروق للغرب الاستعماري ويحقق تصوراته عن الشعوب العربية.
تُعد قصائد كبار الشعراء سجلاً جامعاً شاملاً يمثل ذاكرة الشعوب ويعكس أمجادها وتاريخها وتطورها الحضاري ويجسد أفراحها وأتراحها وإنجازاتها ونكساتها وماضيها وحاضرها ويستشرف مستقبلها. في هذا السياق يصحبنا الجزء الخامس من الموسوعة في رحلة ماراثونية عبر أرشيفات الشعر الأميركي العامرة بعشرات الدواوين والملاحم والقصائد الشعرية بدءا بديواني الشاعر ويتمان "أوراق العشب" و"أغنية إلى نفسي" حيث يعبر عن فخره بالحضارة الأميركية الناشئة في القرن التاسع عشر: "أيتها المدن، اكبري، تنامي/وازدهري، حمِّلينا أعباءك الثقال /أرينا كوامنك الدفينة / ضعي بين أيدينا أنهاركالسخية المترامية/ تمددي واتسعي/ وامنحينا مالم يخطر على قلب بشر"، مرورا برائعة "الأرض الخراب" التي تنبأ مؤلفها بسقوط الحضارة الغربية بسبب الفساد الأخلاقي والتباعد عن ممارسة الشعائر الدينية الموروثة، ثم يأتي ديوان عزرا باوند الشهير "الأناشيد" الذي أشار فيه بأصابع الاتهام للمجتمعات الفاسدة حيث تنتشر الرذيلة والزنا والشذوذ وانتقد التجار اليهود الذين اخترعوا الربا، ثم تعرج الدراسة على ملحمة هارت كرين "الجسر" التي تباهى فيها الشاعر بالتقدم التكنولوجي الهائل في الولايات المتحدة خاصة في مدينة نيويورك في مطلع القرن العشرين، ثم تستعرض الدراسة قصائد الشعراء الذين عشقوا المدن الصناعية الكبرى مثل شيكاغوا وشعراء الريف الأميركي.
ومن ناحية أخرى، تتناول الأطروحة أهم القصائد المحرمة والممنوعة التي صادرتها الرقابة الأميركية ومن بينها رائعة "عواء" للشاعر ألن جنزبيرج التي انتقدت المؤسسة العسكرية وتوحش كهنة النظام الرأسمالي وتجسد في ذات الوقت معاناة الشباب الأميركي وتمردهم وكراهيتهم للحكومة الأميركية بسبب سياساتها الخارجية العدوانية: "لقد رأيت بأم عيني زهرة عقول الأمة من أبناء جيلي/وقد دمرهم الجنون، جوعى عرايا ملتاثين يجرجرون خطاهم/عبر أحياء الزنوج عند الفجر، باحثين عن مخدر يهدهد الجراح".
علاوة على ذلك تناقش الدراسة أشهر الدواوين الشعرية التي رصدت ظاهرة البغاء والدعارة والفحشاء في المدن الأميركية وكذلك الدواوين التي تناولت انتشار العنصرية والعنف ضد السكان السود ذوي الأصول الأفريقية في المجتمع الأميركي إبان ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مما دعا الشعراء الزنوج لتحريض أبناء جلدتهم للخروج في الشوارع ومواجهة الاضطهاد والاستبداد بالعنف المضاد. وهي دعوة لا تقف عند حدود الانتقام والأخذ بالثأر، بل تتعداهما إلى أن تصبح نزعة عدمية وحشية، نمت وتفاقمت جراء قرون من العنصرية البغيضة ومسخ الإنسان آدمية أخيه الإنسان.
إبان حرب الخليج الأولى عام 1991 عندما هزم الأميركيون الجيش العراقي المُنهك وقف الرئيس الأميركي جورج بوش الأب ليعلن في إحدى جلسات الكونغرس: "ها نحن أخيرًا قد شُفينا من عقدة فيتنام". إن تعافي الولايات المتحدة من آلام وجراح الحرب الفيتنامية وسعيها للتغلب على العقدة الفيتنامية أو ما أسماه النقاد الأميركيون "متلازمة فيتنام" لن يتأتى بانخراطها في المزيد من الحروب كما يؤمن الساسة الأميركيون وإنما بمواجهة نتائج وحقائق الحرب ومن ثم وضع كافة القيم والأساطير الأميركية الموروثة على محك المراجعة والنقد.
وفي هذا السياق، يناقش الجزء السادس من الموسوعة عشرات النصوص الشعرية التي دبجها ببراعة شعراء مقاتلون شاركوا في الحرب، وشعراء آخرون لم تسنح لهم فرصة الاشتراك في القتال، يمثلون كافة الاتجاهات إزاء الحرب الفيتنامية وما خلفته من أثر مدمر على صعيد الوعي الجمعي الأميركي تمثلَّ في ذاكرة تفيض بالألم وتنوء تحت وطأة الشعور بالذنب والإثم.
لقد سعى هؤلاء الشعراء، في محاولتهم لدحض تلك الحرب وإماطة اللثام عن دوافعها غير الإنسانية، إلى وضع منظومة الأساطير السياسية الإمبريالية الأميركية التي عملت على إشعال أوارها وراحت تسكب الزيت على نارها، موضع التفنيد والمحاكمة. وحتى يواجه الشعراء المناهضون للحرب عملية تزوير التاريخ الرامية للتعمية على الحرب وطمس معالم الفظائع التي اقترفها الجنود الأميركيون خلالها، ودفنها تحت ركام من التناسي الفكري والنسيان الثقافي،عمدوا إلى ابتداع صور وأحاسيس شعرية ذات طاقة هائلة على التنفيس عن المكبوت، وكشف المستور وفضح المسكوت عنه والجهر به على الملأ، وهي صور وأحاسيس من شأنها الإبقاء على جذوة ذكريات الحرب المؤلمة متقدّة في الوعي الجمعي الأميركي وشاهدة على الفظائع التي ارتكبها الكاوبوي في حق فيتنام بشرًا وشعبًا وأرضًا وبيئة مثلما حدث في أفغانستان والعراق وإيران واليمن ومثلما يحدث حاليا في غزة ولبنان وسوريا من خلال وكيله المعتمد في المنطقة العربية.
وفي إطار منهجي محدد يستند على مرتكزات نقدية معاصرة تهدف لفتح آفاق جديدة في مجال الدراسات الأدبية والثقافية ذات التوجهات الجيوسياسية يتناول الجزء السابع من الموسوعة مناقشة تطورات الصراع العرقي بين السود والبيض في أميركا إبان ستينيات القرن الماضي من خلال استجلاء الجوانب المختلفة في شكل ومحتوى الشعر الثوري لدى كوكبة من كبار الشعراء الزنوج الأميركيين الذين قادوا حركة التمرد على السياسات الأميركية العنصرية المناهضة للأقلية السوداء وسعوا لإيقاظ الوعي العرقي والسياسي للأميركيين ذوي الأصول الأفريقية القاطنين في جيتوهات الزنوج الممتدة عبر الفضاء الأميركي الفسيح.
ويعد هذا التيار الشعري السياسي انقلابًا جذريًا في موروث الاحتجاج في الشعر الأفروأمريكي المعاصر، الذي وضع أسُسَهُ الشعراء السود من العبيد خلال القرن الثامن عشر. ويخلص الجدل النقدي في هذه الأطروحة إلى أن الفشل الذي حاق بثورة "الربيع الزنجي" لا يُعزى فقط إلى إخفاق هؤلاء الشعراء في إشباع الحاجات الروحية لجموع الشعب الأسود الأميركي، خاصة المُهمشين والمُعدمين من سُكان المعازل البائسة، وعدم قدرتهم على توحيد قواعدهم الشعبية لتنهض بمهمة رفض الثقافة الأميركية العنصرية السائدة، وعجزهم عن ربط الأميركيين السود بجذورهم العرقية والتاريخية في القارة السمراء. بل يرجع الأمر إلى العديد من العوامل المعقدة والمتشابكة، منها ما هو أدبي وفني ومنها ما هو عرقي واجتماعي، وهي عوامل استجدت خلال حقبة السبعينيات وما تلاها، وانطوت على تغيرات في المواقف السياسية والأيديولوجية والفكرية للشعراء والأدباء الزنوج أنفسهم علاوة على تطورات اقتصادية راديكالية طارئة أعادت تشكيل توجهات المجتمع الأميركي داخليًا وخارجيًا في أعقاب تداعيات أزمة النفط في أعقاب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.
ويهدف الجزء الثامن من الموسوعة لتعريف القارئ العربي بتاريخ المسرح الأفروأمريكى المعاصر وخاصة مسرح الجيتو الزنجي عن طريق رصد تطور الحركة المسرحية عند أحد رواده المؤسسين وهو الكاتب المسرحي الشهير لروي جونز الذي كتب وأخرج عددا كبيرا من المسرحيات المناهضة للسياسات الأميركية داخليا وخارجيا مما تسبب في عواصف متلاحقة من الجدل سواء في الدوائر النقدية أو على المستوى الجماهيري.
وفي ذات السياق، يعرض هذا الجزء ترجمة لمسرحيتين من أهم كتابات جونز وهما "الهولندي" و"انتفاضة العبيد" وهما من أفضل ما كتب من حيث البناء الدرامي للشخصيات والتوظيف الفعال للرمز والأسطورة.
بدأ جونز تجربته المسرحية في أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن الماضي كواحد من الكُتاب الشبان الأميركيين من كافة الأعراق المنتمين إلى ما أطلق عليه النقاد فيما بعد اسم "حركة جيل الغضب"، لأنهم تصدوا للسياسات التي أدت إلى سباق التسلح النووي إبان الحرب الباردة كما اشتبكوا مع المؤسسات الداعمة لاستمرار العنصرية في البلاد.
وقد أسس هؤلاء الكُتاب - الذين اتخذوا من ضاحية جرينتش في نيويورك مقرا لهم - حركة طليعية تجديدية في مجال الأدب الأميركي عرفت فيما بعد باسم "حركة المنبوذين"، وكان روادها يسعون لتغيير شكل ومضمون الأدب الأميركي كي يتناسب مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية في الحياة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي أواسط الستينيات انشق جونز عن هذه الحركة البوهيمية لأسباب أيديولوجية وانتقل إلى الجيتو الزنجي الشهير في مدينة هارلم حيث ترك المسيحية واعتنق الإسلام وغير اسمه إلى إمام أمير بركة، وفي نهاية السبعينيات ارتد عن الدين الإسلامي وأصبح ماركسيا وأسقط من اسمه لقب إمام.
ويستعرض الجزء التاسع من الموسوعة عددا من القصص الأميركية القصيرة ذائعة الصيت، حيث يتناول الفصل الأول قصة "وردة إلى إيميلي" للكاتب الأميركي الكبير ويليام فوكنر في إطار النظريّة النقديّة النسويّة، ونظريّات علم النفس المعاصرة، مع التركيز على تصوير فوكنر للعلاقات الإنسانيّة المعقدة في مجتمع الجنوب الأميركي ذي الصبغة الذكوريّة، حيث تعرّضت النساء للاضطهاد والقهر على مدار عقود طويلة من الزمن.
وبشكل عام، تشير روايات وقصص فوكنر إلى أحداث جسام أثّرت على الحياة في الجنوب الأميركي، خاصة الأحداث التاريخية المشهودة التي صاغت الهيكل الاجتماعي لهذا المجتمع، من قبيل الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين الشمال والجنوب.
ومن ناحية أخرى، فقد أمعنت كتابات فوكنر القصصية والروائية في استقصاء دقائق حياة الأفراد والعائلات، في إطار السياق الاجتماعي المهيمن على الجنوب الأميركي.
وتدور أحداث قصة "وردة إلى إيميلي" - وهي من أشهر القصص الأميركية القصيرة - في الجنوب الأميركي، في الفترة التي تلت الحرب الأهليّة الأميركية، والتي انتهت باحتلال الجنوب وإنهاء عهود الاستعباد.
وفي سياق مختلف يتناول الفصل الثاني الصراع بين الخير والشر في قصة "اللؤلؤة" للكاتب الأميركي جون شتاينبك الذي استوحى أحداث القصة من زيارة إلى المكسيك تضم مجتمعا للصيادين، حيث كان السكان الأصليون من ذوي الجذور الهندية يعيشون في مناطق معزولة، ويعانون من فقر مدقع. أما المكسيكيون المستعمرون الغزاة ذوو الأصول الإسبانية، فكانوا يعيشون في أرقى أحياء المدينة المجاورة. أما الفصل الثالث، فيناقش كيفية استدعاء موروث العبودية في قصة "مشروب أنثى الحصان الساخن" للكاتبة الأميركية ألس وكر، بينما يستطلع الفصل الرابع ثنائية الانتقام والخيانة في قصة "برميل النبيذ المعتق-أمونتلادو" للكاتب الأميركي اللامع إدغار ألن بو، وأخيرا يناقش الفصل الخامس السرديات النسوية في قصة "حكاية ساعة" للكاتبة الأميركية كيت شوبان.
ويتناول الجزء العاشر من الموسوعة بالدراسة والتحليل أربع روايات أميركية كبرى تمثل مدارس روائية مختلفة. يبدأ الفصل الأول بدراسة عن رواية "غاتسبي العظيم" التي تناقش أسطورة أو أكذوبة "الحلم الأمريكي" الذي يُمثَّل بتمثال الحرية، وهو رمز للثراء والمتع المادية التي تمنحها الحياة في المجتمع الأميركي لكل من يعيش فيه. وترجع أصول هذا الحلم إلى أميركا الاستعمارية إبان زمن الاستيطان والاستيلاء على أرض السكان الأصليين ويتمثل في الإيمان بأن كل فرد يأتي إلى أميركا كمهاجر، بغض النظر عن أصوله ودينه وعرقه ولونه، يمكنه السعي لتحقيق أهدافه المرجوة، سواء كانت سياسية أو مالية أو اجتماعية.
إن أسطورة الحلم الأميركي كانت تعبيرًا أدبيًا عن مفهوم أميركا باعتبارها أرض الفرص للجميع. ولكن مؤلف الرواية يرى أن تحقيق الحلم الأميركي قد أصبح مستحيلاً بعدما تحول إلى كابوس لأسباب واقعية تتعلق بظروف الحياة في أميركا والتي تقوم على الاستغلال والابتزاز، وسيطرة الأثرياء والفاسدين على مقاليد الأمور، والبعد عن الروحانيات، والاهتمام بالماديات، والسعي وراء الملذات والمال الحرام.
أما الفصل الثاني، فيناقش رواية "الحرف القرمزي" التي تدور أحداثها في مدينة بوسطن - وتتعلق بموضوعات متعددة مثل التطرف الديني والجنس والعنف ضد المرأة والنفاق وفساد رجال الدين - إبان زمن الاستيطان في القرن السابع عشر حيث ارتكب أحد القساوسة خطيئة الزنا مع سيدة مهاجرة بعدما تأخر زوجها في الوصول من أوروبا للشواطئ الأميركية.
ويستطلع الفصل الثالث رواية "الجاسوس: حكاية الأرض المحايدة" وهي سردية تاريخية ورواية عن الجاسوسية وقعت أحداثها أثناء الثورة الأميركية، ويناقش الفصل الرابع رواية "مسافر من الجزيرة" وهي من أدب المدن الفاضلة. وتعد الرواية نقدًا للرأسمالية غير المقيدة وعواقبها الوخيمة على المجتمع الأميركي إبان الربع الأخير من القرن التاسع عشر.