'صندوق الزكاة' يسقط النهضة في أول اختبار بالبرلمان التونسي

النهضة اقترحت إنشاء صندوق "للزكاة والتبرعات' ضمن مشروع قانون المالية 2020 زعمت أنه سيوفر 2000 مليار، لكنه قوبل بالرفض والسخرية من قبل التونسيين.


"قلب تونس" اقترح تغيير اسم الصندوق وطرح رؤية واقعية أفضل


93 نائبا رفضوا مقترح صندوق الزكاة والتبرعات


المقترح لا يتماشى مع طبيعة الدولة المدنية في تونس


النهضة سحبت أيضا مقترح فتح "صندوق الكرامة"

تونس - أسقط البرلمان التونسي اليوم الثلاثاء، مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة اعتبرها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات إديولوجية مراوغة.

وأثار المقترح الذي تقدم به نواب النهضة لإنشاء صندوق "الزكاة والتبرعات"، جدلا واسعا في تونس بسبب خلطه بين مؤسسات الدولة والقانون وإديولوجيات معينة يراد تمريرها تحت غطاء ديني.

وقال ممثل النهضة بلجنة المالية بالبرلمان الجديد معز بالحاج رحومة إن كتلة الحزب الإسلامي "اقترحت إضافة فصل لمشروع قانون المالية 2020 يهدف إلى إحداث صندوق للزكاة تحت عنوان 'الزكاة والتبرعات' تشرف عليه هيئة وطنية ممثلة عن رئاسة الحكومة وزارات المالية والشؤون الاجتماعية والدينية وهيئة مكافحة الفساد وجامعة الزيتون وديوان الإفتاء والجمعية التونسية لعلوم المكان".

وأضاف بالحاج رحومة في تصريح لإذاعات محلية الاثنين أن "صندوق الزكاة يهدف إلى معاضدة دور الدول في النهوض بالفئات الهشة والعائلات المعوزة من خلال تقديم منح الطلبة والتلاميذ والشباب العاطلين عن العمل والأيتام مع تشجيع المبادرات الاقتصادية العاطلين عن العمل"، مشيرا إلى أن "موارد الصندوق ستكون من زكاة الأفراد والمؤسسات والشركات الخاصة والتبرعات والهبات".

ورفض النواب الثلاثاء مقترح صندوق الزكاة بالأغلبية في البرلمان في أول تصويت لأعضائه الجدد.

وقالت مصادر تونسية مطلعة لميدل إيست أونلاين إن حزب "قلب تونس" الذي يقوده قطب الإعلام نبيل القروي، اقترح تغيير اسم الصندوق وتطويره برؤية واقعية أكبر، لكن تم رفض ذلك من قبل رئيس الحركة راشد الغنوشي.

وكان القروي الذي خسر الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس الحالي قيس سعيّد، قد قدم برنامجا اقتصاديا متكاملا لمساعدة الفئات الفقيرة في البلاد وتوفير فرص شغل عبر مشاريع تنموية واعدة قبل ان يتحصل على 38 مقعدا في البرلمان. وقد اقترح في مفاوضاته مع النهضة تسيير عدد من الوزارات لتنفيذ برنامجه، لكن شروط الحزب الإسلامي جعلت التفاهم بين الحزبين وحتى مع احزاب أخرى أمرا مستبعدا.

ويعد مشروع موازنة 2020 أول التحديات التي تواجهها النهضة في برلمان جديد تحصلت فيه على 52 مقعدا، أي أقل من ربع مجموع النواب الـ 217. 

واتسم البرلمان التونسي الجديد بتشتت كتله وأحزابه بعد انتخابات تشريعية فازت بأغلبيتها النهضة بعد أن وعدت ناخبيها بحلول اقتصادية وتنموية للقضاء على الفقر وتوفير فرص عمل ومكافحة الفساد، وهي نفس الوعود القديمة التي طالما رددها الحزب الإسلامي الذي يشارك في الحكم منذ 2011 في الحملات الانتخابية السابقة.

وقوبل اقتراح النهضة بإنشاء صندوق زكاة الذي زعمت أنه "سيوفر 2000 مليار" لتونس، بالسخرية من قبل التونسيين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وجهت انتقادات حادة للحزب الإسلامي الفائز في الانتخابات التي وعد خلالها بإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية الخانقة بينما تشير مخططاته نحو إثقال كاهل المواطن بضرائب جديدة تحت إديولوجيا الإسلام السياسي.

 وكتبت ناشطة على فسيبوك "اثقال المواطن بضرائب باسم الدين هو باب آخر من أبواب السرقة العلنية".

وأضافت ناشطة أخرى "ما ثمة (لا يوجد) حتي نظام في العالم يقر بمبدأ الضريبة المضاعفة، زكاة المال هي ضريبة مضاعفة ولا يمكن أن تكون قانونية أو شرعية في ظل نظام مدني يرتكز علي ضرائب أصلا". 

واتهم نشطاء وقيادات ونخب سياسية الحزب الإسلامي بالخلط بين مفاهيم الدولة وأهدافه الإديولوجية لتسيير مؤسساتها بعيدا عن القانون، وذلك عبر إنهاك كاهل المواطنين بالضرائب خصوصا أن المقترح لا يستقيم لا قانونيا ولا دينيا، حيث لم يتطرق إلى ضرورة التأكيد على الطابع الاختياري للمساهمة في الصندوق كما تنص الزكاة، وهو ما يؤكد على أن المقترح ليس مجرد ضريبة جديدة فقط بل يكشف عن تداخل خطير وغامض في هيئة تسيير الصندوق التي تظم ممثل عن هياكل حكومية مالية ودينية.

ولم يقدم نواب النهضة كيفية تطبيق مشروع صندوق الزكاة والخطوات التي سيتم اتباعها للعمل به بل أن إقحام ديوان الإفتاء و"الجمعية التونسية لعلوم المكان" التي أعدت الدراسة الخاصة بالصندوق، أثار تساؤلات عديدة حول

واعتبر وزير المالية الأسبق، حسين الديماسي، أن مشروع النهضة حول صندوق الزكاة "محاولة لإحداث دولة موازية للدولة المدنية".

وقال الديماسي في تصريح صحفي إن "المقترح لا يتماشى مع طبيعة الدولة المدنية الحديثة المتعارف عليها".

وشبهت الناشطة الحقوقية والنائبة السابقة بشرى بلحالج حميدة  صندوق الزكاة المقترح من النهضة بصندوق 26 /26  وهو صندوق وطني للتضامن  أنشئه بن علي ضمن هيئة حكومية لجمع الأموال والتبرعات بهدف القيام باستثمارات عمومية في إطار الحد من الفقر في تونس، وكانت قد طالته العديد من الانتقادات وتم الكشف عن عمليات فساد كبيرة فيه بعد ثورة 2011.

ال

وقالت بلحاج حميدة إن صندوق "الزكاة والتبرعات" الخاص بالنهضة هو نفس ما قام به بن علي لكن تم إضفاء صبغة دينية عليه، مشيرة إلى أن "الزكاة واجب ديني ولا دخل للدولة المدنية فيه وإن تدخلت فهي تشجع على التهرب الجبائي بل وأصبحت شريكة فيه".

وينتظر التونسيون أن تدير النهضة حاليا الحكومة الجديدة بعد أن كلف الرئيس قيس سعيّد، مرشحها الحبيب الجملي بتشكيل وزرائها منذ 15 نوفمبر الماضي.

ويقوم الجملي بمشاورات مع الأحزاب والشخصيات السياسية في وقت أعلنت أغلب الأحزاب والكتل الوازنة في البرلمان عن صعوبة مشاركتها في حكومة ضمن الشروط التي قدمتها النهضة، في مؤشر على انسداد الأفق أمامها في وقت تحتاج فيه البلاد حلولا عاجلة لإصلاح الاقتصاد الذي يعاني من أزمات لم تفلح جميع الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في فتحها ومواجهتها.

ولا تتفق الرؤية التي قدمتها النهضة حول الاقتصاد مع ما ينتظره التونسيون حيث يرى خبراء اقتصاديون في التركيز على خفض الضرائب والدفع نحو القطاع الخاص، الحل الأمثل لمعالجة المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها تونس، حيث يمثل تقليص دور القطاع العام أبرز وأهم القرارات التي يمكن أن تنتشل البلاد من أزمتها.

ويرجع أغلب التونسيين المصاعب الاقتصادية التي تمر بها تونس إلى القرارات الخاطئة التي اتخذتها النهضة منذ دخولها دواليب السلطة بعد نهاية حكم زين العابدين بن علي في 2011، حيث أثقلت قراراتها ومقترحاتها الدولة التونسية بديون كبيرة، ففي 2013 أصر نواب النهضة التي كانت تتصدر المشهد السياسي في البلاد، على إحداث صندوق يعنى بالتعويض لـ"ضحايا الاستبداد" وأغلبهم من المساجين السياسيين رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد.

ومنذ إضافة نوابها في البرلمان للفصل الجديد لمشروع قانون المالية المتعلق بإحداث "صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد"، تثير النهضة جدلا واسعا بين نواب المجلس.

ورفع حزب نداء تونس العام الماضي قضية لدى المحكمة الإدارية للطعن بمشروعية آلية التعويض وجبر الضرر عبر "صندوق الكرامة" الذي اقترحته النهضة التي يرى التونسيون إنها صاغته على مقاس قواعدها وتوجهاتها السياسية، داعين لتحويل موارده لدعم العائلات المعوزة.

وحدد اليوم الثلاثاء آخر أجل للمصادقة عليه حسب الدستور، حيث تتواصل منذ الصباح أشغال الجلسة الخاصة بالموازنة  لمناقشتها والتصويت عليها فصلا فصلا.

وبعد أن تم رفض مقترحها حول صندوق الزكاة اليوم الثلاثاء، بادرت النهضة بسحب مقترح فتح "صندوق الكرامة " ضمن قانون المالية 2020.

وينبه خبراء اقتصاديون من أن الاقتصاد التونسي لا يتحمل حالياً أي زيادة في حجم المديونية، وهو ما يلزم بالمحافظة على حجم الدين الخارجي عند مستواه الحالي وعدم زيادته، مع الاهتمام بتقليص عجز الموازنة التي تعتمد الحكومة فيها على الاقتراض والمنح، لتغطية باقي الإنفاق.