صوت هند رجب يحصد الجائزة الكبرى بخريبكة
الرباط ـ أسدل مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة الستار على دورته السادسة والعشرين في السادس من جوان 2026، وسط حضور سينمائي إفريقي وعربي لافت، ليُتوَّج الفيلم التونسي 'صوت هند رجب' للمخرجة كوثر بن هنية بالجائزة الكبرى للمهرجان.
ويُكلّل هذا التتويج مسيرة فيلم يحمل رسالة إنسانية وسياسية عميقة، ويُعلي من شأن السينما التونسية في المشهد القاري والدولي، ويُسجّل لها حضورا فاعلا ومؤثرا في سياق سينمائي إفريقي تنافسي من الطراز الرفيع.
وانتظم مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية في الفترة الممتدة بين الثلاثين من مايو/أيار والسادس من يونيو/حزيران 2026، وشكّل هذا العام محطة سينمائية بارزة بما جمعه من أعمال متنوعة وجرّاء غنية بالتنافس والنقاش.
وضمّت المسابقة الرسمية لأفضل فيلم روائي طويل أربعة عشر عملًا من بلدان متعددة، اشتملت على تونس والمغرب ومصر والسودان والكاميرون والسنغال والكونغو وكينيا وموزمبيق والتوغو، في مشهد يعكس الثراء الإبداعي للسينما الإفريقية في تنوعها وتعدد مرجعياتها الجمالية والثقافية.
في كلمة عاطفية ألقتها المخرجة كوثر بن هنية عقب تسلمها الجائزة الكبرى، أبانت عن عمق الرؤية الإنسانية والفنية التي أسّست عليها مشروعها السينمائي، فأكدت أن هذا الفيلم لا يُعدّ مجرد عمل فني بالمفهوم الجمالي الضيق، بل هو شهادة حية على معاناة الطفولة الفلسطينية، وأن صوت هند رجب ما هو إلا صوت كل طفل سقط ضحية الحرب وأُزهقت روحه قبل الأوان.
وقالت، "أردت أن أجعل السينما وسيلة مقاومة، وأن أُدخل القضية الفلسطينية إلى وجدان الجمهور العالمي عبر الصورة والخيال".
وأضافت المخرجة في سياق كلمتها المؤثرة أنها تؤمن إيمانا راسخا بأن السينما قادرة على أن تكون جسرا حقيقيا بين الشعوب، وعلى أن تمنح الضحايا فرصة للحديث حتى بعد رحيلهم، مشددة على أن الفن في أرقى تجلياته ينبغي أن يكون في خدمة الإنسانية والحقيقة، لا مجرد متعة بصرية عابرة.
لم يقتصر صدى 'صوت هند رجب' على قاعة التتويج، بل امتدت أصداؤه إلى أروقة النقد السينمائي الذي أجمع في مجمله على الإشادة بهذا العمل الاستثنائي.
وأكد النقاد المتابعون لأعماله أن المخرجة كوثر بن هنية نجحت في مزج التوثيقي بالتخييلي بسلاسة نادرة، مقدّمةً سردًا بصريًا مؤثرًا يُوازن بين الواقعية وحيوية الفن الحقيقي.
ورأى عدد من النقاد أن الفيلم يُمثّل قفزة نوعية في مسار السينما العربية المعاصرة، لكونه يطرح القضية الفلسطينية من زاوية إنسانية خالصة، بعيدًا عن أُحاديات الخطاب السياسي المباشر الذي طالما أثقل كاهل السينما ذات المرجعية الإيديولوجية.
واعتبر آخرون أن الأداء التمثيلي للفنانة سجى الكيلاني شكّل ركيزة أساسية من ركائز نجاح الفيلم، إذ استطاعت تجسيد مأساة الطفولة الفلسطينية بصدق إنساني نادر وعمق وجداني لافت، وهو ما استقطب إعجاب النقاد والجمهور على حدٍّ سواء.
وأشاد المتابعون كذلك بالموسيقى التصويرية التي أبدعها الملحن أمين بوحافة، معتبرين أنها أضافت بُعدا عاطفيا ثريا عزّز تأثير المشاهد وضاعف وقعها في الوجدان، في تناغم تام بين الصورة والصوت والمعنى.
وسبق لهذا الفيلم أن راكم رصيدا دوليا حافلًا من التكريمات والاعترافات، ما يجعله أحد الأعمال الأكثر تأثيرًا وحضورا في السنوات الأخيرة.
وأحرز الأسد الفضي في الدورة الثانية والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي الدولي، رفقة ست جوائز موازية أخرى، قبل أن يُتوَّج بجائزة 'أكثر فيلم قيمةً' في مهرجان 'السينما من أجل السلام' بالعاصمة الألمانية برلين.
وتعزّز حضوره الأكاديمي حين وصل إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار، كما نال جائزة لجنة التحكيم الشرفية خلال فعاليات الدورة السادسة والثلاثين من أيام قرطاج السينمائية، حيث تُوّجت الفنانة سجى الكيلاني بجائزة أفضل ممثلة عن دورها المؤثر في الفيلم، في شهادة على التميز الجماعي لهذا المشروع السينمائي الجريء.
يُؤكّد 'صوت هند رجب' بجلاء أن السينما ليست ملهاةً وتسليةً عابرة، بل أداة مقاومة ثقافية وإنسانية قادرة على حمل أصوات الضحايا إلى أصقاع العالم، وإعادة طرح القضايا الكبرى في المحافل الدولية بلغة بصرية راقية تتجاوز الحواجز السياسية وتخترق القلوب قبل العقول.
وفي مسار إبداعي موصول، تواصل المخرجة كوثر بن هنية ترسيخ اسمها بوصفها صوتا سينمائيا أصيلا لا يهاب المساءلة ولا يتهرب من المواجهة، وإن اختارت الصورة الشعرية والتخييل الجمالي طريقا بديلا عن البيان المباشر. وقد غدا هذا الفيلم في جوهره وثيقة فنية نادرة تلتقط لحظة مؤلمة من الذاكرة الإنسانية المعاصرة، وتُخلّدها في وعي الأجيال القادمة.
وبهذا التتويج الفني والإنساني، يُسجّل 'صوت هند رجب' اسمه في سجل أعمال السينما التونسية والعربية التي أثرت المشهد الثقافي العالمي، وجعلت من الفن جسرًا بين الألم والأمل، وبين الذاكرة والمستقبل.