صورة المثقف الجزائري بين الماضي والحاضر

في غياب مشروع فكري جامع، وجدت الدولة العميقة فرصتها. لم تواجه المثقفين، بل احتوتهم: يساريًا بالفتات، وإسلاميًا بالمناصب، وإعلاميًا بالمنصات.

ليست الثقافة ترفًا لغويًا، ولا تكديس معلومات، ولا مهارة كتابة. الثقافة، في معناها الجوهري، هي وعي بالذات، وبالتاريخ، وبالمصير، وقدرة على تحويل المعرفة إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية.

المثقف ليس من يقرأ كثيرًا، بل من يرى أبعد، ويخاطر أكثر، ويدفع ثمنًا أعلى. بهذا المعنى، فإن الأزمة الثقافية في الجزائر ليست أزمة إنتاج، بل أزمة معنى ووظيفة.

كثُر الكُتّاب، وقلّ المثقفون. قبل ثورة التحرير، لم يكن المثقف الجزائري كائنًا محايدًا. كان الشيخ، والمعلم، والصحفي، والشاعر، والمناضل، يتحركون داخل أفق واحد: التحرر أو الفناء. لم تكن الثقافة مهنة، بل مقاومة. لم يكن السؤال: ماذا أكتب؟ بل: لماذا أكتب؟ ولمن؟

في زمن الثورة، تماهى القلم مع البندقية. لم يكن المثقف يبحث عن الاعتراف، بل عن الخلاص الجماعي. وكانت الخسارة الفردية مقبولة إذا استعاد الوطن معناه.

بعد الاستقلال، بدأ الانفصال الصامت. دخلت الإيديولوجيات بوصفها بدائل جاهزة عن التفكير الحر: قومية بلا نقد، اشتراكية بلا عدل، حداثة بلا جذور، ثم ليبرالية بلا سيادة... تحوّل المثقف من شاهد على الحقيقة إلى موظف داخل خطاب. وهنا بدأت الخسارة الكبرى: خسارة الاستقلال الفكري.

اليسار الجزائري: من نقد الاستعمار إلى قطيعة الهوية

مثّل عدد من المثقفين اليساريين الجزائريين لحظة نقدية مهمة في تفكيك الاستعمار وبُنى السلطة، لكن مشروعهم تعثّر حين تحوّل النقد إلى قطيعة مع المرجعية الحضارية للمجتمع. في كثير من نصوصهم جرى اختزال الدين في كونه عائقًا تاريخيًا، والنظر إلى الهوية بوصفها عبئًا لا موردًا، والتعامل مع المجتمع ككتلة متخلّفة تحتاج إعادة تشكيل لا حوارًا.

هذا المسار أنتج مثقف ادّعاء: يتحدث باسم التقدم، لكنه معزول عن وجدان شعبه، ينتقد السلطة، لكنه يحتقر المجتمع؛ يستعمل لغة تحررية، بينما يمارس وصاية فكرية.

أما ما يُسمّى بـ"المثقف الفرنكوبربري"، فقد ذهب أبعد: قطع مع العربية، وشيطن الإسلام، واستبدل الاستعمار العسكري باستعمار رمزي لغوي وثقافي، فصار خطابه مفهومًا في الخارج... وغريبًا في الداخل.

الإسلامية: حين تتحوّل الفكرة إلى قفص الراديكالية

في الجهة المقابلة، ظهر المثقف الإسلامي الراديكالي، لا بوصفه حامل مشروع حضاري، بل كحامل إيديولوجيا شمولية: قراءة أحادية للدين، رفض للتاريخ وتعقيده، اختزال السياسة في التمكين، والعقل في النقل المجتزأ...

هذا النموذج لم ينضج فكريًا، ولم يبنِ مشروع دولة، بل أنتج خطاب تعبئة لا خطاب بناء. ومع الوقت، سقط كثير منه في الأنانية والمصلحية، وتحوّل من معارض إلى أداة.

الدولة العميقة: حين دُجِّن الجميع

في غياب مشروع فكري جامع، وجدت الدولة العميقة فرصتها. لم تواجه المثقفين، بل احتوتهم: يساريًا بالفتات، وإسلاميًا بالمناصب، وإعلاميًا بالمنصات... فُضّلت الولاءات على الأفكار، والصمت على المواجهة، والمنفعة على المبدأ. هكذا فُصلت الثقافة عن السياسة، وغابت السياسة عن الفكر. فأصبحنا أمام معادلة خطيرة: سياسي غير مثقف، ومثقف غير سياسي.

مشهد الضياع: صورة سيريالية للواقع

المشهد اليوم سيريالي بامتياز: جامعات بلا مشروع، إعلام بلا ضمير، نقاشات بلا أفق، ونصوص بلا أثر. الجميع يتكلم، ولا أحد يغيّر. الجميع ينتقد، ولا أحد يدفع الثمن. إنه تيه ثقافي؛ لا سببه قلة العقول، بل غياب البوصلة.

الجذر العميق للأزمة

الجذر الحقيقي للأزمة هو غياب فكر مؤسِّس: فكر يجمع بين الروح الإسلامية والعقلانية النقدية، يحدد الهوية دون انغلاق، ويبني الدولة والاقتصاد والسياسة على معنى لا على ردّ فعل. لا يسار بلا عدالة روحية، ولا إسلام بلا عقل تاريخي، ولا دولة بلا أخلاق.

بين الهزيمة الأخيرة وفرصة النجاة

الثقافة لا تعيش بلا خطر. والمثقف الذي لا يخاطر لا يصنع تاريخًا، بل يدوّن هوامشه. إن لم تستعد الثقافة الجزائرية شجاعتها الأخلاقية، سيظل المثقف شاهدًا صامتًا على انحدار لم يصنعه وحده... لكنه لم يمنعه أيضًا. وذلك، في ذاته، شكل آخر من الهزيمة.