صورة فرنسا المثقوبة!

ما سأرويه لكم في هذا المقال المختصر، ليس من نسج الخيال، ولا محاولة مني لتشويه صورة فرنسا، ولا سردًا لقصص عن حقبتها الاستعمارية المسعورة، وما فعلته في الجزائر، وافريقيا، في القرن الماضي...

بل هو واقع معاش في فرنسا الحالية، حيث الحضارة والمدنية، والعدل والمساواة، والأخوة والتسامح... وحقوق الإنسان.

لا تسألوني في نهاية المقال ووقتما تسللت الأسئلة الى أذهانكم: لماذا اخترت فرنسا عن غيرها؟ أرجوكم.

وللإجابة عن سؤالكم المفترض: لو وجدت وطنا عربيا يأويني ما وضعت أقدامي فيها، ولو أجد اليوم وغدا وطنا عربيا يتحملني... سأركب أول طائرة وأغادر فرنسا دون تردّد.

بالمختصر: أعطي لي سكن سنة 2006 في حي جديد النشأة، ومن الأحياء الجميلة، فرحت ومن معي أيما فرح بعد 5 سنوات من المعاناة والانتظار، ولكن فرحتي بالسكن لم تدم طويلا، وتحولت خلال شهر واحد الى كابوس ظل يطاردني خلال 12 عاما، وهذا ما جعلني أعنون مقالي هذا بـ "صورة فرنسا المثقوبة".

في عزّ الصيف، حدث تسرب للمياه عبر السقف، ما جعلني أتصل بالجار الفرنسي. وعندما فُتح الباب، رأيت بركة من الماء وسط البهو، ولاحظت زوجته تقوم بعمل سحب الماء، ما جعلني أتفهم الأمر وأقبل بالواقع المحتوم بعد الاعتذار الذي قدم لي.

تكرّر الأمر عدّة مرات، فاتصلت بالمؤسسة المشرفة على السكنات، عن طريق المسير الأول، وكنت أعتقد أنهم سيتحركون بسرعة كما عهدت ذلك في أماكن أخرى، الاّ أنهم تباطأوا، وظل الأمر دون تدخل حاسم، الى أن بدأ جزء من السقف يتهاوى. ملاحظة: "السكن جديد".

كرّرت اتصالاتي بالمؤسسة المشرفة على السكنات، الاّ أنه في كل مرة أجابه بالتجاهل. وفي إحدى المرّات ذهبت الى المؤسسة وصرخت في وجه المسؤولة، ما جعل مدير المؤسسة يأتي مهرولا من مكتبه، ويطلب مني أن أهدأ... بعدما تعرف على القضية، وعدني بحل المشكلة في أسرع وقت، وبالفعل، أرسل مختصًا وقام بإصلاح المكان المهلهل وغير دهن الصالون.

اعتقدت أن مشكلتي حلّت، وبعد شهر ين فقط، عاد تسرب الماء من جديد، وبقيت أشتكي كل مرّة.

أصبح الموظف المسير للسكنات كلما يراني، يرفع يديه معتذرًا متأسفًا...قائلاً قبل أن أسأله: أعلم السيد نورالدين أنك على حق، ولكن ليس بيدي حيلة.

منذ عام ويزيد، جاءت لجنة خبراء للمعاينة، وفهمت أنهم لم يستطيعوا تحديد الخلل مع أنه واضح بالنسبة لي، وهذا يرمي المسؤولية على الآخر بسبب التأمينات، وبقي ملفي طيّ النسيان.

قبل أشهر، تغيرت المسؤولة، وجاء المسير للسكنات الذي هو الآخر خلف المسير الأول، مبشرًا بأن قضيتي ستحل في أقرب وقت. سألته: هل يعقل أن تعجز فرنسا عن تسوية ثقب وفرنسا ما فرنسا؟ كان متأثرا جدا من وقع السؤال.

في الوقت الذي تحوّل فيه الحي الذي أسكنه الى مدينة، ولد ولدي الأخير، وكبر مع هذا الثقب، وهو الآن يدرس في المدرسة التي لم تكن مبينة أصلا، وقد بنيت الآلاف من السكنات حولنا، وبعض الحدائق، وفتحت مراكز تجارية، وسكنات جامعية، دشن خط جديد للميترو، وانطلقت أكبر طائرة ايرباص في العالم، والترامواي، كما تغير عدة رؤساء في فرنسا ورؤساء البلدية، ونشأت أجيال وذهبت أخرى، لا يزال الثقب موجودا!

لقد أصبح هذا الثقب بمثابة التعذيب النفسي، ويشبه الى حدّ بعيد وضع السجناء في زنزانة.

لا أقول أن الفرنسيين كلهم يتعاملون بهذا الشكل، ليس تدليسا على الناس ولا تلبيسا، وإنما هذه هي الحقيقة. هناك عنصرية مقيتة وتمييز وراءه أناس ندفع ثمنه كل يوم.

فكما درست في الجامعة، ودرس أبنائي وأخذوا أعلى الشهادات... ظل هذا الثقب ينغص عيشنا في المناسبات المختلفة... وعليه:

مهما وصلت فرنسا من تطور وتكنولوجيا وعلم وحضارة، سيبقى هذا الثقب يشوه صورتها في العالم... ما لم يتم اصلاحه.