صيحة فزع من الانقطاع المبكر عن الدراسة في تونس

الانقطاع عن التعليم في عمر مبكر ظاهرة عالمية، ومن أبرز أسبابها الفقر والحروب ونقص كفاءة الاطار التربوي، وخبراء يطالبون باجتثاث عوامل نفور التلاميذ من المدارس في تونس.


معضلة الانقطاع عن الدراسة تخف شدتها في الدول المتقدمة


الحكومة التونسية ستطلق مشروع 'مدرسة الفرصة الثانية' لإعادة تأهيل المنقطعين عن التعليم

كان زياد أحد زملائي في المدرسة الإعدادية بالحردوب بمدينة فريانة وسط غرب تونس، وهي مدينة حدودية تتبع محافظة القصرين، إذ اشتهرت منذ أواخر الثمانينات وبداية التسعينات بالتهريب مصدرا لرزق أغلبية سكانها. لم يكن زياد من أصيلي المنطقة، فقد ولد في إحدى المناطق الريفية القريبة من المدينة قبل أن ينتقل مع أبويه إلى المدينة، بعد أن بدأت الظروف الاقتصادية للأرياف تتدهور شيئا فشيئا بسبب توجهات الدولة الداعمة للسياحة والمهملة للفلاحة في التسعينات، درسنا معًا إلى السنة التاسعة للتعليم الأساسي، كان شابًّا ذكيًّا جدًّا ومرحًا، حيث تميَّز بنباهة تجعله جاهزًا دائمًا للإجابة عن أسئلة الأستاذ في القسم، حتى أن أحد الأساتذة أطلق عليه لقب "القرش" بسبب مستواه الجيّد في المواد العلمية والأدبية على حدٍّ سواء، وهي ميزة قلَّما تجدها عند عموم التلاميذ، ورغم غيابه المتكرر، إلا أن ذلك لم يؤثر على تحصيله الدراسي ونتائجه، فقد حصل على معدل 16 من 20 في آخر سنة 1999.
في بداية السنة الدراسية التالية، فوجئت بانقطاع زياد عن الدراسة، وهو قرار لم أجد له أي مبرر! كان تفسيره -آنذاك- أن "الدراسة ستجعل منك عاطلًا عن العمل، وإيطاليا هي المستقبل". في تلك السنوات، بدأت مظاهر بطالة أصحاب الشهادات العليا في تونس تبرز شيئًا فشيئًا، والذين صاروا يضطرون إلى اللجوء للأعمال الحرة لتحصيل قوت يومهم، ممّا أثر على مستقبل عددٍ كبير من التلاميذ، اختار بعضهم الانقطاع عن الدراسة، بينما اختار البعض الآخر التوجه إلى شُعَبٍ ذات مدة دراسية قصيرة، لكن مع ضمان العمل بعد التخرج، رغم أن معدلاتهم تؤهلهم لاختصاصات "أرقى" مثل الطب والهندسة، لم تمضِ سنة على انقطاعه عن الدراسة، حتى قُبِض على زياد بتهمة تعاطي المخدرات. صدمني الخبر كثيرًا، أمضى زياد سنة كاملة في السجن، ثم خرج وانعطف إلى الجريمة والممنوع، حتى أنني عندما أردت الحديث إليه في إطار هذا التحقيق، وجدته في السجن مجددًا.
يبحث هذا التحقيق في مدى عمق ظاهرة الانقطاع عن الدراسة وانتشارها في تونس، والأسباب الحقيقية لانقطاع أكثر من 100 ألف من التلاميذ سنويًا عن الدراسة.
في إطار البحث لإجراء هذا التحقيق، انتقلنا إلى مدينة فريانة حيث يقطن زياد. لم نجده، ولكننا وجدنا الكثير غيره ممن انقطع عن الدراسة بدورهم. وزادتهم بطالة أصحاب الشهادات الجامعية اقتناعًا بصحة قراراتهم، إذ تصل نسبة البطالة في تونس إلى ما يعادل 16%، بينما نجد نسبة العاطلين/ات عن العمل من أصحاب الشهادات في حدود 30%. هذه الأرقام دفعت حمودة ذا الثمانية عشر ربيعًا بدوره إلى الانقطاع عن الدراسة قبل سنتين. لكن هل تقتصر ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة فقط على تونس؟
ظاهرة عالمية رغم اختلاف البيئة
حسب تقرير لمنظمة اليونسكو لسنة 2018، وصل عدد من انقطع عن الدراسة حول العالم إلى حوالي 258 مليونًا من الأطفال والشباب، منهم 59 مليونًا من الأطفال من انقطع في المرحلة الابتدائية. يرى الباحث في علم الاجتماع المنصف وناس أن ظاهرة الانقطاع المدرسي ظاهرة عالمية لا تقتصر على بلدٍ بعينها. فجميع المجتمعات  -بما في ذلك المجتمعات المتقدمة- تعرف حالات من الانقطاع، ويضيف: "الدليل على أن الظاهرة عالمية أن هناك من يتحدث عن نسبة انقطاع تصل إلى 10% في الولايات المتحدة.  وهناك من يتحدث عن 12% في فرنسا. إنها ظاهرة مجتمعية عالمية لا تخص تونس فقط، إذ أن التفاوت يكمن في طبيعة البيئة، ويشمل مصير المنقطع(ة) بعد الانقطاع، الذي يصبح مجهولًا في الدول الفقيرة".
أما فيما يتعلق بسنة 2020 فقد أدخلت جائحة كوفيد-19 العالم في مرحلة خطيرة، قالت ليلا بيترس رئيسة مكتب تونس لمنظمة اليونيسف إنه بمجرد تواجد 1,5 مليار من التلاميذ خارج مقاعد الدراسة، فإن ذلك يجعلنا نطلق صيحة فزع. وأضافت: "جائحة كوفيد-19 سببت أيضًا أزمة لقطاع التعليم، حيث لم تواجه الإنسانية على مر تاريخها شيئًا مشابهًا. اليوم نحن في أزمة حقيقية ويجب على جميع الدول بذل جهودها من أجل إعادة فتح المدارس والمعاهد". 

حسب تقرير لمنظمة اليونيسف تحتل الحروب المراتب الأولى في قائمة الأسباب الرئيسية والمباشرة لظاهرة الانقطاع عن الدراسة،  في 2017 أعادت الحرب الدائرة في سوريا واليمن والعراق الشرق الأوسط إلى واقع سنة 2006 فيما يتعلق بعدد من انقطع عن الدراسة، تقول ليلا بيترس: "لدينا عدد كبير من الأطفال المنقطعين عن الدراسة في الشرق الأوسط. الأزمة في سوريا واليمن خلَّفت الكثير من الضحايا، وللأسف الأطفال هم أول الضحايا، حيث إن أول حق تغتصبه الحرب لديهم هو حق التعلم".
تونس: أكثر من مليون منقطع خلال العِقد الأخير 
يخطئ الكثير في تونس حين يعتقدون أن الرقم الكبير للمنقطعين/ات عن الدراسة ناجم عن الثورة وتداعياتها. بل إن ظاهرة الانقطاع عن الدراسة قد بدأت منذ أواخر السبعينات وبداية الثمانينات. وإن كانت دائمًا ظاهرة سلبية بتداعياتها الوخيمة على بنية المجتمع، إلا أن لهذه الظاهرة في تونس إيجابية واحدة تتمثل في الاستقرار. فبالنظر إلى تقارير وزارة التربية نجد أن عدد من انقطع عن الدراسة في مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي العام والثانوي في السنة الدراسية 84/1985 يصل إلى ما يقارب 92983 منقطعًا ومنقطعة، وفي المقابل وصل عدد من انقطع في السنة الدراسية 17/2018 إلى ما يقارب 104043 منقطعًا ومنقطعة. 100 ألف منقطع(ة) عن الدراسة في تونس هو رقم كارثي حسب الخبراء، ولكنه مستقر منذ 40 سنة.
يقول وزير التربية محمد الحامدي أن السلطات التونسية لا تخفي قلقها من تنامي ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة، كما يؤكد أن خطورة الظاهرة تكمن في البدائل التي يجدها التلميذ بعد الانقطاع والتي تعتبر غير كافية، وإن وجدت، فهي غير فعالة: "إذا فشل التلميذ في التعليم، فقد وصل إلى طريق مسدود".

رسم
آثار سلبية للانقطاع المبكر عن الدراسة

لماذا يهجر الأطفال مقاعد الدراسة في تونس؟ تختلف قصص المنقطعين، وتتعدد الأسباب التي دفعتهم للانقطاع. فبعد سنة كاملة من الانقطاع عن الدراسة لايزال حمودة سعداوي ذو الـ18 سنة مصرًّا على رأيه ومقتنعا اقتناعًا كاملًا بالقرار الذي اتخذه. يروي حمودة تفاصيل القرار قائلًا: "كنت أدرس بالسنة الثانية من التعليم الثانوي عندما قررت الانقطاع عن الدراسة، في كل مرة ذهبت في أوقات الفراغ لمساعدة أبي في المقهى الذي يمتلكه، كنت ألاحظ الكم الكبير من العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا الذين يأتون إلى المقهى. هناك العشرات من العاطلين عن العمل ومن أصحاب الشهادات يضطرون إلى قضاء يوم كامل في المقهى. وبسبب هذا المشهد المأساوي، بدأت تقفز إلى ذهني أفكار تتعلق بالانقطاع عن الدراسة، حيث فاتحت أبي في الموضوع فوجدته بدوره يفكر في الموضوع، وهنا جلسنا وتحدثنا، وأقنعني واتفقنا على الانقطاع في آخر السنة".  
 حصل حمودة على معدل 13 من 20 في السنة التي انقطع فيها، وهو معدل يدل على مستوى فوق المتوسط. لكن كان قرار الانقطاع بالنسبة إليه ناتجًا عن التفكير في المستقبل، لا صعوبة الدراسة ولا الامتحانات.
يقول منير حسين عضو الهيئة المديرة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية،  والمشرف على الدراسة التي أعدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية  حول الانقطاع المدرسي بعنوان "الانقطاع المدرسي الإرادي - الظاهرة والأسباب: "إن المنوال التنموي الحالي -إضافة إلى إنتاجه إلى آلاف العاطلين- إقصائي بالأساس، سواء بين الشرائح الاجتماعية، أو بين المناطق". ويضيف: "عند دراسة ظاهرة الانقطاع المدرسي الإرادي في مسارات التعليم، نجد أن نسبة التلاميذ الأكثر انقطاعًا تنتشر داخل الشرائح الأكثر فقرًا، وهم المقصون اجتماعيًّا. وفي دراستنا، وجدنا أن الأطفال المنقطعين في السنة الدراسية 12/2013 ينتمون إلى الشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة". 
أنتج المنوال التنموي فوارق اجتماعية كبيرة، فعند مقارنة مدرسة في منطقة المرسى أو قرطاج بمدرسة في مدينة حاسي الفريد من محافظة القصرين، أو مدرسة بمدينة فرنانة من محافظة جندوبة، سنلاحظ فرقًا كبيرًا على كل المستويات. لقد أثر المنوال التنموي على المنظومة التربوية المنتجة لآلاف العاطلين عن العمل.
وتنبئ توقعات الخبراء أن نسبة البطالة قد ترتفع من 16% إلى 19% بسبب جائحة كوفيد-19، وأثَّر ارتفاع معدلات البطالة سلبًا على الكثير، مثل حمودة سعداوي. يفسر باحث علم الاجتماع المنصف وناس تأثير نسبة البطالة على واقع التلاميذ في المدارس قائلًا: "اليوم ما يفوق 6000 دكتور بلا عمل. لهذا، طبيعي أن تولد هذه الظاهرة المتطرفة تطرفًا آخر يتمثل في النفور من المدرسة".
منذ انقطاعه عن الدراسة قرر حمودة خوض غمار تجربة جديدة، وهي الخضوع لتدريب في اختصاص "كهرباء المنازل "، حيث يقضي يومه بين مركز التدريب والمقهى لمساعدة والده والمنزل. هذا الروتين يجعل حمودة سعيدًا بقراره قائلًا: "بعد سنوات، سأحصل على عمل، وسيبقى الحاصلون على شهاداتٍ عاطلين عن العمل، أعرف شخصين حصلا على شهادة الدكتوراة يعانيان اليوم من البطالة وبالنسبة للمستوى الثقافي، فإن المدارس والمعاهد لم تعد مصدرًا للثقافة، وهناك الإنترنت مثلًا". يتحدث حمودة عن أحلامه القديمة باستهزاء، حيث كان شغوفًا بالتعليم، لكنه يستدرك: "اليوم بعدما اكتشفت الواقع، أصبحت أقصى أحلامي أن أحصل على عمل محترم".
المستوى الدراسي لأولياء التلاميذ
يضطر حمودة كل يوم إلى الذهاب إلى مقهى والده عبدالرؤوف سعداوي (50 سنة) لمساعدته، والذي انقطع بدوره أيضًا عن الدراسة في المرحلة الابتدائية بسبب الظروف الصعبة التي اضطرته إلى ترك مقاعد الدراسة، والتوجه للعمل لتوفير لقمة العيش. إضافة إلى عمله في المقهى، يعمل عبدالرؤوف كفلاح، إذ يمتلك قطعة أرض يحاول من خلالها مضاعفة دخله حتى يستطيع السيطرة على نفقات عائلته الصغيرة، بسبب ما وصفه بموجة الغلاء التي تجتاح البلاد. 
لم يتجاوز عبدالرؤوف المرحلة الابتدائية قبل أن ينقطع عن الدراسة. وبغض النظر عن الظروف التي دفعته إلى الانقطاع، تُعرَض علاقة مستواه الدراسي بانقطاع ابنه حمودة في تقرير مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية الذي صدر في ديسمبر 2017 بعنوان "الانقطاع المدرسي في المجتمعات - تجارب ومقاربات". يحصي التقرير مجموعة الأخطار التي تحدق بالتلاميذ، وما يتعلق بالأسرة منها عوامل خطر ديناميكية - والتي تتمثل في أسلوب الوالدين في التربية والـتأطير والالتزام والدعم، وعوامل خطر وسيطة  تتمثل في الدور التربوي للوالدين، و-أخيرًا- عوامل خطر ساكنة تتمثل في ضعف الحالة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة، وبنية الأسرة (بنية مفككة أو متلاحمة)، وضعف المستوى التعليمي للوالدين. لكن دراسة صدرت عن جامعة تونس قد أكدت أن المستوى التعليمي للوالدين من أهم العوامل المباشرة لانقطاع الأطفال عن الدراسة. تؤكد الدراسة أن الآباء الذين لم يتجاوز مستواهم الدراسي المرحلة الابتدائية تصل نسبة انقطاع أطفالهم إلى 42% فيما تتراجع النسبة إلى 10% حينما يكون المستوى الدراسي للأب جامعيًا.

رسم
العائلة تحدد مصير ابنها في مجال التعليم

أقنع عبدالرؤوف ابنه حمودة بالانقطاع عن الدراسة بعد حوار عائلي طويل. ويعتبر هذا القرار بمثابة عملية انقاذ لابنه من براثن بطالة مستقبلية متوقعة. ويضيف: "بالنظر إلى ما يحدث في المعاهد اليوم حاولت إنقاذ ابني. وبالنظر إلى أعداد المتخرجين المتكدسين على أبواب المقاهي، حاولت أيضا إنقاذ ابني. لم أفكر في مستوى ابني الثقافي؛ لأن المعاهد لم تعد مكانًا للتعلم واستقاء الثقافة. فالانقطاع كان قراري، وأنا مقتنع تمام الاقتناع. ولكنني لم أفرضه على حمودة؛ فقد تحدثت معه طويلًا واقتنع بالفكرة".
الاقتصاد الموازي والربح السريع 
"انقطعت من أجل أن أضمن مستقبلي وأجد طريقًا آخر. فلا ضمنت مستقبلي، ولا وجدت طريقًا آخرًا". هكذا بدأ رضا حديثه عن تجربته في الانقطاع عن الدراسة. انقطع رضا محمدي (38 سنة) في سنة 1998، إذ كان الرسوب في السنة الثامنة للتعليم الأساسي هو أول الأسباب التي دفعته إلى التفكير في الانقطاع عن الدراسة. بعدها قرر التسجيل في مركز للتدريب، واختار تخصص نجارة الخشب؛ حيث قضى سنتين في مركز التدريب قبل أن يحصل على شهادة في نجارة الخشب. لكنه إلى اليوم لم يستغل تلك الشهادة ولو ليوم واحد. يقول رضا مفسرًا: "المشكلة أن بعد الحصول على الشهادة، يجب عليك التدريب عند أحد النجارين أصحاب المحلات وبأجر رمزي. تصور أنني سوف أقضي سنتين وأنا أحصل على ملاليم فقط (في ذلك الوقت، لا يتجاوز الأجر اليومي 1,6 دولار) من أجل أن أحصل في النهاية على تأكيد من ذلك النجار أنني أصبحت جاهزًا للعمل. وظروفي لا تسمح بالانتظار لسنتين". اختصارًا للوقت قرر رضا البحث عن عمل في مجال البناء بحكم أنه من أكثر القطاعات التي تتوفر بها فرص للعمل.
إلى جانب عمله في قطاع البناء، يعمل رضا محمدي في التهريب؛ حيث يحصل لقاء ساعتين من العمل على أجرة تتراوح بين 10 و20 دولارًا، وهي أجرة عمل أسبوع كامل في قطاع البناء. هذا الربح السريع دفع بالكثيرين إلى هجرة المدارس والمعاهد نحو التهريب والاقتصاد الموازي، الذي أصبح يمثل 50% من الاقتصاد الرسمي. يعتبر باحث علم الاجتماع المنصف وناس العمل بالتهريب سببًا رئيسيا للانقطاع عن الدراسة. فحسب رأيه، هناك فئات تلمذية لديها الإمكانيات النفسية والاجتماعية للاندماج بسرعة في الاقتصاد الموازي والتهريب. وتصبح هذه الفئات ثرية في سنوات قليلة. وهكذا يصبح المجال المدرسي غير مغرٍ، طالما أن التهريب يدرُّ أموالًا أكثر. في المقابل، يرى وزير التربية محمد الحامدي أن رغم مجانية التعليم في تونس، إلا أن بعض العائلات في لحظة ما تصبح غير قادرة على تعليم أبنائها، ويضيف الحامدي: "عدم القدرة يمكن أن يتمثل في عدم القدرة العائلات على تعليم أبنائها، كما يمكن أن يتمثل في دفع الأبناء إلى العمل لتلبية احتياجات معينة. هناك أطفال ينقطعون عن الدراسة، ويقع تشغيلهم بصفة غير قانونية".
 كان التهريب مقتصرًا على المحافظات الحدودية حتى سنواتٍ قليلة قبل الثورة، قبل أن يبدأ بالتوسع شيئًا فشيئًا إلى المناطق الأخرى، ويصل إلى العاصمة؛ لتصبح الأسواق التي تبيع المواد المهرَّبة لا تبعد سوى مئات الأمتار عن وزارة الداخلية. بعد الثورة، أصبح التهريب واحدًا من التحديات الكبرى للحكومات المتعاقبة. بل إنه ساهم في خلق برجوازية جديدة، يطلق عليها بعض الخبراء اليوم برجوازية المهربين أو الأطراف بعد أن تمكنوا من جمع ثروات طائلة من تهريب مواد كثيرة مثل النحاس وقطع الغيار والحديد، إضافة إلى تهريب الممنوعات. بروز أثرياء التهريب أغرى كثيرًا من الشرائح في تونس بسلك هذا الطريق. 
اليوم مرت ثماني عشرة سنة على انقطاع رضا عن الدراسة. ويصف شعوره اليوم قائلا " أشعر بالندم طبعا. لقد تسرعت كثير ا في القرار. وأريد أن أذكر أن الندم مرتبط دائما بالوضع المادي، فلو كان وضعي المادي حاليا جيدا لا أعتقد أنني سأندم على مغادرة الدراسة".  
الانقطاع عن الدراسة بعيون التربويين
يطلق على مدرس المرحلة التحضيرية والابتدائية لقب "المربِّي" لأن وظيفته تتجاوز التعليم والتلقين إلى التربية بجميع مناحيها. نبيل علي واحد من الذين يفضلون هذا اللقب، ويعتبرونه فخرًا. مضى عليه أكثر من 18 عامًا في قطاع التعليم، ويعتبر نفسه متخصصًا في تدريس السنة الأولى من المرحلة الابتدائية. يروي نبيل بمرارة عن انقطاع أحد تلاميذه عن الدراسة في السنة الأخيرة من المرحلة الابتدائية قائلًا: "اكتشفت في بداية السنة أن هناك أحد التلاميذ المشاغبين في القسم. كان غيابه متكررًا؛ فبدأت بالتقرب منه عبر إشراكه في التمارين والحديث معه. وبعد مجهود كبير، لم يعد يتغيَّب؛ إذ عادت إليه حماسة التعلم. ثم فوجئت بعد أسبوع بأنه انقطع عن الدراسة، لماذا؟ لأن أحد المربين عامله بقسوة. وقال له "الأفضل لك أن تنقطع عن الدراسة وتذهب للعمل في التهريب ما دمت غير مجدٍ في المدرسة ". وهنا يمكن أن نلمس دور الإطار التربوي في عملية التأطير".
يقضي التلميذ(ة) التونسي(ة) 11 سنة من عمره(ا) في دراسة جميع المواد قبل اختيار اختصاص معين في السنة الثالثة للمرحلة الثانوية والباكالوريا. وهو نظام تراه رئيسة مكتب اليونيسف في تونس غير مجدٍ: "ليس كل التلاميذ لديهم القدرة على دراسة جميع المواد لسنوات طويلة. ففي سويسرا -مثلًا- عدد قليل جدًّا من التلاميذ يختارون دراسة جميع المواد (جذع مشترك)؛ حيث إن الغالبية العظمى تختار الدراسات التقنية والمهنية". وهو رأي يتفق عليه معها المربي نبيل علي، الذي يرى أن العالم اليوم يعتمد على السرعة، وفي تونس رحلة التلميذ(ة) من السنة الأولى للمرحلة الابتدائية إلى الحصول على شهادة جامعية رحلة طويلة جدًّا.
خلال دراستنا لنسب الانقطاع بين المستويات، وجدنا أن نسبة الانقطاع ترتفع في السنوات الانتقالية - وهي السنة السابعة (أول سنة بعد الانتقال من المدرسة الابتدائية إلى المدرسة الاعدادية)، والسنة الأولى للمرحلة الثانوية، والسنة النهائية أو الباكالوريا التي باجتياز امتحانها الوطني يصبح التلاميذ طلابًا وينتقلون من التعليم الثانوي إلى العالي. في جميع المستويات، تفوق نسبة الذكور المنقطعين نسبة الإناث إلا في الباكالوريا؛ حيث تصبح نسبة انقطاع الإناث أكثر. وفقًا للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن نسبة الانقطاع الأكبر كانت في المرحلة الابتدائية. وبعد صدور قانون 2002، الذي يمنع الانقطاع من سن 6 سنوات إلى سن 16 سنة، أصبح الأطفال ينقطعون بعد تجاوز سن 16 سنة. يقول عضو الهيئة المديرة للمنتدى منير حسين: "بطريقة ما، أجَّل قانون 2002 الانقطاع من الابتدائي إلى الأساسي؛ ولكنه لم يكافح الظاهرة. أما في السنوات الأخرى، فإن تغيير المؤسسة التعليمية بدون إحاطة نفسية ينتج عنه آثارٌ نفسية كبيرة لدى التلاميذ مما يدفع بهم إلى الانقطاع ".
سوسيولوجيًا، وحسب باحث علم الاجتماع المنصف ونَّاس، فإن سنوات التخرج تولد غالبًا حالة من الخوف وإمكانية الإخفاق لدى التلميذ(ة)، والعديد من الشرائح التلمذية تغادر خشية مواجهة الامتحانات. وحسب ونَّاس، نجد التلاميذ غالبًا يعيشون تجربة الانتقال من مستوى إلى مستوى بمفردهم بدون تأطير نفسي ومرافقة ذهنية، فيفضلون عدم المواجهة.

رسم
مشاكل في الاندماج مع التلاميذ أو مع المدرسة

من جهة أخرى علق حسين على تجربة المربي نبيل علي حول انقطاع أحد تلاميذه عن الدراسة قائلًا: "52% من الأطفال الذين ينقطعون ليست لديهم مشاكل فيما يتعلق بالدراسة. ولكن يعانون من مشاكل في الاندماج مع التلاميذ أو مع المدرسة أو إشكالًا في عدم القدرة على المتابعة، حيث إن بعض المربيين تنقصهم الخبرة والكفاءة للتعامل مع هذه الأمثلة".
الوجه الآخر للانقطاع - فوزي العطافي صانع الألعاب الخشبية
 عدم قدرة المدرسة على مواكبة التطور، ونقص كفاءة الإطار التربوي، وترهل البرامج التعليمية كلها أسباب دفعت بالكثيرين إلى مغادرة مقاعد الدراسة، ليس بهدف الانقطاع وحسب، بل من أجل البحث عن منصات أخرى للتعلم أكثر ديناميكية ومواكبة للتطور. فوزي العطافي واحد من هؤلاء الذين قدموا صورة مغايرة عن واقع الانقطاع عن الدراسة.
يقطن فوزي العطافي (30 سنة) في منطقة عين دراهم في محافظة جندوبة شمال غرب تونس. ورغم ما تحتويه تلك المنطقة من ثروة غابية ومائية، إلا أنها تعاني التهميش منذ 60 سنة، بعد انقطاعه عن الدراسة في سنة 2007، قضى فوزي أكثر من خمس سنواتٍ يعمل في قاعة للألعاب الإلكترونية قبل أن يقرر بعث مشروع يتخصص في صناعة الألعاب الخشبية. 
يتحدث فوزي بسعادة عن الطريق الذي سلكه لبعث هذا المشروع: "لم يكن الأمر سهلًا، فقد أمضيت سنتين وأنا أعمل وحدي في البيت دون أي نتائج قبل أن أقرر الدخول في دورة تدريبية لمنظمة ألمانية حول صناعة الألعاب الخشبية، وكانت تلك بداية الطريق، إذ تمكنت بعدها من الحصول على تمويل وبعث مشروعي الخاص".
يشارك فوزي اليوم في عدة معارض في الجمهورية التونسية، حتى أنه حصل على جائزة أكثر الأعمال إبداعًا في أحد المعارض التي شارك فيها، ويرى فوزي أن المشكلة ليست في الانقطاع عن الدراسة بحد ذاته بقدر ما هو في الخيارات المتاحة بعد الانقطاع عن الدراسة، التي يعتبرها مسؤولية الدولة، سواء في توجيه المنقطعين/ات أو مرافقة أصحاب المشاريع من الشباب.
من جانب آخر، تقول مديرة مكتب اليونيسف بتونس أن معضلة الانقطاع عن الدراسة تخف وطأتها في الدول المتقدمة، رغم أن الظاهرة عالمية، حيث إن السلطات في تلك الدول تضع خيارات كثيرة للمنقطعين/ات منها التدريب المهني. ورغم المشاكل التي تعانيها منظومة التدريب المهني، إلا أن فوزي العطافي استطاع خلق بديل جديد عن الدراسة.

  فوزي العطافي
فوزي العطافي استطاع خلق البديل الجديد عن الدراسة

اليوم، وبعد أكثر من 4 سنوات من العمل المتواصل، أصبح لفوزي العطافي ورشة تحتوي على جميع المعدات. كما نجح في خلق أكثر من خمس فرص عمل. كما أنه -ومن خلال إنتاجاته- يشارك في العديد من المعارض داخل الجمهورية، حيث يلاقي منتَجه قبولًا لدى السياح، مما دفعه إلى التفكير في الترويج لمنتجاته خارج البلاد.
حلول غير كافية في مواجهة ظاهرة متنامية 
يقول وزير التربية محمد الحامدي أن الدولة التونسية -لمواجهة ظاهرة الانقطاع- سعت إلى إرساء مشروع بالتعاون بين ثلاث وزارات - وهم وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة التربية، ووزارة التكوين والتشغيل: "عملنا على مشروع سينطلق قريبا أسميناه "مدرسة الفرصة الثانية" والذي ينطوي على فتح مراكز لإعادة تأهيل مجموعة من المنقطعين، وإعادة استقطابهم من خلال إخضاعهم إلى تكوين (تدريب) سريع وتشخيص وضعياتهم لإعادة توجيههم - سواء إلى مهن معينة، أو مراكز تكوين أخرى أو إعادتهم إلى مقاعد الدراسة". كما تؤكد ليلا بترس رئيسة مكتب اليونيسف بتونس أن منظمتها من بين المساهمين في المشروع، وأنه سيتم تركيز مركزين في العاصمة. وفي حال نجحت التجربة سيتم تعميم هذه المراكز في جميع ولايات الجمهورية.
في نقده لمساعي الدولة لمواجهة الظاهرة يقول باحث علم الاجتماع المنصف ونَّاس: "كان بالإمكان السيطرة على الانقطاع المدرسي. ولكن في تونس لا توجد آليات للسيطرة على الظاهرة، ولامؤسسات تستعيد الأبناء الفارين من الدراسة، وحتى ما سمي بالحملة الوطنية لاستعادة أبناء المدرسة - لم تكن ناجحة. ويبدو أنها تلاشت تدريجيًا ولم تنفذ أهدافها". كما يؤكد منير حسين أن المهم ليس إعادة الأطفال إلى المدرسة، ولكن الأهم هو القضاء على أسباب الانقطاع.
يقول الباحث الفرنسي تيبير ريمي إن ظاهرة الانقطاع عن الدراسة ظاهرة عالمية، حيث تبلغ نسبة الانقطاع في فرنسا 11.8%، وفي بريطانيا 12.5%، أما في إسبانيا فتبلغ 20%. ورغم هذه الأرقام، لا تعتبَر ظاهرة الانقطاع مرعبة في هذه الدول بسبب البيئة المهيئة للتلاميذ المنقطعين، الذين سيجدون مسارات كثيرة في حال انقطاعهم. من خلال إحصائيات سنة 2012 لأحد مراكز الإصلاح بتونس، تبين أن هناك 60% من الجانحين منقطعون عن الدراسة، وهو ما يثبت دور البيئة الاجتماعية في تحديد مصير التلاميذ المنقطعين. من خلال دراستنا لحالات كل من رضا محمدي وحمودة سعداوي وزياد، يمكن القول إن النتيجة التي خلص إليها هذا التحقيق تؤكد أن الانقطاع عن الدراسة ظاهرة خطيرة جدًّا على المجتمعات، ولكنها ليست بمستوى خطورة عامل البيئة التي يجدها المنقطع(ة) بعد مغادرته(ا) مقاعد الدراسة.
لم تسعَ الدولة التونسية إلى محاصرة الظاهرة من خلال خلق مسارات وحلول لمن انقطع، بل إن حلول إعادة المنقطعين/ات إلى مقاعد الدراسة -والتي تم العمل عليها منذ 2015- لم تلاقِ نجاحات كبيرة. والسبب أن إعادة منقطع انقطع عن الدراسة بسبب عدم قدرة المدرسة والإطار التربوي على احتوائه دون محاولة إصلاح المشاكل التي دفعته إلى الانقطاع لا يمكن أن تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة، وهي الانقطاع مرة أخرى. كما أن نظرة المجتمع إلى الدراسة على أنها عامل النجاح الوحيد في الحياة، والنظرة الدونية التي ينظَر بها إلى منظومة التدريب المهني على أنه مكان للفاشلين في الدراسة ساعدت على انهيار هذه المنظومة -رغم سيئاتها- وأفقدت الدولة البديل الوحيد الذي كان متاحًا للمنقطعين/ات. 
في مقارنة تونس ببعض الدول الأوروبية، يمكن اعتبار أن نسبة 10% للانقطاع عن الدراسة نسبة عادية، لكن الفرق أن هذه الدول وفي معالجتها للظاهرة بدأت بضرب أسباب الانقطاع، وذلك لإيقاف النزيف وإعطاء بدائل أكثر للمنقطعين/ات ليكونوا أكثر إفادة للمجتمع، حتى يجد شاب مثل فوزي العطافي أرضية ملائمة لتحقيق مشروعه من خلال  توفير التدريب والتمويل اللازمين، وحتى تكون القوانين أكثر مرونة مع شاب مثل رضا محمدي لمساعدته على استخدام شهادته في تدريب نجارة الخشب دون  هضم حقه في الحصول على أجر مناسب، وحتى تتوفر لحمودة سعداوي خيارات كثيرة ومساحة أكثر للاختيار دون الاضطرار إلى اختيار تدريب في تخصص "كهرباء المنازل" رغم أن لديه مستوى جيد فيما يتعلق بالوسائط وألعاب الفيديو، وحتى يمكن أيضًا للدولة والمجتمع الاستفادة من ذكاء زياد المسجون حاليًا.
قبل سنوات، كنت أشاهد برنامجًا لقناة تونسية خاصة يهتم بمداهمات الشرطة، وفي إحدى المداهمات التي تم عرضها، تمكنت الشرطة من القبض على مجموعة بتهمة ترويج المخدرات بإحدى المدن الساحلية، كان من بينهم زياد. وأنا أشاهد تلك اللقطات الحزينة، بدأت تمر في عقلي صور لذكريات بعيدة تتعلق بزياد، وتذكرت لوهلة كلمات وجهها الرياضيات إليه بعد ما سلمه ورقة الامتحان قائلًا: "زياد، لو كنا في مكان غير هذا المكان، وبيئة غير هذه البيئة، لكنت من النخبة وتعمل في أهم المراكز العلمية". لم نفهم معنى تلك الكلمات في ذلك الوقت. مرت سنوات طويلة، وأصبحت المراكز العلمية سجونًا متعددة. دخلها زياد، وأصبح المستقبل المشرق ذات شتاء في سنة 1999 إلى آخر غامض مظلم تحيطه الأسوار من كل جانب. تختلف أوضاع كل من زياد ورضا وحمودة، واختلفت أيضًا أسباب انقطاعهم، ولكنهم يشتركون في البيئة الاجتماعية، التي وجدوها بعد الانقطاع، والتي كانت تحديًا صعبًا لهم جميعًا، وتساهم في خلق واقعٍ خطير يهدد بمستقبلٍ أكثر خطورة.
هذا التحقيق مدعوم من منظمة كانديد في إطار أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.