ضاق خناق العقوبات على إيران فاختنقت دمشق

محللون يرجحون أن يلعب قطاع النفط والغاز دورا أساسيا في تمويل إعادة إعمار سوريا في حال تم التوصل إلى حل سياسي، لكن بشرط أن يضمن الأكراد الذين عانوا التهميش، احترام مصالحهم في هذا الشأن.



سنوات الحرب وضعت صناعة النفط السورية على حافة الانهيار


إيران أطالت عمر النظام السوري بالمال والنفط والدعم العسكري


لا خيار أمام دمشق إلا استعادة السيطرة على المناطق النفطية


دمشق قد تضطر لتسوية مع الأكراد لضمان تدفق النفط إليها


بيروت - مُني قطاع النفط والغاز بخسائر كبرى جراء النزاع المستمر في سوريا منذ ثماني سنوات، تقدّر بعشرات مليارات الدولارات، في وقت لا تزال فيه أبرز الحقول خارج سيطرة قوات النظام.

ولم تجد دمشق من منفذ لتغطية احتياجاتها من النفط للاستهلاك المحلي إلا حليفتها إيران التي كانت تزودها بشحنات من حين إلى آخر تساهم في تخفيف حدّة الأزمة والشح في الوقود.

لكن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي للعام 2015 وإعادة فرض عقوبات مشددة على طهران، قطع الشريان الحيوي لدمشق الوقعة بدورها تحت عقوبات أوروبية.

ونجحت العقوبات الأميركية على إيران في دفع الجمهورية الإسلامية لمراجعة تمويل وكلائها في المنطقة لتجد دمشق نفسها في ورطة لا مخرج منها إلا باستعادة السيطرة على المناطق النفطية في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد أو التوصل إلى تسوية تتيح لها الاستفادة من الحقول الخارجة عن نطاق سيطرتها.  

وتتقاسم قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية بشكل أساسي ثروات النفط والغاز، إذ تقع أبرز حقول النفط وأكبرها تحت سيطرة الأكراد فيما تسيطر دمشق على أبرز حقول الغاز.

وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية بشكل رئيسي في دير الزور (شرق) على حقول العمر، وهو الأكبر في البلاد والتنك وجفرا. كما تسيطر على الرميلان في الحسكة (شمال شرق) وحقول أصغر في الحسكة والرقة (شمال). ويقع حقلا كونيكو للغاز في دير الزور والسويدية في الحسكة تحت نطاق سيطرتها.

أكراد سوريا لا يملكون امكانات لتكرير النفط
أكراد سوريا لا يملكون امكانات لتكرير النفط

وفي المقابل تسيطر قوات النظام بشكل رئيسي على حقول الورد والتيم والشولة والنيشان النفطية في دير الزور وحقل الثورة في الرقة وحقل جزل في حمص (وسط). كما تُمسك بحقل الشاعر، أكبر حقول الغاز، وحقول صدد وآراك في حمص.

ولطالما شكل قطاع النفط والغاز مساهما رئيسيا في إيرادات الحكومة، إذ ساهم في العام 2010 بنسبة 35 بالمئة من عائدات التصدير وعشرين بالمئة من إيرادات الدولة، وفق تقرير لنشرة سيريا ريبورت الاقتصادية الإلكترونية.

ومع اندلاع النزاع عام 2011، تعرض القطاع لأضرار كبيرة نتيجة المعارك التي طالت حقوله والقصف الذي طال منشآته. وخسرت القوات الحكومية بعد بدء النزاع أبرز حقول النفط والغاز. وتزامن ذلك مع فرض الدول الغربية عقوبات اقتصادية واسعة على دمشق.

ومع تراجع الإنتاج جراء الأضرار، بلغت خسائر سوريا في قطاع النفط والغاز خلال سنوات النزاع، 74.2 مليار دولار، وفق ما أعلنه مؤخرا وزير النفط والثروة المعدنية علي غانم لوسائل إعلام رسمية.

وقبل النزاع، بلغ إنتاج النفط الخام نحو 385 ألف برميل يوميا مقابل 21 مليون متر مكعب من الغاز، ليصل عام 2016 إلى أدنى مستوياته مع ألفي برميل نفط يوميا ونحو 6.5 ملايين متر مكعب من الغاز، وفق الوزير.

وفي العام 2017 وإثر استعادة قوات النظام السيطرة على حقول حمص بعدما كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ارتفع الإنتاج بشكل محدود، وفق غانم، في هذه المنطقة إلى ما يقارب "17 مليون متر مكعب من الغاز و24 ألف برميل من النفط الخام".

إلا أن هذا الإنتاج لا يسدّ حاجة سوريا، بحسب غانم الذي يقدر حاجة بلاده يوميا إلى نحو 136 ألف برميل نفط. وبالتالي، فإن ما ينتج حاليا يشكل عشرين بالمئة من حاجة دمشق من النفط وما بين 60 و70 ب المئة من حاجتها للغاز.

قبل اندلاع النزاع في 2011 استثمرت عدة شركات دولية في نفط وغاز سوريا، إلا أنّ الغربية منها أُجبرت على الانسحاب لاحقا نتيجة عقوبات اقتصادية فرضتها دولها على النظام السوري

وقبل النزاع، استثمرت عدة شركات دولية في نفط وغاز سوريا، إلا أنّ الغربية منها أُجبرت على الانسحاب لاحقا نتيجة عقوبات اقتصادية فرضتها دولها على الحكومة.

ونتيجة الخسائر المتراكمة، باتت دمشق مجبرة على استيراد حاجتها من الدول الصديقة من خلال الالتفاف على العقوبات.واعتمدت بشكل رئيسي على خط ائتمان من إيران لتأمين حاجاتها من النفط.

إلا أن العقوبات الأميركية على طهران عقّدت الموضوع أكثر، فتوقف الخط الائتماني عن العمل. ولم تصل أي ناقلة نفط من أكتوبر/تشرين الأول 2018 حتى مطلع شهر مايو/أيار، وفق صحيفة الوطن المقربة من دمشق.

وأدخلت تلك العقوبات سوريا في أزمة محروقات اشتدت خلال فصل الشتاء وأجبرت الحكومة على اتخاذ إجراءات تقشفية واسعة.

وتفاقمت العقوبات تدريجيا لتشمل الموردين وأسماء السفن والمرافق وطالت "كل السفن التي كانت ترتاد سوريا لتأمين المشتقات النفطية"، وفق غانم.

واعترضت سلطات جبل طارق الخميس ناقلة نفط إيرانية للاشتباه بنقلها النفط إلى سوريا، بعد أسبوع من وصول ناقلة أخرى إلى ميناء بانياس. كما اتهمت دمشق السلطات المصرية بإغلاق قناة السويس أمام السفن المتوجهة إلى سوريا.

سلطات جبل طارق تحتجز ناقلة نفط إيرانية ضخمة كانت موجهة لدمشق
سلطات جبل طارق تحتجز ناقلة نفط إيرانية ضخمة كانت موجهة لدمشق

وتعرضت مصفاة بانياس الشهر الماضي لعملية "تخريب" طالت عددا من أنابيبها البحرية، وفق ما أعلنت دمشق.

وتوقفت المصفاة خلال سنوات النزاع عن العمل لأكثر من 112 مرة، وفق غانم، فيما يُفترض "بحسب الضرورات العالمية أن تتوقف المصفاة مرة في العام الواحد للصيانة".

كما عمد النظام خلال سنوات النزاع إلى شراء النفط من خصومه في مناطق سيطرتهم لتأمين جزءا من حاجياته.

وباعتبار أن أكبر وأبرز حقول النفط موجودة في شرق البلاد، تجد الحكومة السورية نفسها أمام خيارين، استعادتها عسكريا أو التوصل إلى اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية حول مستقبل تلك المنطقة بما يتضمن تلك الحقول.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية قالت في وقت سابق إن أي اتفاق مع النظام يجب أن يتضمن تقاسما عادلا للثروات النفطية.

وعمد الأكراد خلال السنوات الماضية إلى استخراج النفط من حقول الرميلان وتكريره لتأمين بعضا من الاستهلاك المحلي.

ولم تكن توجد مصاف في محافظة الحسكة قبل الحرب، إذ كان النفط المستخرج يُنقل منها إلى مصفاتي حمص وبانياس الوحيدتين في البلاد.

وعمد الأكراد إلى إنشاء مصاف بدائية صغيرة، لكنّ المادة المستخرجة ليست بجودة تلك المكررة لدى مناطق الحكومة.

وفي حال سيطر الجيش السوري على المنطقة الشرقية وفق غانم، ستصل الحكومة إلى "حدود الكفاية المطلقة في كل المشتقات النفطية".

ويُرجّح محللون أن يلعب قطاع النفط والغاز دورا أساسيا في تمويل إعادة إعمار سوريا في حال تم التوصل إلى حل سياسي، لكن بشرط أن يضمن الأكراد الذين طالما عانوا التهميش، احترام مصالحهم في هذا الشأن.