ضغوط أممية على الدبيبة لمنع عملية عسكرية وشيكة في طرابلس

المجتمع الدولي بدأ ينظر بقلق بالغ لسياسات حكومة الدبيبة، خاصة بعد تكرار تلويحها باستخدام القوة لحسم الصراع السياسي.

طرابلس - تكثف بعثة الأمم المتحدة للدعم جهودها للضغط على رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، لوقف خطاب التهديدات العسكرية التي أطلقها مؤخرًا ضد خصومه، بعد اتهامه لهم بمحاولة "الانقلاب عليه"، مما أثار حالة من القلق داخل الأوساط السياسية والشعبية على حد سواء، خصوصًا في العاصمة طرابلس التي شهدت تحركات عسكرية غير مسبوقة خلال الأيام الماضية.
وخلال اجتماع رسمي، عقد اليوم الأحد في ديوان رئاسة الوزراء بطرابلس، التقت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، برفقة نائبتها للشؤون السياسية ستيفاني خوري والسفير الألماني لدى ليبيا، الدبيبة، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق الوضع نحو موجة جديدة من العنف.

ودعت تيتيه رئيس حكومة الوحدة، وفق ما أعلنته البعثة الأممية عبر صفحتها الرسمية، إلى التهدئة والامتناع عن أي تصرفات أو تصريحات من شأنها تأجيج الصراع أو التسبب في اندلاع اشتباكات جديدة، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية مثل طرابلس. ويأتي هذا التحرك في وقت يزداد فيه الانقسام السياسي في ليبيا حدة، مما يجعل أي تحرك عسكري غير محسوب بمثابة شرارة محتملة لحرب داخلية جديدة في البلاد التي لم تتعاف بعد من آثار النزاع المسلح الذي أعقب سقوط نظام القذافي.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن المجتمع الدولي بدأ ينظر بقلق بالغ إلى سلوك حكومة الدبيبة، خاصة بعد تكرار تلويحها باستخدام القوة لحسم الصراع السياسي. وقد رصدت تقارير أمنية تحركات مكثفة لقوات تابعة لحكومة الوحدة في محيط العاصمة خلال الأيام الأخيرة، الأمر الذي اعتبرته أطراف محلية ودولية رسالة تهديد واضحة لخصومه السياسيين.
وأطلعت تيتيه رئيس الحكومة على مخرجات الاجتماع الأخير للجنة المتابعة الدولية بشأن ليبيا في العاصمة الألمانية برلين، والذي أعاد التأكيد على ضرورة السير في عملية سياسية شاملة بقيادة ليبية خالصة. واعتبرت أن اللجنة تمثل منصة أساسية لتنسيق الجهود الدولية والإقليمية، وأكدت على أهمية إعادة تفعيل مجموعات العمل المعنية بالمسارات الاقتصادية والعسكرية والدستورية.
وفيما رحّبت المبعوثة الأممية بالإفراج عن عدد من المحتجزين تعسفيًا مؤخرًا، أثنت على دور لجان التهدئة والترتيبات الأمنية في تجنب التصعيد، محذرة في الوقت نفسه من تكرار سيناريوهات المواجهات المسلحة التي شهدتها طرابلس في الأعوام الماضية، والتي خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، وأضعفت مؤسسات الدولة أكثر.
وتواجه ليبيا تحديات أمنية جسيمة، في ظل تعدد المراكز المسلحة، وغياب السيطرة الكاملة لأي جهة على جميع أنحاء البلاد، إضافة إلى الانقسام الحاد بين شرقها وغربها، وفشل الجهود السياسية المتكررة في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار الصراع على الشرعية بين حكومتي الشرق والغرب إلى زعزعة الاستقرار الهش الذي تمكنت بعض القوى من فرضه خلال الشهور الماضية، ولو بشكل مؤقت.
ويرى محللون أن موقف الأمم المتحدة يعكس نفاد صبر المجتمع الدولي من الأطراف الليبية، خاصة مع استمرار الجمود السياسي منذ فشل خريطة الطريق التي كانت مقررة في جنيف 2021. وتحذر العواصم الغربية من أن أي انزلاق أمني جديد قد يقوّض ليس فقط الجهود السياسية، بل أيضًا الأوضاع الإنسانية في البلاد، ويؤدي إلى موجات جديدة من الهجرة والتهجير الداخلي.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبقى التحدي الأكبر أمام الدبيبة هو إثبات التزامه بالمسار السياسي بعيدًا عن الخيارات العسكرية التي لطالما جُرّبت في ليبيا دون تحقيق أي استقرار دائم. فالمعادلة لم تعد تحتمل مزيدًا من المناورات، بل تتطلب تنازلات حقيقية وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح.