ضغوط دولية لتسريع تنفيذ خارطة الطريق الأممية في ليبيا
طرابلس - تجد الأطراف الليبية نفسها اليوم أمام تصاعد غير مسبوق في وتيرة الضغوط الدولية، مع تحرك فعّال من قبل بعثة الأمم المتحدة وعدد من القوى الإقليمية والدولية، بهدف كسر الجمود السياسي القائم منذ سنوات، وفتح الطريق أمام إجراء الانتخابات الوطنية التي طال انتظارها.
ففي وقت ما تزال فيه الخلافات الداخلية تعطل التوافق على الأسس القانونية والدستورية للعملية الانتخابية، تحاول المجموعة السياسية المنبثقة عن مسار برلين أن تضخ زخماً جديداً في المسار السياسي، من خلال سلسلة اجتماعات حاسمة عقدت على مستوى السفراء، جمعت ممثلين عن قوى دولية وازنة، من ضمنها الولايات المتحدة، روسيا، الصين، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الإفريقي، جامعة الدول العربية، إضافة إلى دول الجوار الليبي.
وخرج الاجتماع الأخير الذي احتضنته البعثة الأممية برئاسة مشتركة مع ألمانيا، برسائل صريحة، مفادها أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من المماطلة أو إعادة إنتاج المراحل الانتقالية. وطالب المجتمعون بضرورة تسريع تنفيذ خارطة الطريق التي سبق وأن أعلنتها الممثلة الأممية هانا تيتيه، والتي ترتكز على ثلاث دعائم رئيسية: صياغة إطار انتخابي توافقي، وتشكيل حكومة تنفيذية موحدة، وإطلاق حوار وطني شامل يعالج جذور الصراع.
وتهدف تلك الخطة التي ستُعرض على مجلس الأمن قريباً، وفق ما أعلنت تيتيه، إلى تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية خلال فترة تتراوح بين 12 إلى 18 شهراً، وهو جدول زمني اعتبره مراقبون طموحاً لكنه قابل للتحقيق إذا توافرت الإرادة السياسية لدى الفرقاء الليبيين.
وتتمثل أولى العقبات التي يطالب المجتمع الدولي بحلها فوراً، في إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعزيز قدراتها التقنية والمؤسسية، بما يضمن الاستعداد لأي استحقاق انتخابي مرتقب.
وتعتبر المفوضية إحدى الأدوات الأساسية في أي مسار ديمقراطي، لكن تجاذبات القوى داخل ليبيا، وانقسام المؤسسات، عطّلتها عن أداء دورها منذ تأجيل الانتخابات السابقة في ديسمبر 2021. ويبدو أن إعادة تفعيلها باتت اليوم الشرط الأول لعودة الثقة بين الشارع الليبي والمنظومة السياسية.
ولا تخفي خارطة الطريق الأممية إدراكها لتعقيد الواقع السياسي الليبي، ولذلك تدعو بشكل واضح إلى تشكيل حكومة موحدة جديدة تكون مسؤولة عن قيادة المرحلة الانتقالية وتنظيم الانتخابات.
وتقابل هذه الدعوة بحذر من أطراف ليبية ترى فيها محاولة لإعادة تقاسم النفوذ، فيما تراها أطراف أخرى فرصة لإعادة ضبط المشهد وتوحيد المؤسسات المنقسمة بين شرق البلاد وغربها.
لكن ما يتفق عليه جميع المراقبين، أن استمرار وجود حكومتين متنازعتين، واحدة في طرابلس وأخرى في الشرق، يمثل العقبة الأكبر أمام أي عملية انتخابية نزيهة وشاملة.
وهنالك ركيزة ثالثة ومركزية في خارطة الطريق، تتمثل في إطلاق حوار وطني واسع يضم مكونات المجتمع الليبي كافة، بما في ذلك النساء والشباب والمجتمع المدني والمكونات الثقافية المختلفة، بهدف مناقشة القضايا الخلافية الكبرى مثل توزيع الثروات، وإصلاح المؤسسة الأمنية، والمصالحة الوطنية.
ويتمثل الرهان على هذا الحوار في خلق أرضية سياسية واجتماعية جامعة، تكون بمثابة الحاضنة لأي انتخابات مقبلة، وتُجنّب البلاد العودة إلى مربع العنف والانقسام.
ويتمثل أحد أبرز التحولات في لهجة المجتمع الدولي تجاه ليبيا، في الانتقال من سياسة "الدعم الناعم" إلى التلويح العلني بمحاسبة من يعرقل تنفيذ خارطة الطريق.
ففي البيان الصادر عقب اجتماع السفراء، شدد المشاركون على ضرورة فرض المساءلة بحق كل من يعمل على إجهاض العملية السياسية أو يعطل مسار الانتخابات، في تلميح مباشر إلى قادة سياسيين ومسلحين متهمين بعرقلة الاستحقاقات الانتخابية.
ويعكس هذا الخطاب الجديد إدراكاً دولياً متزايداً بأن ترك العملية السياسية رهينة لمزاج الفاعلين المحليين لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانسداد، وبالتالي فإن التلويح بالعقوبات، أو على الأقل بنزع الشرعية السياسية، أصبح مطروحاً بجدية على طاولة المجتمع الدولي.
في المحصلة، يبدو أن ليبيا باتت أمام لحظة سياسية مفصلية: إما أن تلتقط الفرصة الأممية المدعومة دولياً، وتدخل مرحلة التحول نحو الاستقرار عبر انتخابات وطنية شاملة، أو تستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة من الانقسامات والفوضى المؤسساتية.
ومع اتساع رقعة الضغوط الأممية والدولية، بات واضحًا أن القوى الدولية لن تقف مكتوفة الأيدي طويلاً، ما يعني أن على الفرقاء الليبيين أن يتحركوا بسرعة، ليس فقط لإنقاذ العملية السياسية، بل أيضًا للحفاظ على ما تبقى من وحدة البلاد ومكانتها.