طرح غير مسبوق لشيخ الأزهر يفتح الباب لتجديد الخطاب الديني

دعوة شيخ الأزهر أحمد الطيب لعدم استخدام مصطلح 'أهل الذمة' الذي يطلق في الحديث عن غير المسلمين، تكتسي أهمية بالغة كونها تصدر عن مؤسسة دينية عريقة لها تأثيرها ولأنها توجه رسالة للتعايش بين الأديان ولترسيخ مفهوم التسامح.


الأزهر يطالب بإلغاء مصطلح 'أهل الذمة' ترسيخا للتعايش بين الأديان


باحثون في الفلسفة والفقه الإسلاميين: مصطلح أهل الذمة يرسخ التمييز


الأزهر مطالب بمراجعة شاملة لمواد وفتاوى تكفيرية لاتزال تدرس

القاهرة - صدرت عن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في الفترة الأخيرة تصريحات نشرتها جريدة "صوت الأزهر"، دعا فيها إلى عدم استخدام مصطلح "أهل الذمة" الذي يطلق في الحديث عن غير المسلمين في مصر والدول الإسلامية.

وشكلت تصريحاته رسالة واضحة في توقيتها حيث تتزامن مع الاحتفالات بعيد الميلاد وفي مضمونها، حيث تدفع لاستبدال هذا المصطلح الذي يتضمن تمييزا بين المواطنين على أساس الدين. وأيضا كانت تلك التصريحات بمثابة دفع لترسيخ مفهوم التعايش والتسامح بين الأديان.

وتكتسي هذه الدعوة أهمية بالغة كونها تصدر عن مؤسسة دينية بحجم الأزهر الشريف ومن مصر التي تعيش فيها أقلية قبطية تعرضت في السنوات الأخيرة لاعتداءات إرهابية.

وفي السابق أيضا شهدت مصر أحداث عنف بين المسيحيين والمسلمين بسبب تحرش قبطي بمسلمة أو مسلم بقبطية.

وتشير دعوة شيخ الأزهر أيضا إلى طرح خطاب ديني جديد لم يسبق أن طرحه من قبل في محاولة لتعزيز مبدا التسامح تجاه غير المسلمين في المجتمعات العربية.  

وقال أحمد الطيب حسب تصريحاته التي أوردتها جريدة "صوت" الأزهر الناطقة باسم مشيخة الأزهر، إنه "لا محل ولا مجال لأن يطلق على المسيحيين الآن مصطلح أهل الذمة، ولا بدّ من استبداله بكلمة المواطنة التي تكفل الحقوق والواجبات للجميع بشكل متساو"، موضحا أن هذا المفهوم مثل 'الجزية'، كان لهما سياقات تاريخية انتهت تماما الآن.

ورأى عدد من الخبراء والمتخصصين في الفلسفة الإسلامية أن ما صدر عن شيخ الأزهر يعبر عن سياق جديد تسعى من خلاله المؤسسة الدينية العريقة لبعث إشارات ذات دلالة تمهد لمشروع شامل لتجديد الخطاب الديني بعد تعثره لسنوات.

وتجديد الخطاب الديني لطالما أثار جدالا حتى داخل مؤسسة الأزهر الشريف وخارجها، حيث يؤيده البعض ويعارضه البعض الآخر.

وفي تصريح لجريدة 'العرب' اللندنية، اعتبر الدكتور عصمت نصّار أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة بني سويف (جنوب القاهرة)، أن تصريحات شيخ الأزهر تمثل خطوة جيدة في مجال تجديد الخطاب الديني لأن هناك مصطلحات فقهية عديدة مدلولها السلبي أوسع من الإيجابي ولم يعد لها وجود حقيقي في الحياة المعاصرة.

وقال "إن كلمة أهل الذمة ترتبط بالفقه القديم وما يعرف بالسياسة الشرعية، بخلاف كلمة المواطنة التي تتسق مع الفهم الآني المعاصر للسياسة".

ومفهوم أهل الذمة كانت له سياقات تاريخية ارتبطت بحقب بعينها وكانت له دلالات تمييزية وسلبية تجاه المواطنين غير المسلمين في دول عربية واسلامية. وارتبط تاريخيا في بعض العصور بممارسات اعتبرت سيئة ومنها مثلا في عهد الإمبراطورية العثمانية حيث ساد حينها تمييز متعمّد ضدّ المسيحيين واليهود.

ومن تلك الممارسات على سبيل الذكر لا الحصر، إلزامهم غير المسلمين بارتداء ملابس معيّنة أو العبور من شوارع بعينها وهو ما ظل سائدا حتى عصر السلطان العثماني محمود الثاني (1785ــ 1839) الذي خفف الكثير من التعاملات المسيئة المرتبطة بمن يعرفون بـ"أهل الذمة".

ويقول نصّار، إن "المصطلح ذاته استخدم في سياق اقتصادي خاص بترتيب الضرائب المفروضة على غير المسلمين تحت مسمى الجزية في العصور الأولى مقابل عدم مشاركتهم في الحرب وهي قضية حسمت فهما ولا مبرر لعودتها في ظل الشكل الحديث للدولة العصرية التي يجب أن يتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية".

والاستغناء عن مصطلح "أهل الذمة" تترتب عليه بعض المسائل من ضمنها عدم وصاية وزارة الأوقاف على بعض المنشآت الدينية والالتزام التام بخضوع جميع المواطنين باختلاف دياناتهم للقانون العام.

والأكثر إلحاحا في هذا الموضع هو أن يتم التوسع في الطرح ضمن تجديد الخطاب الديني بما يشمل كسر الأنماط الفكرية الأقرب للتعصب التي ما زالت مشمولة في جوانب من الخطاب العام لبعض المؤسسات الدينية.

وشدد أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة بني سويف ايضا على أنه لابد من نبذ فكرة تكفير غير المسلمين الشائعة بين بعض علماء الدين، "فالمسيحيون واليهود والصابئة كما ذكر القرآن الكريم، ليسوا كفارا ولا يصح تداول ما يعتبرهم كذلك وإنما أمرهم موكل إلى الله ليحكم فيه يوم القيامة".

ومسألة تكفير غير المسلمين أو تكفير السنّة للمسلمين الشيعة أو تكفير الشيعة لأهل السنّة، مسألة دقيقة وبالغة الحساسية ولها ضوابطها. ويذهب بعض العلماء لنبذها درءا للفتنة وهي "أشد من القتل"، وهو رأي من كثير من الآراء التي خاضت في هذا الأمر من دون أن يغلق الملف بشكل نهائي خاصة في مواضع يهيمن فيها التطرف الديني.

ومن الفضاء الواقعي إلى الفضاء الافتراضي، تتناثر دعاوى التكفير في كثير من خطابات التيار السلفي تنعت غير المسلمين بالكفار.

وفي مصر ثمة بعض من خطباء مساجد غير رسمية منتشرة خاصة في الأرياف، من يبالغ في التوصيف ويذهب حدّ الدعاء على غير المسلمين، في تصرف اعتبره البعض استدعاء للكراهية وترسيخا للتفرقة، خاصة أن في مصر مسيحيون وان كانوا أقلية.  

والأمر بحسب بعض الأراء يجب أن يتجاوز مسألة الديانة إلى المواطنة، فاختلاف الديانات في وطن واحد لا يجب أن يكون عاملة تفرقة وتمييز.

ويمثل الشعور بالمساواة بين أبناء العقائد والديانات المختلفة في الوطن الواحد، الطريق الأول لنبذ الفرقة والتعصب وتحويل خطابات الاستقطاب والكراهية إلى جسور للتعايش والتسامح.

ومع تنامي التطرف، مارست الحكومة المصرية لسنوات ضغوطا لإصلاح المؤسسات الدينية والدغع لتجديد الخطاب الديني وترسيخ مفهوم التسامح والتعايش بين الأديان.

لكن ثمة تيار محافظ داخل عدة مؤسسات دينية يحاول مقاومة الدفع الحكومي لتجديد الخطاب الديني والمراجعة الفكرية.

ويقول الدكتور محمد فياض أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة طنطا (مال القاهرة)، في تصريح لجريدة العرب  "العصور الوسطى وما شهدته من أحداث وتحولات سياسية خطيرة لعبت دورا كبيرا في التأثير على الفكر الديني وأسهمت في ظهور أفكار أقرب إلى التعصب، وهو ما يصبّ في خانة الازدراء المتعمّد والرفض لأصحاب الديانات الأخرى".

وتابع "آن الأوان للتخلص من هذه الأفكار والمصطلحات التي أسيء فهمها وجرى استخدامها وتوظيفها لأسباب سياسية".

ولاقت تصريحات شيخ الأزهر التي دعا فيها للاستغناء عن مصطلح "أهل الذمة"، استحسانا واسعا على اعتبار أنها صدرت من أعلى قيادة في مؤسسة دينية بحجم الأزهر بوصفها (الدعوة) بأنها إنارة وبداية لتبديد خطابات الكراهية والتعصب الشائعة في المجتمع المصري وغيره من المجتمعات العربية.

لكن دعوة أحمد الطيب لم تكن مقترنة بتوجه علمي وعملي لتجديد مناهج التعليم التي يدرسها طلبة الأزهر ومن ضمنها فتاوى ودعوات تكرس ازدراء الآخر بسبب الاختلاف العقائدي.

ويدرس الطلبة في المعاهد الأزهرية فتاوى وآراء قروسطية لم تعد تتماشى مع العصر الحالي ولأن أغلبها يصبّ في سياق نشر المزيد من الكراهية تجاه غير المسلمين.

ورفض استخدام مصطلح "أهل الذمة" قد يبدو غير كاف ويستدعي مراجعة فتاوى وأفكار يصفها محللون بالرجعية تؤسس لخطابات الكراهية وللتمييز.

ويقول أحمد ماهر عبده الباحث المتخصص في التراث الإسلامي، إن الأزهر ما زال يعتمد على الكثير من الفتاوى والأفكار الرجعية الموغلة في التطرف ويُقدمها ضمن مناهجه كآراء ومذاهب فكرية قائمة.

وأشار إلى أن "خطاب الكراهية تجاه غير المسلمين موجود في الكثير من الكتب التي مازالت تقدم باعتبارها تراثا وهناك نصوص شاذة ومحرّضة ضد الآخر".

وماهر واحد من الباحثين الذين قاموا بمراجعة لمناهج الأزهر وأوجزها في كتاب تحت عنوان 'إضلال الأمة بفقه الأئمة' وأقام عدة دعاوى قضائية ضدّ مؤسسة الأزهر، كان من نتائجها مراجعة بعض المناهج وحذف بعض الكتب والآراء الشاذة.

ويرى الباحث المصري أنه "لا يصح أن يدرس طالب الأزهر الشاب كتابا يدّعي أن المسيحي نجس أو أن أكل لحم غير المسلم جائز لسدّ الرمق أثناء المجاعات ومثلها من الخزعبلات الواردة في مؤلفات تحمل صفة الكتب الدينية رغم ما تحمله من آراء مسيئة للدين والعلم"، مضيفا أن ادّعاء الوسطية يتطلب توجها عمليا حيال المناهج والكتب التي تقدم للطلبة في مختلف المراحل التعليمية.

وأوضح كذلك أن ثمة كتب لا يجوز تقديمها على أنها جزء من التراث الإسلامي، ذاكرا عددا منها  مثل مصنف عبدالرازق الصنعاني الذي يعتبر القذف والسب واللعن لغير المسلمين وسيلة للتقرب من الله.

ويقول الصنعاني "ليس على قاذف أهل الذمة (غير المسلمين) حدّا وإذا كانت اليهودية والنصرانية تحت مسلم (زوجته) فليس بينهما ملاعنة وليس على قاذفهما حدّ وإذا قذف الرجل الرجل وله أمّ يهودية أو نصرانية فلا حدّ عليه".

ويدرس طلبة الأزهر في فقه الإمامين مالك والشافعي، حكما يقول بعدم جواز شهادة أهل الذمة مطلقا وأن ديّة الكتابي نصف ديّة المسلم.