طهران تستثني النفط من ميزانيتها تهربا من العقوبات الأميركية

واشنطن اعتبرت الاحتجاجات في إيران التحدي الأسوأ الذي يواجه النظام في طهران بعد العقوبات المفروضة عليه.


صادرات إيران من النفط تراجعت في ظل العقوبات الأميركية


إيران بحاجة لأن تزيد أسعار النفط لثلاثة أضعاف من أجل تحقيق توازن في الميزانية

طهران - عرض الرئيس الإيراني حسن روحاني على مجلس الشورى الأحد ما وصفها بـ"ميزانية مقاومة" العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على بلاده، في محاولة يائسة لامتصاص غضب الشارع على الأوضاع الاقتصادية الخطيرة التي خرج الإيرانيون للشارع احتجاجا عليها وقوبلت بالرصاص والقمع.

وقال روحاني للبرلمان في تصريحات تم بثها على الإذاعة الرسمية "ميزانية العام المقبل، كما كان الحال العام الجاري، هي ميزانية مقاومة وصمود في وجه العقوبات"، في وقت لا تزال السلطات تحاول إخماد الاحتجاجات التي تعتبرها واشنطن التحدي الأسوأ الذي يواجه النظام في طهران بالإضافة إلى العقوبات المفروضة عليه.

وأضاف الرئيس الإيراني أن "هذه الميزانية ستعلن للعالم أنه بالرغم من العقوبات، سندير البلاد، خصوصًا في ما يتعلق بالنفط".

وأكد روحاني أن موازنة العام الجديدة لا تعتمد تقريبا على إيرادات صادرات النفط، التي سيتم صرفها على المشاريع العمرانية فقط.

وتأتي ميزانية العام المالي المقبل الذي يبدأ في آذار/مارس 2020 بعد قرار رفع سعر البنزين الذي صدر عن الحكومة في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر وتسبب باندلاع تظاهرات دامية في أنحاء الجمهورية الإسلامية.

وأعلن روحاني في خطابه عن زيادة بنسبة 15 بالمئة لرواتب موظفي القطاع العام في البلد الذي يرزح اقتصاده تحت وطأة عقوبات قاسية شلت أغلب قطاعاته.

وبدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض العقوبات في أيار/مايو 2018 بعدما انسحب بشكل أحادي من الاتفاق النووي الذي نص في 2015 على تخفيف العقوبات على إيران مقابل فرضها قيوداً على برنامجها النووي.

وأبلغت واشنطن جميع الدول والشركات بوقف واردات النفط الإيراني وإلا فسيتم عزلها عن النظام المالي العالمي.

وتوقع صندوق النقد الدولي بأن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 9.5 بالمئة هذا العام  بعدما كان توقع في نيسان/أبريل انكماشا بنسبة 6 بالمئة، مع تأثر البلد بتشديد العقوبات الأميركية.

وأعادت واشنطن فرض عقوبات تهدف إلى وقف جميع صادرات النفط الإيرانية، قائلة إنها تسعى لإجبار إيران على التفاوض للتوصل إلى اتفاق أوسع نطاقا، لكن طهران ترفض إجراء محادثات ما لم تتراجع واشنطن وتلتزم بالاتفاق النووي وتلغي جميع العقوبات.

وطالت تلك العقوبات مسؤولين بارزين في النظام الإيراني، وشملت قطاع الإنشاءات والتجارة في أربع مواد تستخدم في برامجها العسكرية أو النووية وشركات، ما عمق أزمة الاقتصاد الإيراني الذي يعاني ركودا حادا منذ بداية التوتر العام الماضي.

زيادة بـ10 بالمئة في الميزانية المقبلة دون اعتماد صادرات النفط في وقت تعاني إيران من معدل تضخم وصل إلى نسبة 40 بالمئة

كما تسري العقوبات الأميركية على المؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل مع البنك المركزي وبقية المصارف الإيرانية وتشمل أيضا الشركات المشغلة للموانئ وأحواض بناء السفن وشركات النقل البحري الإيرانية.

والشهر الماضي أقر روحاني بالخطر العقوبات الأميركية الشديد على اقتصاد بلاده قائلا إن 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 مثل "أسوأ أنواع الحظر" ضد بلاده على مر التاريخ.

ودأبت طهران على إصدار التصريح ونقضيه بشأن العقوبات فهي تتحدث حينا عن عقوبات مدمرة لاقتصادها وأحيانا أخرى عن قدرتها على الصمود وتفكيك ما تعتبرها مؤامرة أميركية.

وفيما يقول روحاني إن بلاده ستقلص من اعتمادها على صادرات النفط أكد نائبه إسحاق جهانجيري الاثنين الماضي، إن "طهران مستمرة في بيع نفطها على الرغم من ضغط أميركا وعقوباتها المفروضة على صادراتنا النفطية".

وأضاف "ما زلنا نواصل بيع نفطنا باستخدام سبل أخرى، حتى مع توقف دول صديقة عن شراء خامنا خشية عقوبات أميركا"، مشيرا إلى أن "أقصى ضغط" لواشنطن على طهران فشل.

وسبق لوزير النفط الإيراني بيجان نمدار زنغنة أن أكد استخدام طهران لطرق "غير تقليدية" للالتفاف على العقوبات الأميركية ومواصلة بيع نفطها.

وقال الوزير في يونيو الماضي "لدينا مبيعات غير رسمية أو غير تقليدية، جميعها سرية، لأن الولايات المتحدة ستوقفها إن علمت بها".

وكشف تقرير سابق لمجلة فورين بوليسي الأميركية أن إيران لم تعد تستطيع الصمود أكثر، حيث كانت خطتها تقضي بأن تضغط على نفسها حتى انقضاء عهدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحالية، لكن التطورات الميدانية وعجز البلدان الأوروبية عن مساعدتها دفعها للتصعيد بتهديد أمن المنطقة والتحايل على العقوبات بشتى الطرق.

ولجأت إيران إلى تقليص اعتمادها على صادرات النفط بعد أن فشلت في تهديد امدادات النفط العالمية حين هاجمت هي ووكلائها في المنطقة السفن التجارية في مضيق هرمز ومنشآت نفط سعودية في محاولة لتخفيف الضغط عليها بعد أن خنقت العقوبات الأميركية اقتصادها ولم تستطع محاولات تهريب النفط التخفيف من وطأتها.

ويتفاقم خوف النظام الإيراني مع تزايد وتيرة احتجاجات في الداخل، حيث يرافق الركود الاقتصادي انتشار الفساد بين كبار المسؤولين في الدولة الإسلامية، في وقت تسارعت فيه وتيرة الفقر بين الإيرانيين أكثر من أي وقت مضى.

بيع بعض أملاك الدولة وقرض روسي آخر الحلول أمام طهران لتهدئة الشارع
بيع بعض أملاك الدولة وقرض روسي آخر الحلول أمام طهران لتهدئة الشارع

ويشير واقع الحال في إيران إلى أن الاقتصاد الإيراني يعاني من هزّات خطيرة مع تدهور قيمة الريال وشح في السيولة النقدية والعملة بالنقد الأجنبي وهي تأثيرات يمكن ملاحظتها في الأسواق الإيرانية ويمكن استنتاجها من خلال بيانات رسمية تشير في مجملها إلى تراجع إيرادات قطاعات حيوية وتضرر قطاعات معيشية تقليدية.

وتتوقع الميزانية الجديدة هبوط إيرادات النفط والغاز والمكثفات بنسبة 40 بالمئة مما يترك ثغرة تعتزم سدها باستخدام سندات حكومية وبيع لأملاك الدولة.

وأفادت تقارير أولية لوكالات أنباء محلية بأن الميزانية تعتمد على ما يبدو على مبيعات للنفط تتراوح بين 500 ألف ومليون برميل يوميا. وتشير تقديرات المحللين إلى أن صادرات إيران من النفط هوت في ظل العقوبات الأميركية من ما يزيد عن 2.5 مليون برميل يوميا إلى نحو 400 ألف برميل يوميا أو أقل.

وقال صندوق النقد الدولي إن إيران ستحتاج لسعر للنفط عند 194.6 دولار للبرميل لتحقيق التوازن في ميزانيتها للسنة 2020-2021، وتوقع أن تسجل طهران عجزا ماليا نسبته 4.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة 2019-2020 و5.1 بالمئة في السنة 2020-2021.

وأغلق خام القياس العالمي برنت يوم الجمعة عند 64.38 دولار.

وقال محللون إن إيران ربما اضطرت لبيع الخام بخصم عن المستويات الطبيعية مع سعيها لجذب المشترين القلقين من مخالفة العقوبات الأميركية.

أظهرت بيانات الشحن وحسابات رويترز في سبتمبر/أيلول أنه بالرغم من أن العقوبات الأمييكية التي تستهدف صناعة النفط في إيران أدت إلى تراجع صادرات البلد العضو في أوبك بأكثر من 80 بالمئة، وظلت مبيعات المنتجات النفطية قوية، مما يدر عائدات بنحو 500 مليون دولار شهريا.

وبعكس الخام الإيراني، الذي يتسم بخصائص مميزة تعني أن من الممكن تتبع مصدره، فإن تحديد مصدر المنتجات النفطية المكررة وغيرها من المنتجات النفطية أصعب بكثير.

وقال روحاني إن إيران تأمل في إكمال قرض بقيمة خمسة مليارات دولار، والذي طلبته من روسيا من أجل مشروعات تنموية، خلال سنة الميزانية.

وأضاف أن إيران ستواصل دعم السلع الأساسية والأدوية في الميزانية، على أساس سعر صرف عند 42 ألف ريال للدولار، مقارنة بسعر السوق الحرة الذي يبلغ 125 ألف ريال. واستخدام أسعار الصرف الأدنى يجعل أسعار تلك السلع في متناول الإيرانيين العاديين بشكل أكبر . ويشكو المواطنون من ارتفاع الأسعار.

ومع تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد انفجر الشارع الإيراني ليل الجمعة 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حيث نزل آلاف المواطنين للاحتجاج على إثر زيادة مفاجأة في سعر البنزين، واندلعت المواجهات التي قابلتها السلطات بالعنف منذ اللحظات الأولى في عدد كبير من المدن والمحافظات.

وقالت جماعات حقوقية إن الاضطرابات التي انتشرت بسرعة إلى أكثر من 100 مدينة وبلدة إيرانية، هي الاحتجاجات المناهضة للحكومة الأكثر دموية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حيث أسفرت عن مقتل أكثر من 200 محتج، بحسب منظمة العفو الدولية.