طوابير الجائعين في غزة شاهدة على استمرار المأساة
غزة - رغم مرور أسابيع على سريان الاتفاق، لم يتراجع مشهد الطوابير الطويلة أمام "التكايا" الخيرية، حيث يتكدس الفلسطينيون، خاصة النساء والأطفال، حاملين أوانيهم الفارغة في انتظار وجبة طعام مجانية.
وتُجسِّد هذه المشاهد استمرار سياسة التجويع، مع مواصلة إسرائيل فرض قيود على دخول المواد الغذائية الأساسية، مقابل السماح بدخول سلع كمالية، فيما تبقى أسعار الاحتياجات الضرورية فوق قدرة معظم الفلسطينيين في غزة.
وقالت المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة لحق الإنسان في الغذاء، هلال الفار، الأسبوع الماضي إن وقف إسرائيل هجماتها على قطاع غزة لا يعني نهاية معاناة الفلسطينيين من الجوع. وأضافت، في تصريح للأناضول، أن الدولة العبرية استخدمت التجويع "شكلًا من أشكال الإبادة الجماعية ضد الغزيين".
ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تواصل إسرائيل خرقه سواء عبر تنفيذ ضربات داخل القطاع، أو منع دخول المساعدات بالكميات المتفق عليها. وبحسب إحصاءات حكومية، فإن متوسط عدد الشاحنات التي دخلت منذ سريان الاتفاق لا يتجاوز 89 شاحنة يومياً، من أصل 600 شاحنة يُفترض دخولها لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للفلسطينيين.
"تكايا السعادة": ملاذ في زمن العوز
في منطقة مواصي خان يونس جنوبي القطاع، يتجمع عشرات الفلسطينيين، معظمهم نساء وأطفال، حاملين أوانيهم الفارغة أمام تكية "السعادة"، أملًا بالحصول على وجبة طعام. وتنتشر في غزة عشرات التكايا التي توزع الطعام مجانًا، وقد برز دورها خلال الحرب الإسرائيلية التي توقفت نسبيًا في 10 أكتوبر الماضي، ولا تزال تواصل عملها رغم وقف إطلاق النار بسبب استمرار الأوضاع الإنسانية الصعبة.
يقول سعد عابدين، صاحب تكية "السعادة" في مواصي خان يونس، إنهم يطهون الطعام يوميًا لتوزيعه على النازحين، موضحًا أن كثيرًا من العائلات ما زالت بلا مصدر دخل بعد وقف الحرب، ما يدفعها للاعتماد على التكايا للحصول على الغذاء. ويُشير إلى أن أسواق غزة تعاني نقصًا حادًا في المواد الغذائية الأساسية، خصوصًا اللحوم الحمراء والبيضاء، لافتًا إلى أن ما يصل منها يكون بكميات محدودة وبتكلفة لا يستطيع كثيرون تحملها.
من جانبها، تقول سيدة مصرية تنتظر دورها للحصول على وجبة من التكية إن سياسة التجويع ما زالت مستمرة رغم وقف إطلاق النار، مضيفة أن "الهدنة مجرد اسم وليست فعلًا"، مشيرة إلى أن سعر الدقيق ما زال مرتفعًا، وأن أسرتها المكونة من 8 أفراد لا تملك القدرة على شرائه بأسعار باهظة.
وتعاني هذه السيدة، وغيرها من العالقين من جنسيات مختلفة، من غلاء الأسعار وشح المساعدات الإنسانية، وتضطر للوقوف أمام تكايا توزيع الطعام يوميًا لمدة تتراوح بين ساعتين و5 ساعات، تتعرّض خلالها لحوادث بسبب الازدحام. كما تُشير إلى أنها أصيبت خلال فترة الحرب، ولم تجد العلاج أو الرعاية بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية جراء الحصار الإسرائيلي.
الأسعار تفوق قدرة الفقراء الجدد
رغم الانخفاض النسبي في ثمن بعض الخضراوات بعد وقف إطلاق النار مقارنة بفترة الحرب، إلا أن الأسعار لا تزال مرتفعة مقارنة بما قبل الحرب ، ولا تتناسب مع مستوى الدخل المنعدم لدى معظم الفلسطينيين.
ويعجز الغزيون الذين حولتهم الحرب وفق بيانات البنك الدولي إلى فقراء، عن شراء البضائع من الأسواق بسبب ارتفاع أسعارها وغياب الأساسيات. فكيس الدقيق (25 كغم) انخفض من 800 إلى 1000 شيكل خلال الحرب إلى نحو 120 شيكلًا حاليًا، لكنه يبقى بعيدًا عن سعره قبل الحرب البالغ 25 شيكلًا.
والأمر ذاته ينطبق على الخضراوات، إذ تراجع سعر كيلو الطماطم من 30 شيكلًا إلى ما بين 15 و18، مقابل 2 شيكل قبل الحرب، فيما تراجع سعر الخيار من 40 إلى 20 شيكلًا، مقارنة بـ3 شواكل سابقًا. أما الفواكه، فانخفضت أسعارها بعد أن كانت نادرة أثناء الحرب، لكنها لا تزال مرتفعة، فالموز، الذي وصل إلى 120 شيكلًا للكيلو، يُباع حاليًا بـ18 شيكلًا، بينما كان يُباع بـ3.5 شواكل قبل الحرب.
استمرار التجويع وسياسة الخنق
ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن ما يدخل القطاع من مساعدات لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، موضحًا أن متوسط عدد الشاحنات التي دخلت منذ سريان الاتفاق لا يتجاوز 89 شاحنة يوميًا، من أصل 600 شاحنة يُفترض دخولها لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
وشدد المصدر نفسه على أن "هذا الرقم يعكس استمرار سياسة الخنق والتجويع والابتزاز الإنساني التي يمارسها الاحتلال بحق أكثر من 2.4 مليون فلسطيني".