ظاهرة جديدة بين الإسلاميين في تركيا

تزداد الأمور غرابةً يوماً بعد يوم في قضية وقف الفرقان قامت السلطات التركية العام الماضي بالقبض على رئيس الوقف ومؤسسه، ألب أرسلان كويتول ولم يُثِرْ القبض عليه حينها الكثير من الاهتمام لدى الرأي العام في تركيا.

بقلم: بيهتار أوكوتان

أصبحنا نرى في العصر الحديث أحداثاً وتطورات غريبة حقاً؛ أحداثاً تثير العقل والأعصاب، شلالات من السخافات تنحي العقل جانبًا، وتجعله غير قادر على التفكير.تزداد الأمور غرابةً يوماً بعد يوم في قضية "وقف الفرقان". قامت السلطات التركية العام الماضي بالقبض على رئيس الوقف ومؤسسه، ألب أرسلان كويتول، ولم يُثِرْ القبض عليه حينها الكثير من الاهتمام لدى الرأي العام في تركيا.

 كان الكثيرون يظنون أنها مجرد عملية ضد جماعة دينية معارضة لحزب العدالة والتنمية فحسب، ولم يكن يخطر على بال أحد أن تجرّ هذه المشكلة خلفها حكاية غريبة للغاية؛ إذ بدأت الفعاليات الاحتجاجية تزداد يوماً بعد يوم بين المتعاطفين مع وقف الفرقان وزوجة ألب أرسلان كويتول وتدعى سمراء كويتول؛ بشكل لم نألفه كثيراً بين الإسلاميين.

كان الإسلاميون المؤيدون لألب أرسلان كويتول، خلال هذه المسيرات الاحتجاجية، يكتبون اسمه على البالونات، ثم يطلقونها في الهواء، ويوزعون الحلويات على المواطنين، طالبين منهم أن يدعوا لأجل إطلاق سراح رئيس حزب الفرقان، وكانوا أيضًا يعلقون صوراً صغيرة لألب أرسلان في رقابهم، ويطوفون الشوارع بها .كانت هذه ظاهرة جديدة بين الإسلاميين في تركيا.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يبدون فيها اعتراضهم على الدولة بنبرة عالية.  باختصار، أرادوا بذلك أن يُذكِّروا مالك الأمر في الدولة، وأن يقولوا له "يا من ملكت سبل العظمة في هذا البلد، هناك إله أعظم منك".

ربما أقدموا على فعل هذا انطلاقاً من قاعدة جوهرية في الإسلام هي "إن الساكت عن الحق شيطان أخرس"، دفعت الكثير من متطوعي وقف الفرقان إلى السير في هذه المظاهرات، في وقت نَحَّت فيه الجماعات الاسلامية في القرن الحادي والعشرين أوامر الدين جانباً، فيما يتعلق بالتصدي للظلم والقهر اللذين تعرَّض لهما الكثيرون خلال هذه الفترة. وبدت هذه الجماعات في تحركاتها، وكأنها غير مقنعة بما ورد في الكتاب المقدس على لسان يسوع "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر" (متّى 5: 39).

تنتهج حكومة أردوغان في الآونة الأخيرة السياسة السرية "الدهس بالجرافات"؛ للتخلص من الجماعات الدينية المعارضة، وعلى رأسها جماعة فتح الله غولن. هل شاهدتم يوماً احتجاجًا واحدًا مؤثراً قامت به إحدى هذه الجماعات؟

وأنا هنا لا أقصد التغريدات الغاضبة من خلال حسابات مجهولة، أو تلك التي تلقى من خارج البلاد على موقع التغريدات القصيرة "تويتر"؛ لأن مثل هذه الأمور لا يمكن تقييمها في إطار "الإجراء" الحقيقي. على أية حال، فلكل قطاع في الشعب خياراته وتوجهاته الخاصة؛ فله أن يلتزم الصمت وأن ينتظر الأيام السيئة أن تزول، أو أن يظهر البطاقة الحمراء اعتراضاً على ما يجري من ظلم.

القضية الرئيسة التي أتحدث عنها هنا هي أن أعضاء وقف الفرقان قاموا بأعمال خلاقة منفصلة عن بعضها البعض، عمّت جميع أنحاء البلاد. قاموا بأعمال نافسوا بها  الفعاليات التي يقوم بها اليساريون.

خرجت النساء المحجبات إلى الشوارع، وقد علَّقن صورة ألب أرسلان على رقابهن؛ لتشاركن في تلك الفعاليات، واصطدمن بالحواجز التي وضعتها الشرطة في طريقهن. لقد وقفن في الشوارع؛ لتوزيع الحساء على المارة. ليس هذا فحسب، بل قمن أيضاً باختراق الحاجز الذي طوَّقت به الشرطة منزل سمراء كويتول، وأدلين بتصريحات للصحفيين عن تعرض هذه السيدة للاعتقال أربع مرات في  إطار عملية تنكيل مستمرة تنفذها جانب الحكومة التركية ضدها.

كان نداء ألب أرسلان من فوق الحافلة، بعد فترة اعتقال استمرت مدة عام، في الذين وقفوا لاستقباله وقوله "تم احتجازي في السجن مدة عام ظلماً، وهم يحاولون الآن منعي من التحدث. عار عليكم"، بمثابة حجر ضخم أُلقي في وجه النظام الحاكم.

حاولت قوات الشرطة الموجودة في المكان التشويش على خطاب ألب أرسلان بإطلاق الصافرات بصوت عالٍ، ولكنها لم تفلح في هذا؛ فقد نجح كويتول في التحدث إلى مؤيديه، ثم انصرف بعد ذلك لأداء صلاة الجمعة. وعلى إثر ذلك، قامت الإدارة السياسية، بعد أن رأت أن حُكماً بالسجن لمدة عام "غير كافٍ" لترويض كويتول، بإرساله إلى السجن مرة أخرى.

ومن بعده جاء الدور على زوجته سمراء كويتول لإسكاتها أيضًا؛ فقد فعلت سمراء كويتول ما قام به زوجها ألب أرسلان بعد خروجه من السجن، وأخذت تتحدث إلى الناس هي الأخرى.  لم تخف حدة انتقاداتها لحكومة أردوغان، ولم تتراجع قيد أنملة عن التحدث بما أرادت. وقفت اليوم لتكرر نفس الحديث الذي قالته قبل عام، دون خوف، أو اجتزاء لمحتواه.

كان الرجال والسيدات المنتميات إلى وقف الفرقان ينظمون فعاليات تُظهر معارضتهم للقبض على ألب أرسلان كويتول ظلماً، وكان آخرها توزيع الحساء أمام مسجد هاجي بيرم والي في أنقرة.

لم تمر فترة طويلة حتى قامت قوات الشرطة بمحاصرتهم، وقامت بالقبض عليهم، ومصادرة أواني توزيع الحساء. قامت القوات بعد ذلك باقتياد جميع الذين كانوا يوزعون الحساء مع أداة الجريمة، التي لم تكن سوى بضع أوانٍ لتوزيع الحساء، إلى سيارة الشرطة، وقاموا باصطحاب الجميع إلى مخفر الشرطة! مفارقة المفارقة أنهم التقطوا صوراً لأعضاء وقف الفرقان، الذين كانوا يوزعون الحساء، وهم يقفون أمام صورة لأردوغان، معلقة على الحائط وأمامهم أواني الحساء، وفي أعناقهم الأوشحة الخاصة بهم، وقاموا بعد ذلك بتسريب هذه الصور إلى وسائل الإعلام المختلفة.

كان من بين التعليقات التي جاءت تحت الصورة:  "لقد التقطوا صوراً للمجرم مع أداة الجريمة!"

ربما كانت هذه العبارة هي أكثر التعليقات على هذه الصورة طرافة، وأكثرها إثارة للسخرية. كانت صورة  سريالية، ربما لا نجد شبيها لها في أفضل أفلام الكوميديا السوداء، ولكنها للأسف صورة من الواقع.  يروي البعض أن العقاب الحقيقي الذي أنزلوه أثناء وجودهم قيد الاحتجاز كان "إرغامهم على الوقوف مدة ساعة أمام صورة لأردوغان".

بطبيعة الحال، كان من الصعب على حزب العدالة والتنمية، الذي يعتبر نفسه المدافع الوحيد عن الإسلام والإسلاميين، أن يقبل أن يزاحمه أحد في هذا التصور داخل عقول المواطنين الأتراك.

من أجل هذا تزداد المضايقات لجميع الجماعات والطرق الدينية الأخرى. لن تكون هذه الجماعات الدينية صالحة، في نظرهم، إلا إذا نأت بنفسها عن طريق أردوغان، وابتعدت حتى عن الأماكن الدينية التي يتوسلون بها! المساجد والمقابر والتكايا.. إلخ .

يمكن للجميع أن يعيشوا على أرضه، وأن يمشوا في شوارعه، وإذا أرادوا فيمكنهم أن يصدروا أصواتاً، وهم يتنفسون. أما الآخرون فلا.

ولكن هذا لن يصير. دعونا نرى كيف سيمكنهم إخفاء الحقيقة التي أصبحت واضحة مثل الشمس في كبد السماء!

عن أحوال تركية