'ظل الأفعى'.. يوسف زيدان يكتب عن المرأة أم عن خوف الرجل منها؟
تبدو رواية "ظل الأفعى" للروائي المصري يوسف زيدان للوهلة الأولى حكاية عن زوج وزوجة يعيشان أزمة عاطفية وفكرية، لكن القارئ سرعان ما يكتشف أنه أمام نص يتجاوز حدود العلاقة الزوجية ليطرح سؤالا أعمق وأكثر إزعاجا: كيف نظر الرجل إلى المرأة عبر التاريخ؟ وهل كانت تلك النظرة انعكاسا لحقيقتها أم لصورة صنعها الرجل بنفسه ثم آمن بها؟
الرواية ليست عملا يراهن على التشويق أو المفاجآت السردية، بوإنما تعتمد على قوة الفكرة وقدرتها على إثارة الأسئلة، فزيدان لا يكتب عن امرأة بعينها، ولكنه عن المرأة بوصفها مفهوما ثقافيا وحضاريا جرى تشكيله عبر آلاف السنين من الأساطير والتأويلات والنصوص الدينية والعادات الاجتماعية، لذلك تبدو الشخصيات وكأنها أصوات فكرية أكثر منها كائنات روائية تتحرك داخل الأحداث.
في قلب الرواية يقف الرجل العربي المعاصر حائرا بين ما ورثه من أفكار عن المرأة وما يواجهه من تحولات تجعل تلك الأفكار موضع مساءلة دائمة. إنه رجل يحمل داخله تاريخا طويلا من التصورات التي اعتادت النظر إلى المرأة باعتبارها كائنا ناقصا أو مصدرا للخطر والإغواء، بينما تحاول المرأة في الرواية أن تستعيد حقها في تعريف ذاتها بعيدا عن تلك الصور الجاهزة. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في النص هو استدعاؤه المستمر للأسطورة، فالأفعى التي تظهر في العنوان مفتاح أساسي لفهم الرواية، إذ منذ أقدم الحضارات ارتبطت الأفعى بمعان متناقضة.. فهي رمز الحكمة والمعرفة عند بعض الشعوب، ورمز الخطيئة والشر عند شعوب أخرى، وبين هذين المعنيين تتحرك صورة المرأة في المخيال الإنساني وكأن زيدان يريد القول إن المرأة لم تُحاكم دائما بناء على حقيقتها، وإنما بناء على الرموز التي ألصقها بها التاريخ.
وعبر هذا تكتسب الرواية بعدها الفلسفي، فهي لا تناقش علاقة رجل بامرأة بقدر ما تناقش علاقة الوعي الذكوري بفكرة الأنوثة نفسها، فالكاتب يحاول تفكيك عدد من المسلمات التي استقرت في الثقافة الشرقية والغربية على السواء، ويعيد طرح أسئلة محرجة حول جذور التمييز بين الجنسين... لماذا ارتبطت المعرفة في بعض الأساطير بالعقاب؟ ولماذا ارتبطت المرأة بالخطيئة في كثير من السرديات الدينية والشعبية؟ وكيف تحولت هذه التصورات إلى جزء من الوعي الجمعي حتى أصبحت تبدو وكأنها حقائق طبيعية؟ غير أن الرواية لا تدين الرجل بشكل مباشر، كما لا تقدم المرأة في صورة الضحية المطلقة.. الرواية تكشف أن الطرفين معا أسرى ميراث ثقافي طويل، فالرجل الذي يمارس الهيمنة هو بدوره ابن ثقافة صنعت له دورا محددا، والمرأة التي تعاني من هذه الهيمنة تجد نفسها أحيانا مضطرة إلى إعادة إنتاجها، لذلك لا يمكن قراءة "ظل الأفعى" باعتبارها بيانا نسويا بسيطا، إنها محاولة لفهم الآليات العميقة التي تشكل العلاقات الإنسانية.
ما يميز يوسف زيدان في هذا العمل هو أنه لا يكتفي بالسرد، ويستعين بمعرفته الواسعة بتاريخ الأديان والأساطير والفلسفة ليمنح الرواية كثافة فكرية واضحة. ولهذا السبب قد يشعر بعض القراء أنهم أمام نص أقرب إلى التأمل الفلسفي منه إلى الرواية التقليدية، فالأحداث قليلة نسبيا، بينما تحضر الأفكار بكثافة تجعل القراءة أقرب إلى رحلة في طبقات الوعي الإنساني. وربما تكمن القيمة الحقيقية للرواية في أنها تدفع القارئ إلى مراجعة ما يعتبره بديهيات، فبعد الانتهاء من القراءة لا يبقى السؤال متعلقا بالمرأة فقط، بل يمتد إلى طبيعة السلطة ذاتها: كيف تُصنع الصور النمطية؟ وكيف تتحول الأساطير القديمة إلى أحكام اجتماعية معاصرة؟ ولماذا يستمر الإنسان في إعادة إنتاج الأفكار نفسها حتى عندما تثبت التجربة محدوديتها؟
لهذا يمكن القول إن "ظل الأفعى" ليست رواية عن المرأة فحسب، إنها عن الخوف الكامن في النفس البشرية من المختلف، وعن الرغبة القديمة في السيطرة على ما يصعب فهمه. إنها رواية تفتح بابا واسعا للتأمل في العلاقة بين المعرفة والسلطة، بين الأسطورة والحقيقة، وبين الرجل والمرأة بوصفهما شريكين في تاريخ طويل من سوء الفهم المتبادل. لذلك ينجح يوسف زيدان في تحويل قصة تبدو بسيطة إلى مرآة تعكس أسئلة حضارية وثقافية معقدة لا تمنح القارئ أجوبة نهائية، فتتركه أمام حقيقة ربما كانت هي الأكثر إزعاجا منها أن كثيرا مما نعتقد أنه طبيعي أو بديهي ليس سوى روايات قديمة ما زلنا نعيش داخل ظلالها.