عالم من القواعد.. ليس عالما من المبادئ!

الاستقلال الممنوح في التاريخ السياسي الحديث لم يحمل معه الحرية للشرق الأوسط الذي ظل مكبلا بقيود فرضتها القوى الاستعمارية أبرزها جعل الأمة قناعا للقبيلة ومجالا سياسيا محاصرا لها لا يتحرك إلا في إطار منهج التبعية المرسوم للعلاقة مع القوى الكبرى.

أما مصطلحات مثل الديمقراطية السياسية أو الحرية، فهي أبعد ما تكون عن المدارك العقلية، حيث لم يقترب أحد من مضمونها الجوهري. والقوانين ليست أكثر من وصفات لحالات طارئة، والحق الإنساني أسلوب بدائي، أما الدولة فهي المساحة القانونية التي تتعزز فيها حالة الحصار الجائر.

وإذ تتواصل حركية هذا المشهد المتأخر، يجد الشرق الأوسط ذاته في زمن دخول النظم المفتوحة، حيث لم تعد تقاس قيمة النظام القائم ببلوغ توازنات عوامل تكوينه ولا برسم حدوده الواضحة، ولكن بقدرته على الانفتاح وامتلاكه لبوابات التواصل مع المحطات الكونية الواقعة خارج حدوده.. التواصل هنا ضرب من الاستحالة، فالدين بطوائفه ومذاهبه وفرقه في زمن التوحد الكوني المفتوح يؤدي ذات الوظائف التي أدتها الأمة وعبأت عنصريتها، فهي تقسم ولا توحد، فنظام توحيدها الاجتماعي الذي لا يسلك طريق الرؤيا العالمية للكون يكرس حالة القطيعة.

وعقائد التوحيد الكبرى في الشرق الأوسط عززت العزلة الجغرافية والاجتماعية التي أساءت للمصير البشري منذ زمن طويل فأصبحت مشكلة الكون هي حالة هذا الإنسان الضائع بين الجموع البشرية. فهو يريد أن يتحرك لكنه لا يمتلك روابط، أما الرموز الهائلة التي يمتلكها لا تبعث أية قيمة إنسانية شمولية موحدة.

يرى المفكر الغربي "أن المثقف الإسلامي يرعى القناعة بالكينونة التامة فوق الوجود البشري في توليفة عصامية يضمنها استشهادات من القرآن الكريم واستعارات من العالم الحديث على النقيض من مناضلي العمل الإنساني الأوروبيين الذين يقوم التزامتهم كفعل إيماني بوحدة المصير البشري."

ويبقى الغرب يرى ما لا يُرى بالعين المجردة للشرق الأوسط فالأمر لا يتطلب الآن تعزيز مراكز السلطة في كيانات سياسية متزايدة الاتساع، وإنما إعادة تنظيم التكامل البشري وفتح نقاط التقارب الكوني قبل الانشغال في بناء "السيادة". فكل محاولة لتحديد مساحات سيادة الدولة المنغلقة داخل أطر محدودة، هي محاولة ستفضي إلى العنف.

بعد كل هذا.. هل يدرك الشرق الأوسط أن خصائص العالم المعاصر هو "عالم من القواعد، وليس عالما من المبادئ".