عبث اسمه 'ويكيبيديا مصري'

كتب ـ مصطفى عبدالله
مخاطر الموسوعات المفتوحة على شبكة الإنترنت

تسببت الموسوعات الرقمية المفتوحة على شبكة الإنترنت في العديد من المشكلات لدى مستخدميها من الباحثين وعموم القراء الذين اكتشفوا أن المعلومات التي تضمها لا تتمتع بنفس المصداقية التي اعتادوا أن تتوافر لغيرها من الموسوعات المعتمدة.
فبإمكان أي إنسان في أي مكان على وجه الأرض أن يضيف إلى المعلومات الورادة في هذه الموسوعة، أو يحذف منها، أو يشوهها كيفما يحلو له!.
ولعل هذا هو ما دعا القائمين على "ويكيبيديا"، (الموسوعة الحرة الأكثر شعبية على مستوى العالم)، إلى منع عمليات النشر مغفلة الهوية لغير المسجلين لديها من دولة قطر بالذات في عام 2007 مؤكدين أن ذلك اجراء اتخذوه نتيجة لقيام أشخاص يقيمون في هذه الدولة بإدخال معلومات تفتقر إلى المصداقية في موضوعات سياسية ودينية.
ومن يتصفح موقع هذه الموسوعة المفتوحة يكتشف أنه لا توجد لديها لجنة تحرير مركزية، وإنما تحرر من خلال متطوعين، ولا تتم مراجعة المعلومات التي تبثها قبل طرحها على الموقع.
وذكرت "ويكبيديا" أنها تعاني من المخربين الذين يقومون بإرسال رسائل دعائية مزعجة منتحلين دور الناشر أو الزائر، مما دفعها إلى حجب ١٨٨ شبكة على الإنترنت تفادياً لشغل الموسوعة بنصوص وهمية تؤثر على أدائها وفعاليتها ومدى صدقها.
وإذا كانت "ويكيبيديا" في بداية ظهورها قد قوبلت بترحاب من مختلف الأوساط في العالم إلا أن تحفظات بدأت في الظهور عندما شابت مادتها بعض الأخطاء المتعمدة أو غير البريئة، مما أوقع من يتعاملون مع هذه الموسوعة في دائرة من الشكوك، ورسم العديد من علامات الاستفهام في الأذهان حول ماهية القائمين على هذه الموسوعة الرقمية المفتوحة.
وتعرفت مؤخرا في أحد اجتماعات لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة على الدكتور نايل شافعي، وهو مصري مقيم منذ سنوات طويلة في الولايات المتحدة الأميركية، وقدم لي نفسه على أنه صاحب فكرة موسوعة "ويكيبيديا"، الذي لم يستطع أن يحتفظ بها ملكا له إذ آلت إلى آخرين، مما ألجأه إلى إنشاء موسوعة جديدة تحمل اسم "المعرفة": www.marefa.org وهي مشروع لجمع وخلق المحتوى العربي، لإنشاء موسوعة دقيقة، متكاملة، متنوعة، مفتوحة، محايدة ومجانية، يستطيع الجميع المساهمة في تحريرها، بالكتابة أو بالاقتباس من مصادر مرخصة بالنقل.
وبدأت موسوعة "المعرفة" في 16 فبراير/شباط 2007 وهي تضم الآن 75,582 مقالاً و2,409,583 صفحة.
ولم يحجب عنا الدكتور نايل شافعي أن موسوعته تتضمن صفحات من مواقع وموسوعات أخرى تسمح بالنقل عنها، كما أنه ذكر أنها تتضمن ملخصات لعدد كبير من الكتب العربية في حدود المسموح بالاقتباس منه، ونبه نايل إلى المخاطر التي تتهدد سوق النشر الورقي في العالم العربي بسبب سطو مواقع بعينها على قوائم كاملة لكبريات دور النشر العربية وإتاحتها على الشبكة العنكبوتية. لذا فإن سوق النشر في العالم العربي مهددة بكارثة خلال سنوات قلائل في حالة استمرار هذا الاعتداء على حقوق التأليف والنشر بدون ردع.
ونشرت مجلة "الدوحة" في عددها رقم 32 موضوعا تحت عنوان "المنهل العذب .. (ويكيبيديا) والتأسيس لأكبر موسوعة في التاريخ" للأستاذ على النويشي، يعالج فيه المشكلات المترتبة على هذه الموسوعات المفتوحة وقد جاء فيه:
"انقلبت الصورة تماما ليتم تدمير تلك التقاليد الراسخة بفضل ظاهرة الثورة الاتصالية الحديثة، لتنفلت دفة إدارة الموسوعات من قباب الجامعات ومن أيدى العلماء والسلطة الكهنوتية الوقورة إلى عقول وأصابع الشباب ليطيحوا بكل تلك التقاليد إلى قلب الشارع والمقاهي والـ (نت كافيه) بلمسة صغيرة على الـ (لاب توب) وأنت في أي مكان تستطيع أن تغير وتبدل وتعدل وتضيف وتعترض على هذه الموسوعة الكونية التي تربط أطراف الكون وتقتحم عقول أكثر من ستة مليارات من البشر.
هي ظاهرة إعلامية جديدة وطفرة معرفية تفوق الخيال، ظاهرة إعلامية أبطالها غير معلومين، وشعبيتها جارفة لدى جيل الشباب لكونها معرفة بلا رقابة وبلا رسوم، وبلا مؤلفين، فكل شخص يستطيع أن يكتب المقال الذي يريده، وكل شخص يستطيع أن يعدله أو يعترض عليه إذا ما حمل بين طياته أخطاء أو أكاذيب أو معلومات مضللة. وفي نفس الوقت يصبح كل كاتب للموسوعة هو قارئها، وهي بهذا موسوعة خارج حقوق المؤلف وضغوطه واشتراطاته التي تلهب ظهور الجميع".
ويضيف النويشى:
"وهي محاولة للالتفاف حول (إمبريالية المعرفة) فبعد أن جاءت الولايات المتحدة ودول أوروبا لتضع قيودها على حرية المعرفة، ثم حاولت بعض منظمات المجتمع الدولي المدني مثل: منظمة التشارك الإبداعى (CC)، ومؤسسة البرمجيات الحرة، ومؤسسة البرمجيات الحرة الأوروبية والهندية بالاتفاق مع مكتبة الإسكندرية للتخفيف من غلواء شروط المؤلف بنشر المعرفة وتصوير الكتب ونشرها على شبكة الإنترنت بلا مقابل نظير الاستخدام العلمي والمعرفي دون التجاري، وأتت هذه المحاولات أكلها، ولكنها لم تكن كافية حيث أن ما هو محظور من الوجبة المعرفية أكثر بكثير مما هو مباح. ومؤسسة البرمجيات الحرة (FSF) وهى مؤسسة غير ربحية قام بتأسيسها ريتشارد ستالمن سنة 1985 بهدف تشجيع ودعم البرمجيات الحرة. وتركز هذه المؤسسة على خمسة مشروعات رئيسية، أهمها مشروع (جنوا) الذي يتوخى إنشاء نظام تشغيل حر".
ويتحدث كاتب المقال عن مؤسس الـ "ويكيبيديا" قائلا:
"ويعود الفضل في تأسيسها إلى الشاب ورجل الأعمال وتاجر الإلكترونيات الأميركى جيمس ويلز (مواليد 1966) وذلك عام 2001، ويعمل جيمس ويلز حاليا عضوا في مجلس أمناء مؤسسة (ويكيميديا) وهو مؤسس ومالك (ويكيا) وتسمى خدمة استضافة الويب المجانية سنة 2004، ونتيجة لعمله في (ويكيبيديا)، التي أصبحت أكبر موسوعة في العالم، اختارته مجلة (التايم) واحدا من أكثر الأشخاص نفوذا في العالم.
وجيمس ولد في ألاباما ودرس في جامعة ألاباما وانديانا، وأصبح تاجرا للبضائع في شيكاغو، وفي منتصف 1990 بدأ مشروع بداية بحث للموسيقى أسماه (بوميس) وأسس محلا لبيع المنتجات الجنسية.
وفي مارس 2000 أسس موسوعة (نوبيديا)، (الموسوعة الحرة) وعين لارى سانغر ليكون رئيسا لتحريرها.
وهو يعد من أغنى الأغنياء في أميركا. جعل من (ويكيبيديا) مشروعا تعاونيا من خلال موسوعة حرة تعد لأن تكون أكبر موسوعة في التاريخ من ناحيتي العرض والعمق."
ويجذب النويشي الانتباه إلى بعض المخاوف حول ما تثيره "ويكيبيديا" من تغيرات فى المجتمع قائلا:
"وعلى الرغم من الحالة المثيرة التي خلقتها (ويكيبيديا) في نفوس الجميع إلا أن هناك حالة من القلق في نفوس الكثيرين تجاهها إذ يعتبرها البعض مخلب قط يجذب الشباب ليتعودوا على هذه الطريقة الجذابة في تحصيل المعلومة، ليتم في النهاية صناعة قناعات جماعية لخلق طابور واحد من المثقفين التابعين لتلك الثقافة الانتقائية الإمبريالية التي لها إملاءات محددة تصب في جانب ثقافة تنتهي إلى كونها غير محايدة بل شديدة الانحياز.
وإن ما يطلق عليه (دمقرطة المعرفة) ليس إلا وهما ابتدعته الميديا الأميركية وانساق خلفها قطيع كامل بالملايين من المثقفين والمدونين، في محاولة بديلة وخفية عن حالة الفشل التي منيت بها منظمة (من أجل الحرية الثقافية) التي من خلالها استطاعت المخابرات الأميركية الـ (CIA) اختراق عقول الكتاب والمفكرين في أوروبا وأنحاء أخرى من العالم.
وإن هذه المؤسسة لا تعمل بالشفافية المطلقة التي ينادي بها القائمون عليها بل هي تخضع في النهاية لوجهات النظر، من خلال نقاش يدور بين المحررين فيها قد ينتصر فيها شخص على آخر بالتحيز بعيدا عن الموضوعية العلمية التي يقاس على أساسها مدى قبول أو رفض مقال ما.
وأكبر الأخطاء التي تنطلق من هذه الموسوعة أنها تسمح للمحررين بكتابة مقالاتهم باللغة العامية، وذلك كما جاء في النسخة المصرية التي يقول محررها: إن (ويكيبيديا) مصري ابتدأت يوم 2 إبريل 2008 ومكتوبة باللغة المصري اللى بيتكلمها المصريين.
فى النهاية أقول برغم كل شيء فما زالت (ويكيبيديا) يدور حولها كثير من علامات الاستفهام وخاصة إذا ما تمت المقارنة بين (ويكيبيديا) العربية ونظيرتها الإنجليزية في مقالات متناظرة وغير متناظرة. سيتجدد الخوف والتوجس من وحش معلوماتي تربى وتغذى ويتم تنشئته وتنميته في عالم عنصري لا يعترف بالآخر.
وبرغم كل شيء فما زال يقف على شاطئنا بعض المتفائلين أو المخدوعين. ولا أقطع بحجة ذلك، فأصحاب حوار الحضارات يرون في نجاح وانتشار موسوعة (ويكيبيديا) دليلا على أن الحوار الحر والتلقائي يمكن أن يصل بالبشر إلى تأسيس قاعدة معرفية مشتركة بينهم. بينما يرى دعاة الليبرالية الثقافية في نجاح هذا المشروع دليلا على أن الحرية وليست الرفاهية هي التي تخلق الاعتدال، وأن القارئ الذي يمنح الحرية ويتخلص من الرفاهية يصبح قارئا داعيا ملتزما لا ينتقص من حق غيره، ولا يجنح للتطرف والعنصرية وإنكار حق الآخر".
انتهى كلام على النويشي حول هذه الموسوعة المفتوحة لتتضاعف مخاوفي منها ومن هذا العبث الذي يجري تحت دعوى إنشاء ما أسموه "ويكيبيديا مصري"، التي تتدنى بالعربية ولا تكتفي فقط بالعبث في المضامين والثوابت والأفكار والمواد التي يحررها حتى أصحابها أنفسهم. مصطفى عبدالله ـ القاهرة