عبدالحسين شعبان يفتح ملفات الشيوعيين وعراق الإسلام السياسي

تحطيم المرايا

اعتراف لابد منه :

اربعة شهور ونيف، ضيّفت الكتاب الذي انا بصدده في مكتبتي. كان على رف الكتب التي عزمتُ على قراءتها، وكلما وقع نظري عليه، ينازعني شعور بالتريث، ومرد ذلك حجمه الكبير، المتكئ على 690 صفحة، وهو حجم لا يتناسب مع ظروف طقس بغداد، الذي تجاوزت الحرارة في بعض اسابيعه 50 درجة، ناهيك عن انقطاع التيار الكهربائي، وهو انقطاع يحوّل الجو اللاهب الى جو اقرب الى فوهة تنور خبز !

وحينما انتهي من قراءة كتاب، يقفز امامي عنوان الكتاب الذي أجلت قراءته، انتظارا لوقت اكون فيه أكثر استعدادا، لكن هذا الوقت المرجو لم يأت، فالصيف الساخن عدو القراءة المتأنية، فكيف وانت تقرأ مؤلفا فكريا يصببك عرقا وانت في عز الشتاء؟ كتاب يحمل اسئلة في الجدل الفكري، والماركسية والديالكتيك، يحمل في ذات الوقت، اجابات مثل زجاج النافذة، نرى الحقيقة من خلالها، لكنها تفصلنا عن الحقيقة بحاجز!

هو كتاب لمؤلف، جاء رداً على كتاب للمؤلف ذاته ... كيف؟

الأمر ليس فزورة ... لكن من الضروري بسط الحالة للقارئ، كي يقف على المشهد بزواياه.

في العام 2009 صدر للمفكر د. عبد الحسين شعبان، كتاب أثار جدلاً واسعا في صفوف المفكرين والمثقفين بعنوان (تحطيم المرايا ـــ في الماركسية والاختلاف) وامتدت اثار الجدل الى خارج منظومة القراءة العربية، بل تعدتها الى خارج الخارطة العربية، لأنه كتاب عن الماركسية، بقلم ماركسي لا غبار عليه طيلة عقود من الزمن، وأخذ منحى جديدا، تشير طروحاته الى ان د. شعبان يمهد "لإعادة تجديد الماركسية على قاعدة القدرة في التمكن من إعادة انتاج نفسها، بما يتواءم مع نمط الانتاج الرأسمالي، ومع انتقال الرأسمالية من طور الى آخر" حسب وصف د. عبد علي المعموري رئيس مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتجية في بغداد .

كانت إطلالة د. شعبان، في كتابه "تحطيم المرايا" على الفكر الماركسي التقليدي، وسبر غور هذا الفكر في تلافيفه الممتدة والمتوزعة، بقلم الخبير والعارف والمتبحر بالكثير من المحطات التي تقبل الجدل من اوجهها ومضامينها، منتميا ومنتظما، باحثاً ومفكراً فيه، مراجعاً مجدداً.

إنها اطلالة تحليلية ونقدية للماركسية عامة ولتجارب الاحزاب الشيوعية والحركة الماركسية في البلدان العربية على وجه الخصوص، وتحديدا في العراق، حيث كان الكاتب منتسبا الى الحزب الشيوعي العراقي منذ ريعان شبابه. وكان ناشطا وكادرا متقدما في الوسطين الطلابي والثقافي. اقول ان هذه الاطلالة فتحت شهية الكثير من المتابعين للفكر الماركسي الى مناقشة طروحات د. شعبان من خلال الندوات والمقالات والبحوث.

وبصوت عال، انهى د. شعبان كتابه "تحطيم المرايا" وعقب نشره، انفجرت التعقيبات، ليعيد نشرها بشجاعة في كتاب ضخم اشرنا اليه في بداية هذا الموضوع بعنوان ذكي جدا يحوي الكثير مما يريد قوله هو (الحبر الأسود والحبر الاحمر / من ماركس الى الماركسية) وبمقدمة تصلح لوحدها ان تكون كتابا مثيرا، لسعتها وتفردها بمناقشة قضايا فكرية جاء على ذكرها، اساتذة ومتخصصون واعلاميون.

يقول د. عبد الحسين شعبان في مقدمته التي جاءت بـ 183 صفحة وبعنوان (عوضاً عن المقدمة: جدل التنوير والنقد): عندما نشرتُ كتابي "تحطيم المرايا ـــ في الماركسية والاختلاف" لم أكن أتوقع ان يحظى بمثل ما حظى به من اهتمام وقراءة ونقد، ليس من الماركسيين فحسب بل ومن اكاديميين وعلماء اجتماع وقادة رأي وحقوقيين واصحاب فكر ورجال دين او متدينين، متوزعين على طيف واسع من الاتجاهات والتيارات السياسية والفكرية ومن بلدان المشرق والمغرب وصولا الى ما في بلدان المغتربات والمنافي. ولعل الاسماء الواردة في الكتاب التي قدمت قراءتها الانتقادية، تعكس هذا الاهتمام.

من الذين ناقشوا طروحات المفكر د. عبد الحسين شعبان، الباحث السوداني د. حيدر ابراهيم علي وحلمي شعراوي مدير مركز البحوث العربية والافريقية والمفكر الكردي السوري صلاح بدرالدين والدكتور عامر فياض حسن عميد كلية العلوم السياسية في جامعة النهرين ببغداد والباحثة السورية هند نوري عبيدين والبروفيسور الجزائري عروس الزبير الاستاذ بجامعة الجزائر، والقيادي السابق في الحركة الشيوعية السورية د. عبدالله تركماني، والاستاذ الجامعي العراقي د. وفيق نظمي، والاكاديمي الفلسطيني د. محمد عبد العزيز ربيع، ومدير مهرجان الفيلم العربي في تونس د. خالد شوكت، ورئيس جامعة كردستان في اربيل د. شيرزاد احمد النجار، واستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة د. احمد محمد ثابت، واستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. عبد الرحمن الحاج ابراهيم، والكاتب الشيوعي العراقي احمد الناصري، والأمين العام المساعد للحزب الشيوعي اللبناني سعد الله مزرعاني، والقاص العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، والناقد التشكيلي الفنان عمران القيسي .. وغيرهم .

واقيمت على خلفية هذا الاصدار، ندوات عديدة، حول طروحات د. شعبان منها ندوة "حزب التجمع التقدمي الوحدوي في القاهرة" و"مركز الدراسات القانونية والسياسية في بغداد" و"منتدى الجاحظ في تونس" و" جامعة النهرين في بغداد" و"الدار العربية للعلوم في بيروت" و"قصر الانسكو" في بيروت وغيرها ..

إذن كان كتاب "تحطيم المرايا"، تحطيما لكل مرايا الذات، وكأني ارى كاتبه يقول لقارئه: انت أعمى، وانا اصم ابكم، لكن ارجوك، ضع يدك بيدي ليدرك احدنا الآخر! وهو رمية حصاة في مياه الماركسية التي ركدت وأفل نجمها في العقود الاخيرة.

• المثقف ناقد نقدي

لقد لاحظت ان د. شعبان، مارس دوره ضمن منهج نقدي، ليس بعيدا عن الماركسية، بل هو في صلبها، الم يعتبر ماركس ان المثقف ناقد اجتماعي؟ وعلى اساس ذلك فأنه حلل الظواهر في ضوء المنهج الجدلي، ونقدها استنادا الى الواقع. ويقول د. شعبان "الاطروحات الماركسية ليست سرمدية صالحة او جاهزة لكل زمان ومكان. أيوجد فهم موحّد او اتفاق على من يطلق عليهم مصطلح الماركسيون "...

إذن هناك اشكالية حول تحديد "الماركسيين" ولذلك يحاول د. شعبان ان يقدم توضيحه الخاص من خلال تصنيف الماركسيين الى عدة اصناف كالآتي :

ــ الماركسيون الطقوسيون .

ــ الماركسيون المدرسون .

ــ الماركسيون الذرائعيون .

ــ الماركسيون العولميون .

ــ ماركسيون نقديون ومجتهدون .

ويهتم د. شعبان بهؤلاء الأخيرين، ويحدد مشكلتهم بكونهم "حذرين" و"متخوفين" من ابداء النقد والمعارضة، وهنا يصل الى استنتاج هام جدا هو "ان لم تتمكن نواة صلبة فكريا وسياسيا من ممارسة النقد وبصوت عال، فإن جيلا جديدا من الماركسيين سيدفع الثمن".

والمقدمة جاءت اشتباكا وتفاعلا وحوارا مفتوحا مع العديد من الآراء والافكار ووجهات النظر والاسئلة، لتؤكد ان الحوار سيستمر متدفقا دون نهاية في هذا الموضوع.

وقال شعبان في مقدمته: "إذا كانت العودة الى قراءة ماركس وتعالميه امرا هاما، فأن الاهم والجوهري هو استيعاب منهجه، لا التشبث ببعض مقولاته التي عفا عليها الزمن، وذلك من خلال القدرة على الفهم التخالقي للماركسية، باعتبارها حلقة فعّالة متراكمة ومتطورة، منذ قراءات ماركس الاولى ومخططات عام 1884 وصولا الى كتابه "نقد الايدولوجية الالمانية" مؤكدا "لا يمكن وقف الماركسية على ماركس، فهذا يعني إيقاف التاريخ او نقده بادوات مندثرة، وهو ما كان ماركس شديد التنبه اليه، لاسيما بتخالقاته التي جعلت الماركسية بحاجة الى عمليات تحديث وتطور للإجابة عن كل فكرة ينطق بها العالم ".

قد تبدو العودة الى منهج ماركس والى الماركسية نوعا من التعالي عن الانشغال بتعقيدات الواقع ومشكلاته وهمومه، خصوصا في ظل العولمة، وما تمثله من هيمنة وشمولية على مجريات الحياة كافة، فالرأسمالية الامبريالية لا تكتفي اليوم بنهب المستعمرات مثلما كان الاستعمار القديم "الكولونيالي" بل تلجأ الى تفكيك البِنى والهياكل الاقتصادية والسياسية والثقافية القائمة، إعادة الامبريالية الرأسمالية الكبرى الى درجة انّ عملية التفكيك والالتحاق تكون تبعية وبنيوية بالضرورة، حيث تتمركز شروط إنتاج المراكز الرأسمالية. لكن تلك "العودة" الى ماركس، وبالتالي الى الماركسية، تختلف حسب منطلقات واهداف كل جهة.

ويستمر د. شعبان في عرض رؤاه، فيشير الى زبدة ما توصل اليه من دراسة ماركس والماركسية: "ان الماركسية التي يشكّل ماركس حلقتها الاولى والاساسية ليست محصورة به، فماركس قد عاش عصره (فارق ماركس الحياة في 14 مارس/اذار 1883) ودرس علومه، واستنتج ما يصلح له، وعلى الماركسيين ان يدرسوا علوم عصرهم ويستنتجوا ما يصلح لهم".

وبنقد موضوعي للذين يتوجهون للقشرة دون الّلب، يشير د. شعبان الى ان القصور الذاتي لقراءات ماركس، لاسيما لتاريخ شعوب آسيا والشرق العربي تحديداً، لم يعطه الاختبار الحقيقي للواقع الموضوعي المحسوس، بتفاعلاته وتعقيداته وصوره المختلفة، الامر الذي يحتاج وقفة نقدية تأملية وصولاً الى قراءة ماركسية جديدة توليدية، مثلما قام ماركس بنقد (هيغل وفيورباخ) بقراءة توليدية، فماركس كان باستمرار من قراءته الوضعية النقدية، صانع افكار ومولدا لها .. وكل توليد هو تأويل، لأن التأويل هو نوع من القراءة التوليدية، وبهذا المعنى يمكن قراءة ماركس بهذا المنهج .

• الدين والماركسية

ويدخل د. شعبان، في خانة شديدة التعقيد، بل ربما يمكنني القول انها خانة تحمل محذورا خطيرا، لاسيما في ظرفنا الراهن. فهو يشير الى انخراطه منذ سنوات في نقاش هادئ، وحوار مفتوح ومعلن حول الماركسية والدين، ويذكر انه انكب على دراسة الظاهرة الدينية، بعد انتعاشها في سبعينيات القرن المنصرم، خصوصا خلال ـ وبُعيد ـ الثورة الايرانية 1978 ــ 1979 وكيف احتاج الامر منه التفرغ قليلا واعادة قراءة القرآن ونهج البلاغة وبعض الكتب التراثية، وإعادة بعض المؤلفات الكلاسيكية في الماركسية، الى ان يخلص الى نتيجة قال عنها "في المرّات التي تعاطينا فيها مع التيار الاسلامي او الظاهرة الاسلامية السياسية، بل والدين بشكل عام، اتخذنا موقفين متناقضين كلاهما كان خطأ، فأما اننا تنكّرنا لها وازدريناها، وتعاملنا معها من موقع استعلائي، لاسيما بعض التصرفات الصبيانية "اليسارية" المتطرفة التي كانت تستخف بالدين وبالمشاعر الدينية والعقائد التاريخية، الأمر الذي خلق ردود فعل شديدة أستثمرها الاعداء ضدنا، ونسجوا حولها قصصا وحكايات بعضها اقرب الى الخرافة ، مستغلين المشاعر الشعبية والنظرة المقدسة الى العقائد الدينية المتوارثة .

امّا في المرة الثانية، فقد تعاملنا معها من موقع ادنى، لاسيما في العراق خلال فترة المعارضة في تسعينيات القرن المنصرم، وفيما بعد الاحتلال ولاسيّما عندما اصبحت القوة المتنفذة والاساسية في السلطة السياسية، فحاولنا مداهنتها والانضواء تحت لوائها في تحالفات كانت هي السيّد فيها، بل إنها فرضت شروطها علينا، وفي مرات لاحقة، حاولت تعويمنا حين تجرأت بإعلان الموافقة على انضمامنا الى قوائمها على اساس فردي ودون ابراز اسم الحزب الشيوعي. ولعل كلا الموقفين الخاطئين، حمّلانا تبعات ما كان ينبغي علينا تحمّله، لو اعتمدنا منهجنا الديالكتيكي القائم على النقد، فالظاهرة الدينية بما فيها، من استحكامات سياسية واجتماعية تستحق النقد، وعلينا ان نمارس نقد الحركة الدينية الاسلامية وغيرها من الحركات الدينية دون توقف او هوادة، لاسيما توجهاتها الطائفية والمذهبية .. الخ .

ويتوسع د. شعبان في هذه الجزئية، فيضيف في مقدمته: "لا وجود لماركسية خارج الانسان ، وخارج المجتمع، وبما انّ الايمان الديني موجود، فالانسان المؤمن او غير المؤمن له علاقة بالسماء، وكل الذين حاولوا توظيف العقلانية العلمية الخاصة، وصلوا الى مجتمعات مغلقة، بل وحتى ظلامية، ولعل تجربة الثورة الصينية في العام 1965 دليل على ذلك، تلك الثورة التي روّضت الصين والثقافة والتاريخ على نحو خطير، لا يمكن لايّ احد ان يصبح شكسبير او تولستوي او المتنبي او الجواهري او بتهوفن او بيكاسو .. فهؤلاء يملكون قدرة نادرة تفوق العقلانية بتحليل الثقافتية، لعليّ انظر الى العلمانية بأعتبارها إنجازا للعقلانية".

وفي رأي، يحمل من الصراحة الشئ الكبير، يقول المفكر شعبان: "لعلّ اطروحة ماركس بشأن انقراض الدين لم تكن صحيحة، وهو ما دحضته الحياة ذاتها، فالدين لم ينقرض او يتراجع، على الرغم من تقدم العلم".

• اسلاميون .. شيوعيون

وفي سطور لاحقة من مقدمته، يشير د. عبد الحسين شعبان الى حالة، عاشها عن قرب، بالقول "ليس غريبا ان ترى عددا من قرّاء المنابر الحسينية، وسدنة الروضات الحيدرية والحسينية والعباسية والكاظمية، كانوا قد انخرطوا في الحزب الشيوعي العراقي، بكثير من الاعتزاز لأنه كان يعبر عنهم، بل يمثلهم في طموحهم نحو مجتمع اكثر عدلا وحرية ومساواة، وقد كانت تلك الظاهرة طبيعية في ظروف حضور الحزب الشيوعي القوي، لكنها كادت تختفي منذ عقود من الزمن".

ثم يؤكد: "يمكنني القول، دون وجل انّ ماركس كان طوباويا في استنتاجاته الخاصة بالدين، والقائلة إنّ زوال المجتمعات الطبقية سينهي الحاجة الى الدين، لاسيما بزوال الظلم والاستغلال، الامر الذي يتناقض مع الطبيعة البشرية، فألغاز البشرلا حصر لها، ولايمكن الاجابة عنها بمثل هذه الاستنتاجات خفيفة الوزن، كالحياة والموت والمخاوف الانسانية من المجهول، وعدم القدرة على تفسير بعض الظواهر، وهذه بحدّ ذاتها تستوجب بقاء الحاجة الى الدين، الحاجة التي قد تكون ابدية".

• تجربة شخصية متجذّرة

ان المفكر د. عبد الحسين شعبان، يقدم في هذا الكتاب ، والذي اوصي بقراءته، لأهميته، يقدم من تجربته الشخصية والفكرية، تقويمه ورؤيته النقدية للماركسية والحركة الشيوعية في تجربتها العالمية والمحلية، في اطار عام يغطي سائر تجلياتهما النظرية وممارساتهما ومشكلاتهما، الراهن منها والمستقبلي، وقد حدثني عن كتابه وهو يكتب كلمة اهداء لي، بإنها هي المرة الاولى التي يتعامل فيها مع هذه الموضوعات باعتبارها رزمة واحدة.

فعلا إنها موضوعات مهمة وجدلية، يتأملها الصديق د. عبد الحسين شعبان، بثقافته الواسعة، بل الموسوعية وهي تغطي جوانب كثيرة من المعرفة والواقع، ورؤيته النقدية تتفحص بعمق المسائل المتنوعة، خاصة تلك التي بقيت عندنا زمنا طويلا خارج النقاش والتّأمل!

zaidalhilly@yahoo.com