عبد الله سالم باوزير سيرة حياة وإبداع

تجربة الأديب اليمني عبدالله سالم باوزير تشكل واحدة من التجارب المهمة في الأدب اليمني الحديث.


أول ما بدأت أقرأ الحروف وأصوغ الجُمل كانت المجلات المصورة


كنت أستلف بعض القصص التي لم تكن موجودة في مكتبة خالي کروايات أرسين لوبين

تشكل تجربة الأديب اليمني عبدالله سالم باوزير واحدة من التجارب المهمة في الأدب اليمني الحديث، ليس باعتبارها إحدى التجارب الرائدة خاصة في القصة القصيرة اليمنية، ولكن أيضا كون باوزير كان غزير الإنتاج، وتنوعت أعماله ما بين القصص القصيرة والروايات والمسرحيات وأدب الرحلة وكتب الأطفال والسيرة الذاتية، وقد عاصر الأحداث الأهم في تاريخ اليمن حيث ولد عام 1938 وتوفى عام 2004، وهذه السيرة الذاتية له التي نشرتها دار عناوين للنشر بعنوان "الحب الأول.. ذكريات الصبا والشباب"، نشرت للمرة الأولى بعد وفاته بثلاثة أعوام أي عام 2007، وهو فيها يصحبنا في عمق التقاليد والعادات اليمنية فضلا عن رصده لعالم الكتابة والإبداع سواء بالنسبة له أو الآخرين الذين رافقهم في مراحل حياته المختلفة. ويختمها بما يشبه الشهادة عن مجمل تجربته ورؤاه الإبداعية سواء كانت شخصيات أو أفكار أو ثراء وتنوع الإنتاج.
يقول باوزير عن رؤيته للسيرة الذاتية "هذا اللون من الأدب هو تسجيل أمين لتاريخ حياتي ألتزم به وأصوِّر العصر الذي عِشت فيه والشخصيات التي حولي وأثَّرت في تربيتي وتكويني الثقافي، وقد تتوسَّع هذه الدائرة التي حولي لتشمل الجيران والأصدقاء، كما أنني في هذه السيرة أسجِّل الوقائع والحوادث التي مرت بي خلال سيرة حياتي، وبعض الأحداث التي حدثت في مدينتي غيل باوزير منذ تفتَّحت عيني عليها، وأحيانا أنقل بعض الأحداث من الشيوخ أو من جدَّتي لأمي التي كانت تروي الكثير من الحوادث التي حدثت في الغيل قبل ولادتي، كما أنَّني أذكر في سيرتي بعض الحوادث المهمة التي حدثت في أجزاء من الوطن اليمني وبعض الدول في العالم العربي، وأحياناً أتطرَّق لأنقل بعض حوادث ما يجري في بعض أنحاء دول العالم قاطبة؛ إذا كان هذا الحدث يمسُّنا في اليمن".

لولا ضيق ذات اليد لكنتُ قد زُرت العديد من بلدان العالم عربيةً وأجنبية، وسجَّلت عنها ولكن اليد "خليَّة" وقد انطوى بي العمر وقد بلغتُ من العمر عتياً

وحول بدايات علاقته بالكتابة يوضح "أول ما بدأت أقرأ الحروف وأصوغ الجُمل كانت المجلات المصورة التي تمتلئ بها رفوف غرفة الرجال الأمامية في بيت خالي المؤرخ سعيد عوض باوزير أول معرفتي بالقراءة أتهجّأ منها بعض الكلمات المكتوبة تحت الصور الإخبارية، لكنني بعد وصولي إلى الصف الثاني والثالث في المدرسة الابتدائية، وبعد أن أتقنت القراءة كنت أقف أمام تلك المكتبة وأتطلَّع إلى الأعداد الكبيرة من الكتب التي تحتويها تلك المكتبة، وكمثل الطفل الذي يرى البحر لأول مرة، فإنني أقف أمام بحر هذه الكتب في دهشة وذهول وكما يضع الطفل أطراف أنامل قدميه في مياه البحر المُمتد أمامه كنت أفعل مثله، فأمد يديَّ إلى ما كُنت أرى أنني أستطيع قراءته بِیُسر، وهكذا أخذت شيئاً فشيئاً أتعوَّد على التردُّد على تلك المكتبة، فكنت في البداية أقرأ مجلة سندباد ثم سلسلة كامل كيلاني والأبراشي القصصية للأطفال، بعد ذلك وعند التحاقي بالمعهد الديني صِرتُ أقرأ سلاسل روايات جورجي زيدان التاريخية وروايات الهلال المترجمة من الروايات العالمية.
إلى جانب أنني كنت أستلف بعض القصص التي لم تكن موجودة في مكتبة خالي کروايات "أرسين لوبين" من أحد الأصدقاء المُدمنين على قراءتها أثناء بعض الحصص، وهي نوع جديد عليَّ لم أکن آلفُه من قبل، لكنِّني لم أستمر في قراءتها طويلاً؛ لكن النقلة المُهمة في قراءتي هي حصولي على كتاب ألف ليلة وليلة بأجزائه الأربعة، وقد أحضره الراحل خالي سالم عوض باوزير من السودان بعد انتهاء فترة دراسته بمدرسة المعلمين بـ"بخت الرضا"، وكان ذلك عام 1952، أحيانا كنت أمد يدي إلى كتب طه حسين والعقاد وما إن أبدأ في قراءتها حتى أُعيدها ثانيةً حين أرى صعوبةً كبيرة في قراءتها، وآخذ بعض الكتب الأخرى حتى بلغت السِّن الذي تمكَّنتُ فيه من قراءة تلك الأعمال الكبيرة في يُسر، وعند رحيلي من غيل باوزير إلى عدن للعمل انتقلت إلى قراءات أخرى، كانت مكتبات عدن حينها تمتلئ بالكتب الأدبية المتنوعة: قصص قصيرة وروايات ومسرحيات للعديد من أدباء مصر والشام والعراق، هذا إلى جانب السلاسل الأدبية التي تصدر من دار الهلال كـ"مجلة الهلال" وكتاب الهلال وروايات الهلال وسلسلة اقرأ التي تصدر من دار المعارف وسلسلة، كتابي لحلمي مراد".
ويكشف "على الرغم من ثمنها الزَّهید - حين كان ثمن كتاب الهلال ثلاثة شِلنات وكتاب اقرأ شِلِن ونصف، إلَّا أنني كنت لا أستطيع شراءها؛ نظراً للراتب الضئيل الذي كُنت أتقاضاه في ذلك الحين، حيث كنت أرسل الجزء الأكبر منه إلى أسرتي بالغيل، وأصرف الجزء المتبقِّي منه للغذاء، في حدود الكفاف من العيش، وكُنت في تلك الأيام كثيراً ما أتردَّد على بعض المكتبات كــ" مكتبة عبدالحمید عبادي" والزغير وعطا وغيرها؛ لأقوم بتصفُّح تلك الكتب فقط، والحسرة تملأ نفسي لعدم استطاعتي شراءها؛ لكنني تعرَّفت في تلك الفترة على بائع كُتب قديمة كان يفرشها على رصيف الشارع الطويل بــ" كريتر"، فكنتُ من زبائنه الدائمين؛ ولأن معظم هذه الكتب قديمة جداً ولا تستحق أن تُحفظ فقد كنت آخذ منها كمِّيةً، وبعد قراءتها أُعيدها له، وذلك مقابل مبلغ زهيد جد.اً وقد تعرفت في هذه "المكتبة" التي على الهواء على العديد من الكُتَّاب كـ"يوسف السباعي" وتوفيق الحكيم ومحمد عبدالحليم عبدالله، وغيرهم؛ ولأنني كنتُ حينها مشغولاً بهواية الرسم والذي كان يأخذ عليَّ وقت فراغي؛ فكنت أحمل هذه الكتب إلى مكان عملي بالمعلَّا، حيث كنت أعمل ناظراً على العمال بإحدى شركات البناء، وكنت بعد آن أفرغ من الإمضاء على بطاقات العُمَّال ألجأ إلى عريش حارِسَيِّ الموقع؛ فأجلس لأقرأ لربَّما في اليوم الواحد كتاباً أو كتابين من هذه الكُتب التي أُحضرها معي".
ويذكر باوزير أنه "بعد حوالي سنتين من وصولي عدن تعرَّفت على مكتبة البلدية "ليك"، والتي تقع خلف البريد، وكان يعمل بها حينذاك والد الفنان المعروف عبدالرحمن باجنيد، وكانت هذه المكتبة تمتلئ بالكتب الأدبية المترجمة إلى العربية من شتَّى أقطار الشرق والغرب، فمنها تعرَّفت على كُتَّاب روسيا أمثال: دستوفسكي- غوركي - ترجنيف - بوشكين- أمَّا تشيخوف فلم أتعرَّف عليه إلَّا بعد الاستقلال عندما أُنشئت مكتبة التقدم بالشارع الرئيسي بالمعلَّا، كما تعرَّفت على كُتَّاب بريطانيا وفرنسا، أمثال: سومرست موم، وبرناردشو وموباسان، کما قرأت من خلالها كل روايات الكاتب الأميركي هيمنجواي، لكنَّني وفي عام 1958، وعندما عملتُ مديراً لأحد متاجر الأفست النسائية، برأس شارع الزعفران وارتفع راتبي أخذت أفكِّر في تكوين مكتبتي الخاصة بي، وبدأتْ تلك المكتبة بشراء ثلاثية نجيب محفوظ: بين القصرين، وقصر الشوق والسكرية. ثم تبعتها بمجموعة سلسلة من كتاب الهلال وسلسلة اقرأ، روايات الهلال والتي كنت سابقاً اتمنَّى أن اقتنیها، ومن بين الكتب التي أخذتها مجلدين من مسرحيات توفيق الحكيم، إلى جانب أعداد من مجلة كتابي التي تحوي العديد من الروايات العالمية المشهورة".

وتحت عنوان "شخصياتي الأدبية بين الواقع والخيال" يكتب باوزير رؤيته لأعماله فيما يشبه الشهادة، يقول "فرق كبير عندي بين كتابة القصة، الذكريات والصور الشخصية، فالقصة فنٌ قائم بذاته له نُظُمه وقواعده التي يجب على الكاتب أن يلتزم بها وقد تتعدَّد هذه القواعد وقد تتغير من كاتب لآخر، كما أن للحداثة قواعدَ قد تختلف عن مفهوم القصة المتعارف عليها سابقاً ولكن يشترط ألَّا يخرج هذا التجديد والتعبير عن الإطار العام للقصة القصيرة التي يُحس القارئ عند قراءتها بالمُتعة والدهشة إلى جانب أن تعرُّفه على الحياة التي من حوله، التي ربما لم يدركها والتقطتها عين الكاتب الفاحصة، أمَّا إذا لم يصل شيء من هذا إلى القارئ فهي ليست بقصة ويمكن أن تُسمَّى بأي شيء آخر. 
وأنا إلى جانب كتابتي للقصة أكتب أيضاً الصور الشخصية والذكريات إلى جانب السيرة والتي هي تلتزم بحياة الكاتب، ولرُبَّما تتطرق إلى ما حوله كتسجيل الأحداث التي مرَّت به بلده في كل مراحل حياته، كما أن لي تجربة وحيدة في كتابة أدب الرحلات والتي شملت رحلتي إلى مُمباي، وأرى أنها تجمع الكثير من الفنون التي ذكرتها سابقاً؛ ففيها فن القصة، وفن تصوير الشخصيات، وفن الذكريات. ولكنني هنا سأتحدث عن تجربتي لكتابة القصة والصور الشخصية وكتابة الذكريات؛ فلكل لون من هذه الألوان عندي مفهومه الخاص وشخصياته الخاصة به:
أولا: الصور الشخصية
في هذا اللون من الكتابة فإنني ألتزم بالواقع فأختار شخصيةً ما ممَّن حولي أكون قد عايشتها فترة طويلة وأحيانا أنقل عن شخص آخر فتعجبني تلك الشخصية التي رُوِيت لي فأضمها إلى نماذجي التي أكتب عنها، فأقوم بالتقاط أبرز النقاط المعروفة عنها والملتصقة بها، شذوذها مثلاً، أو حماقتها أو سذاجتها، فأوظف كل هذا في خلق شخصية مميزة وذلك بتضخيم أبرز ما عُرف عنها تماماً مثلما يبرز رسام الكاريكاتير أنف الرجل المعروف بطول أنفه؛ فيجعل أنفه في الرسم طويلاً جداً حتى أن المُشاهد يتعرَّف عليه لأول وهلة من أنفه الطويل هذا.
ثانيا: الذِّكريات
ولنأخذ مثال ذلك كُتيِّب "سفينة نوح"، موضوع هذا الكُتيِّب هو ذكريات لشخصيات عِشت معها عدة سنوات وكان أكثرهم من الشباب ومن هم في مثل سنِّي تقريباً وأن وُجد بينهم الرجل العجوز والكهل المُتصابي، فكنت بينهم أرصد وأسجِّل المواقف التي أراها جديرة بالتسجيل مفضلاً كل طريف وظريف على ما سواه مُتجنِّباً الكثير والكثير ممَّا قد يسئ لهذا أو ذاك وإذا ذكرت حادثة ما فإنني لا أذكر شخصاً باسمه، ولكن برسمه فقط وقد تتشابه الصور وقد تتقارب الملامح، وسبحان من خلق من الشبه أربعين! فقد تتطابق إحدى هذه الصور مع عشرات الأشخاص الذين عاشرناهم بالأمس ونعاشرهم اليوم ولربما غداً، فالإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان.
ثالثا" السيرة الذاتية
هذا اللون من الأدب هو تسجيل أمين لتاريخ حياتي ألتزم به وأصوِّر العصر الذي عِشت فيه والشخصيات التي حولي وأثَّرت في تربيتي وتكويني الثقافي، وقد تتوسَّع هذه الدائرة التي حولي لتشمل الجيران والأصدقاء. كما أنني في هذه السيرة أسجِّل الوقائع والحوادث التي مرت بي خلال سيرة حياتي، وبعض الأحداث التي حدثت في مدينتي غيل باوزير منذ تفتَّحت عيني عليها، وأحيانا أنقل بعض الأحداث من الشيوخ أو من جدَّتي لأمي التي كانت تروي الكثير من الحوادث التي حدثت في الغيل قبل ولادتي، كما أنَّني أذكر في سيرتي بعض الحوادث المهمة التي حدثت في أجزاء من الوطن اليمني وبعض الدول في العالم العربي، وأحياناً أتطرَّق لأنقل بعض حوادث ما يجري في بعض أنحاء دول العالم قاطبة؛ إذا كان هذا الحدث يمسُّنا في اليمن.
رابعا: أدب الرحلات
هذا الأدب نادر في أدبنا اليمني الحديث؛ وقد كان لي تجربة واحدة في هذا المجال، وهو كتاب "أيام في مُومباي" وهو كتاب يجمع بين الرواية والانطباع وتسجيل حقبة من الزمن للبلد الذي زُرْتُه. هذا الأدب يستهويني ولولا ضيق ذات اليد لكنتُ قد زُرت العديد من بلدان العالم عربيةً وأجنبية، وسجَّلت عنها ولكن اليد "خليَّة" وقد انطوى بي العمر وقد بلغتُ من العمر عتياً فلا أمل في مثل تلك الرحلات التي تتطلب - إلى جانب المال - الصحة التي أفتقر إليها "ويا الله حسن الخاتمة".