عدي رشيد يفتح بوابة هوليوود أمام السينما العراقية
بغداد - في خطوة تُعدّ سابقة لافتة في مسار الحضور العراقي داخل السينما الناطقة بالإنكليزية، يشهد شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025 انطلاق العرض التجاري لفيلم "إذا رأيت شيئًا، فأبلغ عنه" (If You See Something) في صالتَي نيويورك وهوليوود، بتوزيع شركة Joint Venture، بعد عامٍ من عرضه العالمي الأول في مهرجان "وودستوك السينمائي" بتاريخ 16 أكتوبر/تشرين الأول 2024.
الفيلم، الذي تبلغ مدته 97 دقيقة، يُمثّل أحد أهم التجارب العراقية في الإنتاج السينمائي المستقل الأميركي، إذ يضع اسم المخرج عديّ رشيد في قلب المشهد الدولي، ضمن موجة جديدة من المخرجين العرب الذين يعبُرون من المحلية إلى الفضاء العالمي.
يرصد الفيلم حكاية "علي"، طبيب عراقي يطلب اللجوء السياسي في الولايات المتحدة، محاولًا إعادة بناء حياته في مدينة نيويورك الصاخبة.
في هذا العالم الجديد، يلتقي بـ"كاتي"، شابة أميركية تدير معرضًا فنيًا، لتبدأ بينهما علاقة حبّ تتأرجح بين الحميمي والسياسي، بين الحلم بالانتماء والخوف من فقدان الجذور.
لكن حين تقع أزمة في بغداد - على بعد آلاف الأميال - تنعكس تداعياتها على يومياتهما البعيدة، لتكشف طبقات خفية من التوتر والذاكرة والشكّ، وتطرح أسئلة حول هشاشة الهوية تحت ضغط البيروقراطية والهواجس العائلية والاغتراب الثقافي.
يمزج الفيلم ببراعة بين دراما رومانسية حساسة وسرد اجتماعي – سياسي عميق، يختبر أثر "الحدث البعيد" على تفاصيل الحياة اليومية داخل مدينة كبرى، ويعيد التفكير في معنى الانتماء عندما تصبح الهوية عبئًا إداريًا أكثر من كونها انتماءً وجدانيًا.
يُؤدي دور البطولة الممثل الفلسطيني آدم بكري، المعروف بأدائه في فيلم "Omar" لحنة أبوأسعد، إلى جانب الممثلة الأميركية جِس جاكوبس، في أداء يجمع بين التوتر الداخلي والشفافية العاطفية. ويشاركهما في العمل نخبة من الوجوه العربية والدولية: طارق بشارة، لوسي أوين، هادي طبل، كريستينا ألعبدو، هند أيوب، ريجي غولاند، ناصر فارس، وريد بيرني.
كتب السيناريو أفرام نوبل لودفيغ وجِس جاكوبس، وتولى التصوير دانيال فيكيوني، والمونتاج سوجين تشونغ، بينما وضع الموسيقى التصويرية براين كيلر، ويوقّع دوغ لايمان - المخرج والمنتج الأميركي المعروف (The Bourne Identity, Edge of Tomorrow) - كمنتج منفّذ، ما يضفي على العمل دعمًا مهنيًا ومرجعيةً إنتاجية تعزّز حضوره في السوق الأمريكي المستقل.
ينتمي المخرج عديّ رشيد (مواليد بغداد 1973) إلى الجيل الذي أعاد تعريف السينما العراقية بعد عام 2003، عبر أعمال تعيد قراءة الواقع الممزّق للحرب وما بعدها.
قدّم في بداياته فيلم "Underexposure/تحت التعريض" (2005) الذي صُوّر في ظل الحصار، واعتُبر من أولى التجارب العراقية ما بعد الحرب التي عرضت عالميًا ونالت جوائز، ثم تبعه بفيلم "Qarantina/حَجْر" (2010)، حيث استكمل تأملاته البصرية في العزلة والعنف، ورسم عالَمًا رمزيًا للنجاة داخل مدينة منكوبة.
ومع فيلم "If You See Something"، ينتقل رشيد إلى أول أعماله الطويلة الناطقة بالإنكليزية ضمن إنتاج أميركي مستقل، ما يشكّل نقلة نوعية في مسيرته، إذ يضعه في سياق المخرجين الذين يعبرون من التجربة المحلية إلى الخطاب العالمي حول المنفى والهوية.
الفيلم لا يقدّم العراق من زاوية الحرب أو السياسة المباشرة، بل يقدّمه من خلال أثره في حياة من تركوه، أولئك الذين يحملونه في ذاكرتهم أينما ذهبوا.
بهذا، يوسّع رشيد من عدسة السرد العراقية نحو جمهور أوسع، دون أن يتخلى عن حساسيته الواقعية التي توازن بين الوجع الإنساني والتفاصيل اليومية الدقيقة.
يتعامل الفيلم مع المدينة الأميركية ككائن مواز للشخصيات: نيويورك ليست خلفية، بل مرآة تعكس غربتهم الداخلية، حيث تبدو الشوارع اللامعة والمقاهي المزدحمة مسرحًا للتساؤل عن "من أكون؟" أكثر من "أين أنا؟".
العلاقة بين "علي" و"كاتي" تتطور في هذا السياق بين الرغبة في الاندماج والخوف من الذوبان، لتتحول إلى استعارة عن المنفى الحديث، حيث يعيش اللاجئ لا كغريب مكاني فقط، بل ككائن معلق بين لغتين، ثقافتين، وذاكرتين.
الفيلم، بعنوانه المستوحى من العبارة الأمنية الشهيرة في المترو الأميركي "If You See Something, Say Something"، يعيد تفكيك معنى "الرؤية" في مجتمع يراقب أكثر مما يفهم، ويكشف كيف يتحول الخوف الجماعي إلى أداة لإعادة إنتاج العزلة.
يأتي هذا العمل في لحظة تتصاعد فيها موجة السينما المهاجرة، حيث يبحث مخرجون من الشرق الأوسط عن لغة جديدة تروي قصصهم في الغرب من دون خطاب سياسي صريح.
وفي هذا السياق، يشكل فيلم عديّ رشيد تجربة فريدة في المزج بين الحسّ الشرقي والبنية السردية الغربية، ويقدّم نموذجًا لحضور عربيٍ مهنيٍ داخل منظومة الإنتاج الهوليوودي المستقلة.
يقول النقّاد الذين تابعوا عرضه الأول في مهرجان وودستوك إن الفيلم "هادئ في نبرته، لكنه عميق في أثره"، لأنه لا يقدّم اللاجئ كضحية، بل كإنسان يحاول أن يعرّف نفسه بعيدًا عن صورته النمطية في الإعلام الغربي.
بهذا الفيلم، يضع عديّ رشيد السينما العراقية في فضاء جديد، فضاء لا يحتاج إلى تفسير أو تبرير، بل إلى صوت حقيقي يرى العالم من مسافة مزدوجة: مسافة المنفى ومسافة الفن.
ويمكن القول إن "If You See Something" ليس فقط فيلمًا عن اللجوء أو الحبّ أو الهوية، بل تأملٌ في فكرة الوجود المعاصر نفسها، في زمنٍ تذوب فيه الحدود بين المكان والسياسة، بين الذات والآخر، وبين الذاكرة والنسيان.